بعد ثلاث سنوات من التهجير.. كيف يبدو الوضع في داريا؟

مدخل مدينة داريا بريف دمشق (فيسبوك)
هاني العبد الله - تلفزيون سوريا

بعد حوالي ثلاث سنوات على استيلاء النظام على مدينة داريا بريف دمشق، ما زال الخراب والدمار يعم أرجاء المدينة، عقب حملةٍ عسكريةٍ شرسة للأسد استهدفتها على مدار أربع سنوات، انتهت بتهجير كامل سكانها، ليعاود النظام عقب ذلك الترويج لبدء عودة المهجّرين وإعادة الخدمات بشكل تدريجي، لكن الواقع على الأرض كما ذكر شهودٌ عيان مغايرٌ تماماً لما نقله النظام عبر إعلامه.

وشهدت داريا حصاراً خانقاً استمر أربع سنوات من قبل النظام وميليشياته، تعرضت خلالها لقصفٍ بآلاف البراميل المتفجرة والغارات الجوية وقذائف المدفعية، ما ألحق دماراً كبيراً في المدينة، قبل أن تتوصل لجنة ممثلة عن فصائل وفعاليات المدينة، إلى اتفاقٍ مع الأسد يقضي بإفراغ كامل المدينة من سكانها في 26 آب 2016.

وعقب تهجير سكان داريا بقيت المدينة خالية تماماً من سكانها، الا أن وكالة أنباء النظام "سانا" زعمت في آب من العام الماضي، أن 5 آلاف مدني عادوا إلى منازلهم، حيث نشرت شبكات موالية تسجيلاً مصوراً أظهر العشرات من المدنيين أثناء دخولهم إلى داريا، وتجمعهم للاحتفال في ساحة الزيتونة وسط المدينة، مشيرةً الى أن عودة المدنيين مستمرة بشكل تدريجي، بعد تأمين الظروف المناسبة والخدمات الأساسية.

إجراءات معقدة للدخول

لكن القيادي السابق في إحدى فصائل المعارضة في داريا نهاد الحو، نفى ادعاءات النظام حول عودة الأهالي إلى مدينتهم، موضحاً أن المدينة ما تزال خالية تماماً من السكان، والنظام يسمح للمدنيين بالدخول لتفقد منازلهم وإجراء الإصلاحات لها فقط بعد الحصول على بطاقات من مكتب البلدية، ومن ثم الخروج في نفس اليوم، دون أن يُسمح لهم بالمبيت فيها".

وأضاف "الحو" لموقع تلفزيون سوريا أن "آلية الدخول تتم عبر تسجيل نازحي داريا أسمائهم لدى المكتب التنفيذي التابع للبلدية، وتعبئة استمارة تتضمن كل المعلومات التفصيلية عن الشخص وأفراد عائلته، إضافةً الى عنوان ورقم العقار الذي يمتلكه في داريا، مع ضرورة اصطحاب دفتر عائلي أو بيان عائلي وسند ملكية، ومن ثم عليه الانتظار حتى تُرفع الأسماء الى مكتب الأمن الوطني لدراستها أمنياً وإصدار الموافقات، وارسالها مجدداً إلى البلدية ليتم نشرها على صفحتها على الفيس بوك".

 

ونزح منذ أواخر العام 2012 أكثر من 70 ألف شخصاً من داريا إلى دمشق وريفها، حيث سكنوا في مناطق مختلفة، ولاسيما في جديدة صحنايا والكسوة والطيبة وكناكر وزاكية ومقيلبية وجرمانا، بينما انتقل من تم تهجيره في آب 2016 الى مراكز الإيواء في منطقة حرجلة بريف دمشق، في حين هُجّر الباقي إلى الشمال المحرر.

 

 

وقال أحد سكان داريا فضّل عدم ذكر اسمه لأسبابٍ أمنية: إن "مكتب الأمن الوطني والفرقة الرابعة هما من يتوليان مسألة الموافقة على الأسماء التي يتم رفعها من مجلس بلدية داريا، ومن يكون اسمه وارداً ضمن القوائم، يحصل على بطاقة تخوّله الدخول لعدة ساعات من مدخل المتحلق الجنوبي حصراً، بينما يُمنع دخول أي شخص من باقي مداخل المدينة"، مشيراً الى أن "الكثير من السكان سجلوا بياناتهم للدخول منذ أكثر من عامين وحتى الآن لم يحصلوا على أي موافقة".

