تجارة مكافحة الإرهاب

عناصر مِن قوات "نظام الأسد" (أرشيف - إنترنت)

ظل حافظ الأسد طوال عقد من الزمن يطالب بعقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب، وهو ما لم يحصل عليه ولم يرد أن يحصل عليه، ليظل المفهوم فضفاضاً يخدم أجندته الداخلية بقتل وسحق معارضيه السلميين، والخارجية باستثمار إلصاق تهمة دعم الإرهاب بأي دولة أو جهة تنتقد أداءه وتدعم خصومه.

وعلى نهجه سار الوريث القاصر الذي يتشدق بغباء وبله منذ ثماني سنوات متهماً نصف السوريين بالإرهاب ومعظمهم بدعم الإرهاب، ومسوغاً جرائمه ومجازره بحقهم بمكافحة الإرهاب.. تلك التي أتت على ملايين المدنيين قتلاً وسجناً وتشريداً، ليطالب العالم بعدها بشكره ومديح أفعاله التي تصب في خدمة الأمن والاستقرار!.  

التجربة الأسدية كانت ناجحة، حقيقة، لذا استُنسخت حرفياً في بلاد الربيع العربي وتلك التي تقود الثورات المضادة، وحتى الهادئة نسبياً أو التي تعتبر نفسها في معزل. 

وليس "العالم الحر" بريئاً من ترويج تلك التجارة، بل على العكس يبدو أكبر متبنٍّ لها ومتقبّلٍ للقمع تحت ستارها، فهو يدعم أزلامه في المنطقة، ولكن بشرط تغطية جرائمهم وتغليفها بالسلوفان، ولا أكذب وأغشَّ من سراب الإرهاب ومكافحته، خصوصاً إن تضافر مع سحر "حقوق الإنسان" التي يرفعها الغرب شعاراً تراثياً حضارياً يفاخر به ويسوّق من خلاله لتقدمه وأسبقيته، في حين يدعم السيسي وحفتر وأنظمة الرعب والظلام التي تسحق الإنسان والإنسانية وتنتهج سياسة الشعب - القطيع البائدة المتجددة في المنطقة.

المعادلة لديهم تقول: كلما زادت أميركا من ضغوطها عليك فهذا يعني أنك أكثر شرفاً وصدقاً

وبينما تسكت الصواريخ وتُلجم النيران، تتراشق الولايات المتحدة وإيران بقذائف الإرهاب، فيعلن ترامب "الحرس الثوري" الإيراني منظمة إرهابية، لترد طهران بإعلان القوات الأميركية في الشرق الأوسط جهة إرهابية، فيحصد ترامب أموال العرب وإعجابهم، إلى جانب حشد دعم اللوبي الصهيوني له، وتجني إيران دعم الجزء العربي "الممانع" وتبدو أكثر موثوقية عند تلك الفئة المغيّبة، فالمعادلة لديهم تقول: كلما زادت أميركا من ضغوطها عليك فهذا يعني أنك أكثر شرفاً وصدقاً، حتى لو كنت تدمِّر عواصم العرب وتهجّرهم وتُحلُّ مكانهم ميليشيات غريبة الوجه واليد واللسان!.  

وفي سوق مكافحة الإرهاب المزدهر، ها هو الجنرال المارق خليفة حفتر، وارث جنون العظمة عن سيده القذافي، يروع البلاد ويعبث باستقرارها الهش ومستقبلها باسم مكافحة الإرهاب، والذي يمثل هذه المرة المجلس الرئاسي المعترف به دولياً!. 

وكذا يفعل عمر البشير الجاثم على صدر ما تبقّى من السودان، والمطلوب للجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، والذي سلخ جلَّ رئاسته في حروب داخلية بينية دفع فاتورتها الوطن السوداني من خريطته والمواطن السوداني من أمنه ومستقبله واقتصاده.  

ونظراً لحلاوة المصطلح وطلاوته عالمياً، دخلت إيران -رأس الشر في المنطقة - على خط الاستثمار، فجندت عشرات الميليشيات الطائفية المجرمة لقتل الناس على الهوية في سوريا واليمن ولبنان والعراق، باسم مكافحة الإرهاب!. 

وكان لروسيا البوتينية المتوحشة نصيبها كذلك من الصفقة، فأشلاء الأطفال تم تمزيقها في سوريا باسم مكافحة الإرهاب، وإدلب يجب أن تعود إلى سلطة الأسد- الحمامة، لتتخلص من بؤر الإرهاب وفق زعم سيرغي لافروف. 

وفي مصر، ينكل السيسي بكل من يعارض تأبيده في الحكم وينهي حركات سياسية تاريخية وناشئة، يمينية ويسارية ووسطاً، باسم مكافحة الإرهاب. 

ولا يقتصر المستَقصَدون على حركات الإسلام السياسي كما يروج البعض، فالقمع والسحق والإلغاء يطاول أولاً الشعوب المنادية بالتحرر، ومن ثم كل الأطياف السياسية الداعمة للتغيير من يساريين وليبراليين ويمين وسط ومتطرفين... 

ويكفي أن نتخيل صورة جامعة لمكافحي الإرهاب تضم (بوتين وخامنئي وبشار والسيسي والبشير وبوتفليقة ونصر الله وقاسم سليماني والحوثي وحفتر...) لنعلم كم صارت تجارة المخدرات والجنس قديمة وبالية أمام صُنَّاع ومروّجي تجارة الإرهاب. 

شارك برأيك

أشهر الوسوم