تأهيل الأسد ومواجهة إيران!

2019.02.11 | 00:02 دمشق

+A
حجم الخط
-A

افتتاح الإمارات العربية المتحدة سفارتها بدمشق  يوم 27 كانون الأول/ديسمبر 2018 يأتي في سياق تطور الأحداث في مرحلة ما بعد الوجود الأمريكي العسكري في سوريا، وإذ لم يكن الأمر واضحاً في بداية الأمر فإن التقارير التي نشرتها الصحافة الغربية ومراكز الأبحاث الإسرائيلية بعد ذلك كشفت عن أن هذه الخطوة ليست خطوة إماراتية منعزلة وإنما خطوة  جاءت نتيجة رؤية سياسية للتعاطي مع الأحداث وتلافي أن تكون دول هذه المحور  هي الخاسر الوحيد، والخارج من اللعبة دون أية عوائد في حين تكون إيران وتركيا هي الكاسب الأكبر في المحاور المتصارعة على الأرض السورية.

إسرائيل كانت جزءاً من هذه المقاربة لما بعد الانسحاب الأمريكي والتي روجها الروس أيضاً ومفادها أن محاصرة إيران ممكنة بدون قوة عسكرية عبر استراتيجية مربعة: ضلعها الأول هو اشتراط إعادة الإعمار بتحجيم نفوذ إيران (وليس بتسوية سياسية)، وضلعها الثاني استمرار القصف على الأهداف الإيرانية ومنع الإيرانيين من الاستقرار، وضلعها الثالث الاستناد إلى التنافس الروسي ودعم الروس مقابل الإيرانيين في السيطرة على الجيش وإعادة بنائه، وضلعها الرابع هو تحجيم الدور التركي من خلال عزله وإخراجه من "لعبة" إعادة الإعمار وتقليل خياراته.

وتستلزم هذه المقاربة الاستراتيجية الجديدة القائمة على إغراء الأسد بطرد الإيرانيين وربط إعادة الإعمار بهذا الشرط أن يكون الفاعلون في هذا المحور قريبون من بشار الأسد نفسه

وتستلزم هذه المقاربة الاستراتيجية الجديدة القائمة على إغراء الأسد بطرد الإيرانيين وربط إعادة الإعمار بهذا الشرط أن يكون الفاعلون في هذا المحور قريبون من بشار الأسد نفسه، وحاضرون في دمشق بدل أن يديروا الأمور عن بعد. ولهذا السبب فإن فتح السفارة الإماراتية بدمشق سرعان ما تلاه إعلان بحريني عن افتتاحها أيضاً، تلته زيارة مفاجئة للرئيس السوداني عمر البشير (بطائرة عسكرية روسية) لكسر عزلة بشار، لكن البشير كان سيء الحظ فقد كانت زيارته كما لو أنها شرارة ثورة اندلعت عند عودته ولا تزال مضطرمة إلى الآن. تلاها حديث عن إعادة بشار إلى الجامعة العربية، ولم تكن تلك الأحداث سوى خطوات تنفيذية متسرعة.

كما تستلزم هذه المقاربة التسليم بل والترويج لانتصار النظام بأنه استعاد السيطرة على "معظم الأراضي السورية" (في حين ألا يسيطر على 54% منها فقط)، وذلك أن تفويت الفرصة على الأتراك تقتضي تسليم سوريا للأسد، فلا أحد الآن يمكنه الوقوف بوجه الأتراك سوى روسيا وضمن حدود ما.  لكن التسليم لانتصار النظام هو تسليم بانتصار الإيرانيين، فكيف يمكن مواجهة تركيا وإيران في سوريا بتسليم سوريا للأسد؟!! هنا نعود للضلعين الأول والثاني من هذه المقاربة "الفذة" في حين يتم تسليم سوريا للأسد فإنه يتم الضغط عليه لإخراج الإيرانيين وميليشياتهم من سوريا بإغراء إعادة الإعمار وإعادة بناء جيش النظام عن طريق روسيا!

هنا لا بد من ملاحظة أن هذه المقاربة السياسية الجديدة تأخذ الوجود العسكري الإيراني في سوريا ولا ترى سواه، لكن إيران دخلت عمق الدولة ونخرت الأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية والتعليمية ومؤسسات البنية التحتية والاتصالات وجنست مئات الآلاف من الإيرانيين والعراقيين واللبنانيين والأفغان الشيعة وأدمجتهم في بنية السكان من أجل تحول مستدام وإخراجها عسكرياً على فرض إمكانه (وهو غير ممكن بغير القوة المباشرة وبدون الإطاحة بنظام الأسد) لن يخرجها من سوريا، إيران تسارع الخطى نحو تحويل الوجود العسكري السيال في سوريا إلى وقائع اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية صلبة تمنحها وجوداً وتأثيراً طويل الأمد جداً.

هذه المقاربة الاستراتيجية تفترض أنه بالإمكان فصل بشار الأسد عن الإيرانيين، وتنسى أن الأسد لم يعد قادراً على ممانعة أي طلب إيراني

كما أن هذه المقاربة الاستراتيجية تفترض أنه بالإمكان فصل بشار الأسد عن الإيرانيين، وتنسى أن الأسد لم يعد قادراً على ممانعة أي طلب إيراني، رأينا كيف يأتي وزير دفاع إيران ويزور حلب بدون أي مسؤول من طرف النظام وكأنما يتجول في أرضه وشعبه، لم يجرؤ النظام حتى على نقد هذا التعدي على ما تبقى من سيادته على ما يسيطر عليه من الأرض. مديونية بشار الأسد للإيرانيين هي مديونية مطلقة، والإيرانيون يريدون قبض الثمن عاجلاً، ولا يملك بشار الأسد السلطة ولا القوة ولا الإرادة ليستطيع فعل ذلك حتى لو كان ذلك بدعم من كل المجتمع الدولي وليس فقط دول المحور الخليجي-الإسرائيلي.

ما من شك أن هذه الدول تضع احتمالاً بفشل هذه الاستراتيجية، وفشلها يعني بالضبط تسليم سوريا لإيران، وبذلك يتكرر السيناريو الغبي الذي طبق في العراق وبموجبه صار العراق محافظ إيرانية يتجول فيها الجنرال سليماني بحرية ويشكل الفيالق والألوية العسكرية ويضغط على سياسييها وقت يشاء باعتباره السيد وكيل والولي على العراق. وإذ تضع هذا الاحتمال القوي في اعتبارها فإنها بذلك ترى أن تسليم سوريا لإيران هو أفضل من بقاء الوضع على ما هو عليه، فهذا التسليم سيكون مؤذياً لتركيا ومضعفاً لقدرتها على حفظ أمنها القومي وخطتها في شمال سوريا.  

السؤال عن السوريين ومصلحتهم هنا بالنسبة للدول المذكورة لا جود له، فالسوريين غير مرئيين في العلاقات الدولية، المصالح وحدها مرئية بين الأنظمة والزعماء والدول. ومن حسن طالع السوريين أن الولايات المتحدة فرملت هذه الاستراتيجية الغبية وأوقفت التطبيع وتأهيل الأسد، وعزز من ذلك قانون قيصر الذي يوشك على الإقرار والإطاحة بهذه المقاربة من أصلها.