تداعيات من وحي فضِّ الاعتصام

مشهد من فض الاعتصام في السودان - 3 حزيران 2019 (ِAFP)

1- 
ما كان لفضِّ الاعتصام في السودان على ذلك النحو الكارثي فجر الثالث من حزيران الجاري أن يثير في النفوس كل هذا الأسى (بعضهم يوصل عدد القتلى إلى نحو خمسمئة شاب، ناهيكم عن حالات الاغتصاب التي تثير التقزز والكراهية..)، لولا أن تعلقت الآمال بانتفاضة الشعب السوداني المشرق نورها من عمق مأساته المزمنة، ومن سعيه للخلاص من حكم العسكر الممتد على نحو أكثر من خمسة عقود متتالية أورثها الفقر والتخلّف والتفتّت، وطمع العالم بأرضه وثرواته.. وقد رأى كثيرون في انتفاضة الشعب السوداني أنَّ الربيع العربي لم يكن كذبة، بل هو واقع حيّ له صعوده وهبوطه، كما هي سبل الحياة، فالعرب جزء من هذا العالم، ولا بد لهم من مجاراته حرية وتقدماً ومساهمة في بناء حضارة اليوم..! لكن العسكر أبوا إلا أن يؤكدوا عكس ذلك، ويقدموا وجههم الحقيقي، وعداءهم لشعوبهم.. 

2- 
كلَّما ألمت نائبة، وما أكثرها في "بلاد العرب أوطاني"، يأخذنا التأثر إلى ما هو أبعد من النائبة ذاتها.. إذ تصحو الأسئلة الحزينة في الأنفس عن عمق ما نحن فيه من قهر وتخلف، وابتعاد متناه عن أبجديات حضارة اليوم، وعجز عن مواكبة الزمن الذي يحاول إخراجنا من الحياة والتاريخ.. ففي عودة تأملية إلى الماضي القريب، يجد المتمعن في أحوال العرب، أو بعضهم على الأقل، أنها لم تكن على ما هي عليه اليوم، بل كان فيها مشاعل نور كثيرة تعد بآمال عريضة، قبل أن تغزوها جحافل العسكرة ، تحت ذريعة، الشرعية الثورية، فتأخذ معها أحلام الناس والأوطان في حالة ارتدادية قاهرة، معيدة إياها إلى كهوف الظلم والاستبداد..!

3- 
منذ أن تنازل السيد شكري القوتلي عن رئاسة الجمهورية السورية عام 1958 بتآمر من عسكر حزب البعث القادمين معظمهم من الأرياف السورية، وكان القوتلي حينذاك الرئيس الوحيد من بين الحكام العرب المنتخب ديمقراطياً بكل ما تعنيه مفردات الديمقراطية من معان.. منذ ذلك التاريخ غاب عن البلاد العربية لا الحكم الديمقراطي الذي يحاكي أنظمة العالم المتحضر فحسب، بل غابت عن البلاد التنميتان الاقتصادية والاجتماعية اللتان كانتا الحلم والأمل، ليحلَّ ضجيج الشعارات، ويرتفع صوت الإعلام الذي يمجِّد القائد الخالد، والزعيم الأوحد، رغم تتالي الهزائم المريرة التي ألحقها هذا الفرد المتكرر في معظم البلاد العربية والمرسِّخ لوجوده بعد كل هزيمة..! منذ ذلك التاريخ والبلاد العربية كافة تفتقر إلى النموذج والمثال الحيِّ.. وحين وصل التخلف إلى مداه وبلغ القمع ما بلغه من أفانين لم تشهدها شعوب المنطقة زمن المستعمرين أنفسهم.. وظنَّت الشعوب العربية، في نفسها، العقم الحضاري، ولم تعد لها من حياة، فقد خرجت من التاريخ أو أُخرجت منه، فما بينها وبين الحضارة المعاصرة سنوات ضوئية.. في تلك اللحظات المعتمة أشعل محمد البو عزيزي ما تراكم في روحه من بؤس وتعاسة بعود ثقاب ألقاه على جسده المرتجف من ضيق وغضب فكان الشرارة التي فجرت طاقات شعبة المختزنة، وخلال أيام من الحادثة صرخ أحمد الحفناوي من فرح انتظرته بعض عواصم القهر طويلاً: "هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية" مبشراً بربيع عربي مرتقب..!

4-
قد تكون نظرية المؤامرة حقيقة، وبخاصة حين يقول بها حاكم مستبد، وأغلب أنظمة الحكم في منطقتنا يرأسها مستبد، يجعل من المؤامرة غطاء لجرائمه التي يرتكبها على نحو دائم استمراراً لوجوده وانتقاماً من خصومه، فتنقلب الآية إذ يصير القائل بها متآمراً على شعبه ووطنه.. وعلى ذلك فغالباً ما ترتبط نظرية المؤامرة بالتماهي بين مصالح الأجنبي، ومصلحة الحاكم في البقاء والاستمرار، وللمثال فقط تجدر الإشارة هنا إلى رجل الأعمال رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد الذي صرَّح في أوائل أيار 2011 إلى صحيفة "نيويورك تايمز قائلاً: "إنَّ أمن إسرائيل من أمن سورية" وأضاف "أن النظام السوري لن يستسلم بسهولة، وقراره "القتال حتى النهاية". وقد قاتل فعلاً حتى النهاية تحت شعار الأسد أو نحرق البلد، ولم يزل ذاهباً في ما بدأه قبل تسع سنوات حتى يتم الحرق كاملاً حجراً وزرعاً..!

5-
واستناداً إلى نبوءة مخلوف المؤامرة فقد تدمرت سورية لكنَّ إسرائيل بقيت تضحك في سرِّها مؤمّنة على نفسها، فإن دولاً لها مكانتها في المنطقة قد ربطت بقاء نظامها، بمصالح دول عظمى، كالمملكة العربية السعودية التي ارتبطت بالولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في حلف وثيق لا فكاك منه، إذ تؤمّن أمريكا حكم آل سعود وتحميه، ويرعى السعوديون المصالح الأمريكية لا في المملكة وثرواتها فحسب بل في المنطقة كلها التي قد يأتي منها خطر وجود النموذج والمثال المتطلع إليهما.. وهكذا تستيقظ الولايات المتحدة كلما مسَّ المملكة ضيْر من هذا الجانب أو ذاك، والمملكة تعرف واجبها جيداً فتحفظ لأمريكا حقوقها: مالاً حلالاً، وعصيّاً في عجلة تاريخ المنطقة التي ربما مرت على هذا البلد العربي أو ذاك بسعي نحو الديمقراطية، أو بأية حركة يمكن لها أن تفضي إلى ملامسة روح العصر..!

6-
لابد لمجزرة فض اعتصام السودان من أن تحيل إلى مجازر مشابهة ذهب ضحاياها الآلاف من المواطنين السوريين والمصريين إذ شهدت مدينة حمص يوم الإثنين 18/4/2011 اعتصاماً ضم نحو عشرة آلاف من الشباب الذي يمثل الأطياف السورية كلها، فحمص مدينة نموذج لتعايش الأطياف السورية بأمن وسلام وترغب وتسعى إلى التغيير الديمقراطي..! وكان اعتصاماً سلمياً لشباب في عمر الورد نصبوا مسرحاً وأخذوا في الغناء والتمثيل ومباركة الحرية القادمة، لكن الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد لا تطرب إلا بصوت الرصاص الذي يحصد السوريين حصراً.. وهكذا كان إذ لا أحد يعرف عدد القتلى فقد نُقلوا بالجرافات إلى مدافن جماعية ومؤكد أنَّ كثيرين منهم قد دفنوا أحياء.. يذكر طيب تيزني، وهو يقاوم دمع عينيه، في حوار صحفي معه "إنهم ألف وثلاثمئة شاب وصبية.."

وكذلك شهد اعتصام ميدان رابعة العدوية في مدينة القاهرة الأمر نفسه، إذ قام الجيش المصري يوم 14 من آب/أغسطس 2013، بعملية عسكرية لفض اعتصام رابعة، وقد جرى اختلاف في تقدير عدد القتلى والمصابين إذ جاء في تقرير وزارة الصحة المصرية بـ 670 قتيلاً ونحو 4400 مصاب، ما يعني أن عدد القتلى  أكثر بكثير وقد وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش: "ما حدث بأنه جرائم ضد الإنسانية وأخطر حوادث القتل الجماعي.."

