بين مطرقة روسيا وسندان إيران

عناصر "نظام الأسد" يرفعون العلمين الإيراني والروسي (وكالة الأنباء الأوروبية)

بعد أن تهاوت أركان النظام العسكريّة والأمنيّة، وبعد أن خرجت عن سيطرته أغلب مساحات الأراضي السورية، وبعد أن عجزت قوات جيشه المتهالكة وأجهزة أمنه المتعدّدة عن وقف تمدّد قوّات الجيش السوري الحر، وبعد أن عجزت قوّات حُلفائه الإيرانيّين وما أرسلته من ميليشيات طائفيّة تابعة لها عن وقف هذا التدهور الحاد، بات من الضرورة بمكان استدعاء التدخّل الروسي المباشر.

اعتمد الحليفُ الروسي منذُ تدخّله العسكريّ نهاية أيلول 2015 في سوريا، مبدأ القصف الهمجي العشوائي الذي يحرق الأخضر واليابس من جهة، ومبدأ المراوغة السياسيّة والمقايضة مع القوى الدولية والإقليميّة الفاعلة في الملف السوري من جهة ثانية، ولم يغب عن باله أن يطرح في التعامل مبدأ التهدئة مع المجتمعات المهزومة من تلك المحسوبة على صفّ الثورة، وحاول أن يبني بعض جسور التواصل معها، وحاول أن يكون بمثابة مرجعيّة عليا يحتكم لها الناس بمواجهة عسف النظام، لكنّ نجاحاته بقيت محدودة جدّاً وضئيلة الأثر. 

يفتقر المحتلّ الروسي لفهم عقليّات الاستبداد المغرقة في التخلّف والتشبيح والعبوديّة، ولا يستطيع التعامل مع آليّات عملها وطرائق تشغيلها، ورغم أنّ المجتمع الروسي لا يعيش في بحبوحة الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، إلّا أنّه استطاع تجاوز مرحلة العبوديّة الستالينية إلى حدٍّ ما، واستطاع أن يكرّس بعض أشكال الحراك السياسي والعمل المجتمعي المدني المعارض ولو بحدوده الدنيا، إضافة إلى أنّ روسيا – رغم كل التحفّظات على أنظمة الحكم فيها منذ عهد لينين وحتى اللحظة - تبقى بلد بوشكين وليرمنتوف وأستروفسكي وديستوفيسكي وتوليستوي وتشيخوف وغوركي وغيرهم من الشعراء والأدباء والمفكّرين والموسيقيّين الذي أثروا الفكر الإنساني، كما إنّها بلد استطاع الوصول إلى الفضاء وأنتج التصنيع العسكري بدرجة معقولة، فهي تبقى إذن ذات إرث ثقافيّ ومجتمعيّ متقدّمٍ نوعاً ما عن ذلك الإرث وتلك المرجعيّة الاستهلاكيّة السائدة في سوريا منذ خمسين عاماً وأكثر، كذلك هي مختلفة عن الإرث الإيراني الذي تكرّس خلال أربعين عاماً من سيطرة الملالي على الحكم، وهو ما طبع سياسة البلاد برمّتها والمجتمع الإيراني بغالبيّته الظاهرة للمراقب عن بعد على الأقلّ، بذلك الطابع المتزمّت المتخلّف الموغل في العنصرية والطائفية والعدائيّة للآخرين.

العقليّة الروسيّة غير قادرة على التعامل مع كتلة النظام الصمّاء المجبولة من مزيج هائل وخلائط لا تُحصى من الرعب والذلّ والعنجهيّة الفارغة والغباء المستفحل والعبوديّة السافرة

لذلك نجد العقليّة الروسيّة غير قادرة على التعامل مع كتلة النظام الصمّاء المجبولة من مزيج هائل وخلائط لا تُحصى من الرعب والذلّ والعنجهيّة الفارغة والغباء المستفحل والعبوديّة السافرة والمقتِ الشديد لكلّ ما هو مُبدعٌ وخلّاقٌ وحرّ. كما إنها بالمقابل غير مؤهّلة بعد للتعامل مع أذرع أخطبوط الملالي التي استطاعت اختراق مجتمعات جميع الدول التي تدخّلت بها وسيطرت عليها.

لقد استطاعت قوّات الاحتلال الإيراني أن تحقّق نجاحات ملموسة في هذا المجال، فهي ببساطة استثمرت في الولاء المطلق الذي أظهرته لها مجموعة من السوريّين منذ اليوم الأول للثورة، تلك المجموعة التي انحازت لولائها المذهبي الضيّق وتحزّبت للعبودية المطلقة لمبدأ ولاية الفقيه، بدل أن تقف مع فضاء الحريّة الواسع الذي فتحت آفاقه الرحبة صرخاتُ الحريّة الأولى وشعارات الثورة في مرحلتها السلميّة النظيفة من كلّ شائبة، قبل أن تلوّثها أفعالُ أجهزة مخابرات النظام و مخابرات الدول الفاعلة في الملفّ السوري، وقبل أن تصبِغ رايتَها الخضراءَ راياتُ التنظيمات المتطرّفة التي أنتجت وخمّرت فكرها العفن في أقبية سجون النظامين السوري والعراقي تحديداً.