وأضاف في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن "النظام يمنع الأهالي من العودة الى بيوتهم، وهناك عدد قليل جداً من السكان المرتبطين بالنظام يقيم في المدينة، بينما اضطر معظم أهالي داريا لاستئجار منازل بأسعار باهظة في دمشق وريفها، لذا تتعالى نداءات الأهالي يومياً للجهات المعنية للسماح لهم بالعودة الى مدينتهم لكن دون جدوى، وبات الدخول الى داريا في أوقات المناسبات فقط للاحتفال والظهور إعلامياً ومن ثم الخروج مجدداً".

وفي سياق ترويج النظام لعودة السكان إلى داريا، أعلن "المكتب التنفيذي لبلدية داريا" عبر صفحته على فيس بوك، إقامة احتفال "لطلائع البعث" في ساحة مدينة داريا في الأول من الشهر الحالي، لحضور ما أسماها بـ "تحية العلم المركزية".

وقال المحامي محمد الدباس من أبناء داريا المهجّرين إن "النظام يسعى لتنظيم تلك الاحتفاليات للترويج إلى عودة الحياة لطبيعتها، حيث أن احتفال طلائع البعث ليس الفعالية الأولى، وسبق أن نظّم الأسد تجمعاً للسكان وسط داريا في شهر آب الماضي، وزعم عبر إعلامه أنه كان احتفالاً بعودة السكان إلى مدينتهم، لكن جميع مقاطع الفيديو والصور التي نشرها إعلام النظام عن تلك الفعاليات هي مجرد تمثيلية".

وأضاف الدباس أن "النظام يسعى قُبيل تنظيم أي فعالية الى دعوة السكان للدخول الى المدينة، ويقوم بتقديم التسهيلات لهم، بغية تصوير الأهالي واجراء المقابلات المفبركة معهم كما اعتاد سابقاً، ليتحدثوا عن فرحتهم بالرجوع الى المدينة وعودة الخدمات مجدداً، وبعد انتهاء الفعالية يتم أمرهم بمغادرة المدينة فوراً".

 

 

الترميم والخدمات للنظام فقط

وتُقسّم مدينة داريا إلى قسمين: المنطقة الأولى (أ) التي كانت تحت سيطرة قوات النظام، وتشمل أحياء شريدي والنكاشات والشاميات ودوار الزيتونة والكورنيش وشارع البلدية وشارع الثانوية الشرعية وحارة الخولاني وحي الخليج، ونسبة التدمير فيها بسيطة كون النظام سيطر عليها منذ عام 2012.

أما المنطقة الثانية (ب) والتي كانت تحت سيطرة فصائل المعارضة، فتشمل المنطقة الممتدة من دوار الباسل حتى ساحة شريدي، وتضم الأحياء الغربية والجنوبية، إضافةً إلى المنطقة الفاصلة بين المعضمية وداريا وتزيد نسبة الدمار فيها عن 80%.

وفيما يخص الواقع الخدمي أعلنت "محافظة ريف دمشق" التابعة للنظام، عن خطةٍ لتقديم الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل المدينة، بحيث تشمل تأهيل مدخل المدينة (دوار الباسل) بكلفةٍ بلغت مليار ليرة سورية، إضافةً إلى تأهيل البنية التحتية المتضررة ومن ثم ترميم المنازل بكلفة 50 مليار ليرة، على أن تنحصر الخطة في المنطقة (أ) فقط.

وذكر أحمد الديراني (اسم مستعار) الذي زار منزله في داريا، "حين تسير في داريا تشعر وكأنك في يوم القيامة، فالدمار في كل مكان، وما تزال الأنقاض منتشرة في أغلب أحياء المدينة خاصةً الطرف الغربي، واقتصرت عمليات التأهيل التي تحدّث عنها النظام على ترميم بعض المباني الحكومية كالبلدية والمالية والمخفر مركز اغاثي ومستوصف".

وأضاف الديراني أن “الخدمات غائبة عن المدينة، فلا يوجد كهرباء ومياه وصرف صحي، حيث عمد النظام الى انارة بعض الشوارع التي تقع فيها الحواجز والمؤسسات التابعة له فقط، إضافةً الى أن الأنقاض ما تزال منتشرة في أغلب الطرقات، واقتصر مجلس البلدية عملياته على إزاحة الركام من بعض الطرقات الرئيسية لتسهيل عملية تنقّل العناصر والميليشيات في المدينة، وتحقيق أرباح من وراء إعادة تدوير الأنقاض التي رفعها".

وشدّد الديراني على أن "السكن في المنطقة (ب) مستحيل، فهي مدمرة بشكل شبه كامل كونها تعرضت لآلاف البراميل المتفجرة والقنابل الارتجاجية، واعادة تأهيل أي منزل فيها يتطلب أكثر من مليوني ليرة سورية، كون الترميم على نفقة السكان، إضافةً الى أن البنية التحتية للكهرباء والمياه والصرف الصحي مدمرة، في حين أن المنازل في المنطقة (أ) وضعها أفضل لكنها تعرضت السرقة، إضافةً الى أن عملية ترميم تلك المنازل تحتاج إلى رخصة من البلدية تتخللها موافقات أمنية".

ووضعت "محافظة ريف دمشق" مخططاً تنظيمياً جديداً لمدينة داريا، لإخضاع المدينة للقانون رقم "10"، لذلك قام النظام بجرّف جميع منازل المدنيين في الجهة الشمالية من داريا والممتدة من مطار المزة العسكري وصولاً إلى مدخل المدينة من جهة المتحلق الجنوبي أو ما يعرف بدوار الباسل، بحجة أن المنطقة حرم مطار بالكامل.

وقال الصحفي غياث الذهبي إن "النظام يسعى لإعادة الإعمار في داريا وفق القانون رقم 10 وليس القانون رقم 66 الذي شمل بساتين الرازي وأجزاء من كفر سوسة والقدم والعسالي، وذلك كون القانون رقم 10 يتيح له الاستيلاء على عقارات السكان الغير موجودين في المدينة والغير قادرين عل العودة لإثبات الملكية فيها، وبالتالي فإن المخطط التنظيمي لمدينة داريا الذي يُروّج الأسد على أن غرضه تنظيم المدينة وإعادة اعمارها وفق الطراز الحديث، ليس إلا محاولة لسلب أملاك السكان وتغيير ديمغرافية المدينة كما يحصل في أحياء جوبر والقابون شرق دمشق".

 

مقام السيد سكينة في داريا

داريا تحت الهيمنة الإيرانية

تخضع داريا لسيطرة "المخابرات الجوية" و"الفرقة الرابعة"، فضلاً عن تواجد كثيف للميليشيات الايرانية و"حزب الله" وخاصةً في المنطقة المحيطة بمقام السيدة سكينة، لذلك تعمد إيران إلى وضع المدينة ضمن دائرة نفوذها، إذ أبرم مسؤولون إيرانيون عقداً مع النظام يقضي بإعمار 30 ألف وحدة سكنية تتضمن إسكان الضباط الإيرانيين في مربع أمني في مدينة داريا نظراً لقربها من مفاصل مواقع النفوذ الإيراني.

وأوضح غياث الذهبي، أن “إيران سعت جاهدةً إلى تهجير سكان داريا بالكامل، على خلاف باقي المناطق التي سُمح فيها لمن يود البقاء بإجراء تسويات، وذلك كي تستولي على كامل المدينة وتغيّر التركيبة الديمغرافية فيها كونها تضم مقام السيدة سكينة، وهذا يُسهّل عليها استجلاب عناصر الميليشيات الشيعية اليها، بحجة حماية المقدسات الدينية، وبالتالي التمهيد لاحقاً بعد تأهيل المدينة، لجلب عائلات عناصر الميليشيات للسكن فيها".

بدوره ذكر المحامي محمد الدباس، أن "طهران تسعى عبر القانون رقم 10 إلى وضع يدها على أملاك المدنيين المهجّرين، حيث عمل بعض السماسرة الإيرانيين إلى تقديم دعاوى غيابية مدعومةً بوكالات مزورة من كاتب العدل على أساس أن العقار لهم، مستغلين عدم قدرة سكان داريا المهجّرين على رفع دعوى ضد أي أحد استملك عقارهم، إضافةً إلى أن السجلات العقارية في داريا تم اتلافها بشكل شبه كامل، ما يعني أن أملاك السكان في خطر".

وفي السياق ذاته نظَّمت إيران عدة فعاليات شيعية داخل مدينة داريا بعد تهجير سكانها، وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تُظهر قيام عشرات الأشخاص بممارسة "اللطميات" الشيعية داخل مقام السيدة سكينة وسط داريا.

يذكر أن داريا من أكثر المناطق التي تعرضت للقصف من النظام، وسُميت بـ “مدينة البراميل المتفجّرة"، حيث تلقّت نحو أربعة آلاف برميلاً متفجّراً، وبلغ عدد الضحايا الموثقين بالأسماء في داريا، الذين قُتلوا على يد النظام 2712 شخصاً، بينهم 174 تحت التعذيب، بحسب فريق التوثيق في داريا.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم