تدوير المجرمين ونكسة "المصالحة"

مبنى مجلس الوزراء في سوريا (إنترنت)

أصدر رأس النظام بشار الأسد، قبل يومين، قراراً يقضي بتعديلٍ وزاري -هو الثاني- على حكومة عماد خميس خلال العام الجاري، وشمل التغيير الجديد تسع حقائب أهمها وزارة الداخلية التي اختار لها "الأسد" مجرم حرب آخر، فيما حمّل الحقائب الأخرى لمسؤولين مُكرَّسين مشهورين بفسادهم.

ولأن نظام الأسد صار يشعر بالأمان النسبي، فيما يبدو، فقد أرخى "الأسد" الستار على مسرحية "المصالحة الوطنية"، فقزَّمها وحوّلها من وزارة إلى "هيئة إدارية" تتبع رئيس الحكومة، وكسّر رتبة "المعارض الموالي" علي حيدر من وزير للمصالحة إلى رئيس لهيئتها الجديدة، في مشهد يعكس عدم قدرة النظام حتى على الاستمرار بادعاء الديمقراطية والوطنية!.

علي حيدر، مهندس "المصالحة الوطنية" فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق الزخم الإعلامي الذي أراده النظام من استحداث تلك الوزارة عقب تفجر الثورة السورية

الدماء الجديدة التي ضخها الأسد في حكومته لا تقلُّ تلوثاً عن سابقاتها، إذ إن النظام لا يملك وفرة أو حتى قلة من الشرفاء الذين يمكن أن يستعين بهم في فترة ما لتبييض صفحته

عام 2011، فالمصالحات -على ضآلتها- خطط لها وقادها وأشرف على تنفيذها وضمانها "مركز المصالحة الروسي" التابع لقاعدة "حميميم" الروسية، لدرجة أن "المُصالحين" كانوا يشترطون ضمانات روسية لإتمام عقد الاستسلام، فيما لم يقبل أحد بضمانات علي حيدر ووزارته العتيدة، ما نفى بالنتيجة أي سبب لوجودها بعد تحولها إلى نكسة وطنية أسدية!.

وبالعودة إلى التعديلات الوزارية، فإن الدماء الجديدة التي ضخها الأسد في حكومته لا تقلُّ تلوثاً عن سابقاتها، إذ إن النظام لا يملك وفرة أو حتى قلة من الشرفاء الذين يمكن أن يستعين بهم في فترة ما لتبييض صفحته أو تخفيف سوادها.

ويمكن الوقوف على نموذجين من الوزراء الجدد لمعرفة حجم الكارثة التي تحيق بنظام الأسد، تلك الكارثة التي إن لم تنتشله منها بعض "المعارضة" الجانحة للاستسلام، فإنه سيبقى غائراً فيها وصولاً إلى نهايته، حيث ستكون الحكومة والقيادة السياسية بأكملها من المطلوبين والفارين وأكابر الفاسدين.

النموذج الأول الذي يمكن الاستدلال به على ورطة "الأسد"، هو وزير الداخلية الجديد، محمد خالد رحمون، ابن محافظة إدلب، والقادم من أعتى مؤسسة أمنية معروفة

عاطف نداف وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في الحكومة الجديدة، والذي تم تدويره من وزارة التعليم العالي التي ترأسها منذ العام 2016

بجرائمها بحق السوريين قبل وخلال الثورة، ناهيك عن أنه مدرج على لائحة العقوبات الأمريكية منذ العام 2017، وبدل أن يضحك الأسد على اللحى بوزير مدني أو من خلفية عسكرية عادية (الشرطة مثلاً)، اختار مجرماً قادماً من المخابرات الجوية وضالعاً بآلاف جرائم التعذيب والتصفيات، خاصة بحق أهالي ريف دمشق (حرستا، دوما، عربين، برزة والقابون..).

أما النموذج الآخر، فيمثله عاطف نداف، وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في الحكومة الجديدة، والذي تم تدويره من وزارة التعليم العالي التي ترأسها منذ العام 2016، وقبل ذلك كان نائباً لرئيس "لجنة الأمن القومي"، ومحافظاً للسويداء وطرطوس وإدلب.

خلال وجوده محافظاً لإدلب، بين عامي 2005 و2009، عرف أهالي المحافظة الرجل الأكثر سوءاً وانحلالاً وفساداً في تاريخهم القريب، فلم تكن تدور الأحاديث عن خدمات المحافظ أو تقصيره، بل عن سهراته الأسبوعية في نوادي القمار بلبنان، وفساده المالي، وكانت المقولة الثابتة لدى أهالي المحافظة أن نداف هو ممثل "التيارات المسيحية اللبنانية" في سوريا، ولاستشراء الفساد في دم الرجل فإن مواقع "الموالاة" لم تحتمل الإحجام عن ذكر فضائحه والتي سيجد المتتبع لسيرته الكثير منها.

أما ما أحتفظ به عن "نداف"؛ الوزير الأسدي والمسؤول الدائم الذي يتم تدويره بين المناصب، فهو حادثة يندى لها جبين الإنسانية، كان ذلك في العام 2005 أو 2006 حينما قال لمسؤول في مهرجان أبي العلاء المعري لما ألح عليه بطلب ما: "... عليك وعلى المعري"!!.. ويأتي إعلام النظام ليتاجر بقطع رأس تمثال أبي العلاء.. نعم إنها جريمة، ولكن نداف قد قطع رأسه ورؤوسنا قبل ذلك بأعوام.

شارك برأيك

أشهر الوسوم