 7-

لا أحد يختلف على أنَّ للربيع العربي عوامله الموضوعية، وبغض النظر عما آل إليه، فقد جاء رداً على حالة العرب المتردية على غير صعيد، وبخاصة على صعيدي الهزائم المريرة أمام العدو الصهيوني تحديداً، (نعيش هذه الأيام ذكرى هزيمة حزيران الثانية والخمسين التي كانت أكثر عمقاً من نكبة 1948) وكذلك أمام التنمية واللحاق بركب الحضارة التي أساسها بناء الدول على أسس من الحرية والديمقراطية وتداول السلطة، والتعاطي مع روح العصر وأسس بنائه، وفي هذا الأمر فإن معظم الحكام العرب متساوون، فكلهم يعيش الهزائم، وكلهم يعيش التخلف لا على صعيد المجتمع والاقتصاد فحسب، بل على صعيد بناء الدولة، وتفشي الفساد، وتبديد ثروات الأمة..!

8-

إن الخوف من الاعتصامات والتظاهرات والمطالبة بالحقوق المشروعة هو خوف الأنظمة العربية المستبدة هاضمة حقوق المواطن بل إنَّ أكثرها خوفاً أكثرها استبداداً، ومنها تلك التي لا تزال قوانينها خارج إطار العصر، ومنطق التاريخ، وخوفها لايزال ناجماً عن شدة بطشها.. يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد: "إن المستبد يخشى عبارة لا إله إلا الله" إذ هي تحيله إلى من هو أعلى منه وأقوى، وتستنهض همة المظلوم ضد ظالمه.. ولذلك تراهم يراوغون حتى في الدين إذ إنهم يبحثون عن دين يطاوع سلوكهم وظلمهم..! 

9-

لابد من تأكيد ثلاثة أمور تتعلق بالجيوش عامة:

أولاً: إن الجيش أداة بيد الدولة له وظائف محددة كغيره من الأدوات المتعددة التي تمتلكها الدولة وتعنى بخدمتها وخدمة الشعب وتنميتهما.. 

ثانياً: إنَّ وظيفة الجيش الأولى هي حفظ أمن الدولة من أي عدوان خارجي، ويمكن أن يقوم في أوقات السلم بتقديم خدمات لشعبه تحددها الدولة له.. 

ثالثاً: الأمر الآخر الذي يعدُّ من أساسيات وظائف الجيش هو السهر على حفظ التوازن بين الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية المختلفة لئلا يؤدي صراعها البينيّ، إن وجد، إلى خلخلة أمن الدولة أو إضعافها أو حتى تدميرها أو أجزاء منها.. 

10- 
أخيراً إذا كان "المجلس العسكري" في السودان قد أوحى للناس بأنه يأخذ بالحسبان ما حدث في سورية ومصر من خراب وإراقة دماء، ويخشى إغراق السودان، وهو الغارق أصلاً بالدم والفقر والتخلف رغم غناه، وقد جاء تحت يافطة ثورة شعبه فأبعد الدكتاتور وحاور ممثلي "قوى الحرية والتغيير" الذي كان نموذجاً في اعتصامه فكراً وثقافة، وسلوكاً سلمياً، ومطلب الحرية والديمقراطية طريقاً لخلاص الشعب السوداني من فقره وصراعاته المزمنة أقول إذا كان المجلس العسكري، في بداياته، حريصاً على حقن دماء السودانيين فإنه أظهر خلال الحوار مع قوى إعلان الحرية والتغيير طمعاً في الحكم ورغبة في التفوق الذي يمنحه الكلمة الفصل للسيادة على الشعب، وإعادة سيرة العسكر الأولى التي تحكم السودان منذ أكثر من نصف قرن.. ولعله أيضاً استمع إلى هذه الدولة العربية أو تلك، التي تخشى على نفسها ونظامها صعود نظام يكون نموذجاً ومثالاً قد تحتذيه دول المنطقة، إذ إن أحاديث كثيرة دارت حول زيارات ممثلين عن المجلس العسكري إلى كل من السعودية ومصر قبل أيام من فض الاعتصام بالأسلوب الذي اتبعه كل من الأسد والسيسي.. وإذا كان المجلس العسكري لا يزال يراوغ في تقديم المسؤولين عن فض الاعتصام والجرائم المرتكبة فإن شعب السودان قد انتفض ولن يعود إلى دائرة القمع والتخلف والفساد وليس ذلك فحسب بل إن الربيع العربي لم ينته، إذ هو حاجة موضوعية تفرض نفسها بقوة الشعب وحركة الحياة وأمر طبيعي أن يشوب حركته الكثير من العثرات فالتركة ثقيلة جداً..!

شارك برأيك

أشهر الوسوم