الوجه الآخر: المنظمات النسائية قبل الثورة

مقدمات الثورة السورية 14

لا ينص الدستور السوري صراحة على المساواة بين المرأة والرجل، ولكن المادة 25 منه تنص على أن "المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات". أما المادة 45 تكتفي بالقول " تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع العربي الاشتراكي."

ولكن النظام السوري حرص دائما على الحدّ الأدنى من المساواة الشكلية في الحياة السياسية وفي التعليم والبرلمان والقضاء. فأحد نائبي الرئيس سيدة، وكذلك مستشارتاه للشؤون السياسية والإعلامية وللشؤون الثقافية. وثمة وزيرتان في الحكومة السورية، وثلاثون امرأة في مجلس الشعب، كما تشغل النساء مناصب في قيادة حزب البعث وفي القضاء والتعليم الجامعي، وفي سلك المحاماة، ورئست أحد أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة حتى وفاتها امرأة.

وفي السبعينات كان يتم تجنيد النساء في القوات المسلحة على نطاق واسع. وتشكل النساء نحو خُمس العاملين في الحكومة، لكن معظمهن يعملن في وظائف كتابة وإدارية. وترأس الهيئة السورية لشؤون الأسرة سيدة بمرتبة وزير. وبلغ عدد السفيرات السوريات في الخارج بين عامي 2000 و2005 خمس سفيرات، أي ما نسبته 11% من سفراء سوريا في الخارج.

وفي السبعينات كان يتم تجنيد النساء في القوات المسلحة على نطاق واسع. وتشكل النساء نحو خُمس العاملين في الحكومة، لكن معظمهن يعملن في وظائف كتابة وإدارية

وفازت المرأة أيضا بنسبة ضئيلة جدا في الانتخابات البلدية لم تتعد3% من المقاعد لكن أعلن في الرابع أيار (مايو) 2003 عن تولي امرأة رئاسة بلدية لأول مرة.

وأسهمت المرأة في الاقتصاد الوطني، وخرجت أكثر فأكثر إلى سوق العمل. وباستثناء العاملات في الزراعة، فإن نسبة العاملات تبلغ الآن 35% من النساء، وفق إحصائيات هيئة تخطيط الدولة السورية في العام 2006.

وصادقت سوريا على بعض الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بموضوع المرأة كاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل. ومنها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، ولكنها تحفظت على بعض البنود التي رأت أنها تتناقض مع الشريعة الإسلامية، وهو ما أثار حفيظة كثرة من مناصري حقوق المرأة وتمكينها ومساواتها التامة مع الرجل.

بيد أن المجتمع السوري، الذي كان منذ تولّي بشار الأسد السلطة يسير أكثر فأكثر نحو التدين وهيمنة الفكر الإسلامي على مناحي الحياة السياسية والاجتماعية، يحد من مقدرة المرأة على دخول مجال الحياة العامة وعن التقدم بمطالب سياسية. وبينما شاركت قلة من النساء في قوة العمل وفي الحياة السياسية، فان غالبيتهن العظمى تواصل اتباع نمط حياة تقليدي. ولم تفز في انتخابات 2007 أي امرأة من المرشحات المستقلات اللواتي رشحن أنفسهن لعضوية البرلمان، بينما فازت النساء الثلاثون على قائمة الجبهة الوطنية الحاكمة، التي تعتبر فوز أعضائها نوعا من التزكية.

 وتحدد الشريعة الإسلامية الأحوال الشخصية للمرأة في سوريا-كما في معظم الدول العربية والإسلامية. وتم إصلاح عدة قوانين مدنية في السنوات الثلاثين الماضية بهدف تحقيق المساواة بين الذكور والإناث. ولكن العديد من هذه الإصلاحات لم تطبق لأن التقاليد الاجتماعية تمنع تطبيق القوانين التشريعية أو الوضعية. وفي أعقاب مؤتمر بكين شكلت الحكومة "اللجنة الوطنية لمتابعة شؤون المرأة ما بعد بكين". وتتولى هذه اللجنة إعداد تقارير للأمم المتحدة حول تقدم سوريا نحو المساواة بين الجنسين، وترفع التوصيات إلى الحكومة السورية حول هذه المسألة. ولاحظت هذه اللجنة ضرورة العمل على تنفيذ أفضل للإصلاحات التي تم تدوينها قانونيا.

الجمعيات والمنظمات النسائية

بدأت الحركة النسوية تتبلور في سوريا منذ أوائل القرن العشرين متأثرة بالخطاب النهضوي العربي وبتوفر الفرص لمجموعة من الكوادر النسائية في نيل قسط كاف من التعليم (ماري العجمي صاحبة أول صحيفة نسائية ـ عادلة بيهم ـ نازك العابد ـ ثريا الحافظ). وتأسس أول اتحاد نسائي عام 1933 وشارك بالتحضير لمؤتمر القاهرة 1944 من أجل بحث الأطماع الصهيونية في فلسطين. حيث انبثق عن هذا المؤتمر الاتحاد النسائي العربي العام الذي ترأسته عادلة بيهم الجزائري رئيسة الوفد السوري. واشتغلت الحركة النسوية على قضية المرأة بالتعاون مع الرجال المستنيرين فعلى سبيل المثال قامت مسيرة نسائية 100 امرأة بزعامة ثريا الحافظ بالسير في شوارع دمشق دون براقع بحماية من بعض الشباب الجامعيين. كما وكانت بعض الجرائد نصيراً لقضية المرأة (بردى التي تأسست 1946 لصاحبها منير الريس) وكانت المطالبة بحق النساء في الانتخاب الشغل الشاغل لهذه الحركة بعد الاستقلال وحصلت المرأة على هذا الحق أواخر الأربعينيات. وتأسست رابطة النساء السوريات لحماية الأمومة والطفولة عام 1948 من النساء الشيوعيات لتنضم إلى اتحاد النساء الديمقراطي العالمي فشكلت بذلك منظمة سياسية نسائية ولعبت دوراً في انتخابات 1954 من خلال جمع أصوات النساء للمرشح الشيوعي خالد بكداش بعد أن شغلت قضية المرأة حيزاً من برنامجه الانتخابي، وبما ينسجم مع ما طرحه حزبه في أوائل الثلاثينيات عن المطالبة بحقوق النساء في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة.

منظمات نسائية حكومية

الاتحاد النسائي هو المنظمة المركزية بين المنظمات النسائية. وهو منظمة شبه حكومية، مثله في ذلك مثل اتحادات العمال والفلاحين والشبيبة والطلاب. وقد تأسس عام 1967 على يد ائتلاف من الجماعات النسائية السياسية والاجتماعية. والاتحاد منظمة تغطي كافة أنحاء البلاد ولديه عدد كبير من العضوات الناشطات. ومع أن الاتحاد ليس جزءا من الحكومة على الصعيد الرسمي، إلا أن الدولة تقدم له دعما كاملا. ونفذ الاتحاد عددا من المشاريع التنموية في مجالي الطفولة المبكرة والتعليم.

ولكنه صمت عن كثير من التجاوزات التي تتعرض لها المرأة، من مثل جرائم الشرف وقانون الجنسية الذي يحرم أولادا

ورغم أن الاتحاد يشكل أداة رافد للسلطة السورية وأجهزتها، فإن نشاطه في مجال الدفاع عن المرأة ليس سلبيا. وقام الاتحاد بتسهيل عمل المرأة وأنشأ رياض أطفال بأجور رمزية، وساهم في إدخال المرأة في مؤسسات الحكومة المختلفة. ولكنه صمت عن كثير من التجاوزات التي تتعرض لها المرأة، من مثل جرائم الشرف وقانون الجنسية الذي يحرم أولادا. ومع ذلك، فقد تحرك مؤخرا، ربما تحت ضغط عضواته من جهة والتنافس القائم بينه وبين جمعيات نسائية غير حكومية مثل رابطة نساء سوريا، إلى العمل في هذا المجال، وكان أبرز إنجازاته نشر دراسة بارزة عن العنف ضد المرأة، بتمويل من صندوق الأمم المتحدة لتنمية المرأة (يونيفيم). وقد وجدت الدراسة أن واحدة من بين كل أربع سيدات متزوجات تتعرض للضرب عادة من زوجها أو أبيها. وتتزامن الدراسة أيضا مع نداءات لشن حملة لزيادة الوعي بهذه المشكلة. وتتمشى نتائج المسح السوري على ما يبدو مع دراسات في مصر وبريطانيا والولايات المتحدة ولكن القائمين على الحملة قالوا إنها تفعل شيئا جديدا بجذب الانتباه لهذه القضية.

ويقدر بعض الخبراء أنه تقع ما بين 200 و300 جريمة "شرف" في سوريا سنويا معظمها في المجتمعات الريفية أو البدوية. ويعني هذا أن نصف جرائم القتل التي ترتكب في سوريا سنويا ترتكب ضد نساء وباسم الشرف.

وسوى الاتحاد النسائي، أنشأ النظام هيئة حكومية تتبع لرئيس مجلس الوزراء، باسم "الهيئة السورية لشؤون الأسرة" وتهدف إلى تمكين الأسرة للقيام بدورها "في سبيل بناء الإنسان القادر على تنمية الوطن". وتهدف الهيئة، وفق قانون تأسيسها، إلى تسريع عملية النهوض بواقع الأسرة السورية ‏وتمكينها بشكل أفضل من الإسهام في جهود التنمية البشرية. وتعمل في هذا السبيل على: ‏ حماية الأسرة وتعميق تماسكها والحفاظ على هويتها وقيمها؛ تحسين مستوى الحياة لدى الأسرة بجوانبها المختلفة؛ تعزيز دور الأسرة في عملية التنمية من خلال تطوير تفاعلها مع المؤسسات والهيئات الوطنية ذات الصلة بشؤون الأسرة الرسمية وغير الرسمية؛ التعاون مع الهيئات العربية والدولية ذات الصلة بشؤون الأسرة بما يخدم أهداف الهيئة؛ واقتراح تعديل التشريعات المتعلقة بشؤون الاسرة. ‏

وقد لعبت الهيئة دوراً كبيراً في عملية تمكين المرأة وإبراز قضيتها باعتبارها إحدى القضايا المركزية في سوريا. وفي سبيل ذلك عقدت مؤتمرات وندوات وورشات عمل، مستفيدة من أنها هيئة بينية، بين مؤسسات الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني. واعتمدت الهيئة على فريق عمل من السيدات السوريات المجربات والعمليات وشديدات النشاط والتأثير بين نساء سوريا. وكان آخر وأبرز نشاطات الهيئة الملتقى الوطني حول (جرائم الشرف) الذي دعت إليه الهيئة بالتعاون مع وزارتَيْ العدل والأوقاف السوريتين، حيث تم نقاش حي ومتميز حول هذا الموضوع وشكل بداية التصدي للظاهرة في مجال البحث الجدي والمسؤول لمناهضة العنف ضد المرأة والاقتراب من نصوص قانونية صعب المساس بها متجذرة تحمل الكثير من الملفات التي ينبغي إعادة صياغتها بجرأة وموضوعية. وتم في المؤتمر التركيز على المادة 548 من قانون العقوبات السورية المتعلقة بجرائم الشرف وإظهار أسباب الظاهرة ودوافعها وكيفية مواجهتها من قبل الجهات المعنية. وطالب مشاركون بإلغاء المادة 548 وتعديل المادة 192 من قانون العقوبات السوري، اللتين يلجأ إليهما القاتل لتخفيف عقوبته، وأن تعتبر الجريمة الواقعة تحت ذريعة الشرف جريمة بكل المعايير يحكم على مرتكبها بالعقوبة اللازمة لتكون رادعاً في وجه القاتل وحماية للضحية التي هي المرأة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم