بعد تفاهمات شمال غرب سورية أنقرة تبحث عن نفوذها شرق الفرات

استبقت أنقرة اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بتصريحات شددت خلالها أنها بصدد اتخاذ خطوات عملية شرق نهر الفرات شبيهة بما حدث في مناطق "درع الفرات وغصن الزيتون" وهو ما أعاد تأكيده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الإثنين من نيويورك الأمر الذي يعطي مؤشرات قوية بأن مساعي تركيا فيما يخص تثبيت مناطق نفوذها على طول الحدود السورية وصولًا إلى شمال العراق ما تزال قائمة ولم تفلح الضغوط الأميركية بدفعها للتراجع أو التخلي عنها.

الطموحات التركية في شمال سورية وعلى طول الخط الواصل من البحر المتوسط غربًا إلى الحدود الشمالية للعراق لم تعد خافية، وهي أحد أهم معالم الخلاف مع واشنطن التي حاولت خلال الآونة الأخيرة

مساعي أنقرة شرق وغرب الفرات تبقى صعبة التحقق دون التفاهم مع واشنطن ما يجعل كل التكهنات بشأن ذهاب الأتراك إلى عملية عسكرية على الضفة الشرقية للنهر أمرًا سابقًا لأوانه.

كبح هذه التوجهات أو تحجيمها، الآن أنقرة ستكون أكثر إصرارًا على تحصيل مكاسب في الضفة الشرقية للفرات مستفيدة من حاجة أميركا وروسيا للدور التركي بما يتعلق في رسم وتوزيع خرائط المصالح والنفوذ في المنطقة، إلى جانب الدفعة القوية التي منحها اتفاق إدلب للديبلوماسية التركية.

تركيا تدرك أن ما حصل شمال غرب سورية ما كان ليتم لولا غطاء أميركي/ أوروبي دفع موسكو لتقديم تنازلات هناك وجعل المعقل الأخير "للثورة" تحت الوصاية التركية، وتعرف أيضًا أن الاتفاق "هش" إلى حد بعيد وهو ما يدفعها للبحث عن غطاء أممي بمساعدة بعض الدول الأوروبية لضمان استدامته، من هنا فإن مساعي أنقرة شرق وغرب الفرات تبقى صعبة التحقق دون التفاهم مع واشنطن ما يجعل كل التكهنات بشأن ذهاب الأتراك إلى عملية عسكرية على الضفة الشرقية للنهر أمرًا سابقًا لأوانه.

استبعاد الخيار العسكري لا يعني بالضرورة استحالته فما تزال عمليات درع الفرات وغصن الزيتون ماثلة في الأذهان، إذ ورغم عدم الموافقة الأميركية شنت أنقرة عملياتها العسكرية بالاعتماد على فصائل سورية مدعومة بتفاهمات مع موسكو واستطاعت أن تطرد "الوحدات الكردية" من كامل مناطق غرب النهر تقريبًا، لكن طبيعة المعطيات السياسية والميدانية شرق الفرات مختلفة وهو ما يرجح كفة التوصل إلى تفاهمات برعاية واشنطن تعيد ترتيب أوراق تلك المنطقة وتوزع الأدوار فيها بين عدة لاعبين بمن فيهم النظام.

استقراء السيناريوهات الممكنة شرق الفرات والجزم بما ستؤول إليه الأوضاع هناك أمر في غاية الصعوبة، إلا أن معظم التحليلات السياسية والإعلامية تستثني الخيارات العسكرية حاليًا لأسباب عديدة على رأسها الثقل الأميركي الكبير وعدم رغبة واشنطن بأي تصعيد في تلك المنطقة الاستراتيجية بالنسبة لسياسة الأخيرة في الشرق الأوسط عمومًا، ولذلك يمكن فهم التصريحات التركية القوية خلال الآونة الأخيرة كمحاولة ديبلوماسية تسعى من خلالها أنقرة للحصول على الحد الأدنى مستثمرة المرونة التي عادت وأبدتها الولايات المتحدة تجاه تركيا مع الأخذ بعين الاعتبار بأن التسويات فيما يخص مناطق غرب الفرات "منبج" ما تزال قيد الإنجاز.

وجهات نظر عديدة ترجح بأن ملامح التوافق بين أنقرة وواشنطن شرق الفرات سيبنى على أساس إخراج "الوحدات الكردية" من مناطق العمق "العربي السني" وحصر تواجدها في المناطق الحدودية –القامشلي ومحيطها- مع تطعيم "الإدارة الذاتية" بالأطراف الكردية القريبة من تركيا إلى جانب تفاهمات ترعاها الولايات المتحدة بين أنقرة والرياض لإدارة المناطق ذات الغالبية العربية والتواجد التركماني، خاصةً وأن الأميركيين بحاجة للدعم الخليجي "اقتصاديًا" لإعادة الحياة إلى تلك المنطقة.

مستقبل شرق الفرات يتوقف إلى حد بعيد على رؤية واستراتيجية واشنطن وما يمكن أن ترعاه من تفاهمات خاصةً وأن الأخيرة حسمت أمر وجودها هناك،

الولايات المتحدة ستحاول استمالة تركيا أكثر في سياق التضييق على طهران التي بدأت تشعر بأنها الحلقة الأضعف وأن معظم التسويات في المنطقة تتم على حساب مصالحها.

مشددة على أن أحد أبرز أهداف هذا التواجد "قطع الطريق على النفوذ الإيراني"، ما يعني أن كافة الأطراف ومهما بلغت قوتها وأدوات تأثيرها لن تستطيع تغيير التوازنات وإحداث اختراقات على الضفة الشرقية بمعزل عن الولايات المتحدة التي تبدو في هذه المرحلة أقرب إلى استيعاب وامتصاص الطموحات التركية بما يفضي إلى استثمارها في سياق الرؤية الأميركية لشرق المتوسط.

احتمالات التقارب التركي الأميركي شرق الفرات لا تتوقف فقط على رغبة واشنطن في تطويع وإدارة طموحات أنقرة، بل تحمل أيضًا مؤشرات عديدة على توجهات أميركية ترمي لترشيد الدور والنفوذ الإيراني وبالتالي فإن الولايات المتحدة ستحاول استمالة تركيا أكثر في سياق التضييق على طهران التي بدأت تشعر بأنها الحلقة الأضعف وأن معظم التسويات في المنطقة تتم على حساب مصالحها وربما تلجأ إلى خطوات تصعيدية خلال الفترة المقبلة سيما بعد الضربة الأخيرة التي طالت أقوى أذرعها العسكرية.

سيناريوهات الضفة الشرقية لنهر الفرات –بغض النطر عما يمكن أن تحمله من توافقات أو صراعات- فإنها تخفي في طياتها ملامح صراع أكثر تعقيدًا في الشرق الأوسط بين أطراف دولية وإقليمية عديدة عنوانه السيطرة على عقد المواصلات ومنابع الطاقة سواء في المياه أو على اليابسة، وهو ربما ما يمكن أن يفسر تثبيت واشنطن لهذا "الكوردور" البري بين سورية والعراق الغني بمصادر الطاقة وطريق أنابيب النفط والغاز من الخليج العربي باتجاه أوروبا مرورًا بتركيا الأمر الذي يجعل من مجمل التسويات في سورية هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة تتغير فيها المعادلات والتوازنات بين اللاعبين الأساسيين في الصراع.

شارك برأيك

أشهر الوسوم