قد يقول قائل: إنّ النظام الروسي لا يختلف عن النظام الإيراني من حيث طبيعة الدور التخريبي المعادي لتطلّعات الشعب السوري الذي لعبه كل ّمنهما، لكنّ الأمر حقيقة مختلف بشكل جذري، فالاحتلال الروسي كأي احتلال آخر يسعى لتحقيق مكاسب سياسيّة في منطقة هامّة جدّاً من حيث موقعها الإستراتيجي في العالم، والغاية النهائيّة له هي أن تُترجم هذه المكاسب السياسية على أرض الواقع إلى منافع اقتصاديّة ذات طابع مدني أو عسكري، تجاري أو صناعي، استثماري خدماتي أو بأي شكل أو توصيف آخر، وليس في سوريا فقط، ولكن في المنطقة كلّها بدءًا بتركيا وليس انتهاءً بمصر والسودان وليبيا والجزائر ودول الخليج العربي.

النظام الإيراني بقبول ومساعدة من النظام السوري قام بأكبر عمليّة تهجير قسري للسكان في العالم

بينما يمكننا إطلاق صفة الاستعمار أو الاحتلال ذي الصبغة الكولنيالية الإحلاليّة على التدخّل الإيراني في سوريا وفي أغلب الدول العربيّة التي طالتها أذرعها المحليّة، من اليمن إلى العراق فلبنان. وما يميّز الحالة السوريّة عن غيرها، أنّ النظام الإيراني بقبول ومساعدة من النظام السوري قام بأكبر عمليّة تهجير قسري للسكان في العالم في العصر الراهن، حيث تمّ تهجير فئات محدّدة من الشعب السوري بما فيهم سكّان قرى ومدن بأكملها، من أجل إحلال سكّان جدد محلّهم ينتمون لفئة أو طائفة مختلفة.

لم يُضطرّ الاحتلال الإيراني للقيام بذلك في كلّ من العراق واليمن ولبنان، لأنّ الفئة المحليّة من السكان التي قبلت على نفسها نقل التبعيّة الوطنيّة من مكانها الطبيعي أي الوطن، إلى مكان آخر بعيد جغرافياً لكنّه قريب مذهبيّاً وطائفياّ، أي إلى الولي الفقيه، كانت فئة ذات حضور نسبيّ كبير وفاعل في هذه البلدان، بينما في سوريا لم تتعدّ نسبتها الـ 3% في أفضل أحوالها.

يجعل هذا الأمر من المقارنة بين الاحتلالين وأثرهما بعيد المدى على سوريا والمنطقة برمّتها أمراً بالغ الأهميّة. فالاحتلال الروسي لن يتشبّث بأرض أو بمنطقة ليس له فيها منافع، ويمكن تصوّر الوصول إلى تفاهمات بين السورييّن والروس في المستقبل تؤدي إلى جلاء القوات الروسية كما تمّ سابقاً مع الاستعمار الفرنسي. لكن بالنسبة للاحتلال الإيراني، فإنّ الأمر أكثر تعقيداً بما لا يُقاس.

يتّخذ نظام الملالي من القدس ذريعة تعبوّية لمخاطبة بعض الفئات والشرائح من المجتمعات العربيّة المُلحقة بطائفة اليسارويّين أو القومجيّين، الذين لا يرون من القضيّة الفلسطينية سوى أسباب الاسترزاق على عتبات الحكام الديكتاتوريّين. كما يتخذ من ذريعة الانتقام لمقتل الحسين ومظلوميّة آل البيت رافعة تعبويّة لتحشيد عموم الغوغاء والمتخلفين من الطائفة الشيعيّة وبعض الأقليّات المتحالفة معها. وفي كلتا الحالتين لا يخرج سلوكه عن مبدأ تصدير الأزمة الداخلية لتحويل أنظار الشعوب الإيرانيّة عن وجهتها الحقيقيّة.

يعاني الشعب الإيراني الويلات جرّاء سياسات نظام الملالي منذ أربعين عاماً ونيّف، وما إن يُفكّر أبناؤه بالتحرّك لتغيير واقعهم المرير، حتى تقف في وجههم كلّ شياطين الملالي وأجهزتهم القمعيّة. إنّ خلاص الشعب السوري سيكون له تبعات كبيرة على المنطقة، فاندحار وهزيمة مشروع الهيمنة الإيرانية في سوريا يعني هزيمتها في المنطقة برمّتها وفي إيران ذاتها، ويعني بالنهاية الخلاص والتحرّر للشعب الإيراني أيضاً.

لقد بدأت موجة الربيع العربي الثانية بالارتفاع، وها هي بشائر التغيير تأتينا مع نسائم الحريّة عبر سواعد وحناجر أهلنا في السودان وفي الجزائر. إنّها عجلة التاريخ التي لن تتوقف مهما وضعت العصّي فيها، فطوبى لمن ثار من هذه الشعوب، وطوبى لمن ينتظر الوقت المناسب والظرف السانح، وطوبى لمن أيّد وساند ودعم هذه الشعوب في مطالبها المُحقّة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم