الواقعيّةُ السياسية وفكرُ الهزيمة!

سادت نظرية الواقعيّة السياسية أصلاً في العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية وقد حلّت محلّ فكرة المثالية السياسية التي سادت بعد الحرب العالمية الأولى أو هي التطوّر الطبيعي لها بعد عدّة عقود من المراكمة التاريخيّة من تجارب البشر وصراعات الدول.

قامت نظرية المثالية السياسية على ضرورة استناد العلاقات الدولية للأخلاق، وكانت بمثابة ردّ فعل طوباوي على فظائع الحرب العالمية الأولى وبمثابة انعكاس للمبادئ التي قامت عليها عصبة الأمم، فكان جوهرها يقول: بأنّه لتنظيم العلاقات الدولية ولحل المشاكل بين الدول يجب اعتماد الأدوات القانونية مثل الوساطة والتحكيم والقضاء الدولي انطلاقاً من المفاهيم الجديدة التي تقوم على ضرورة تساوق السياسات الخارجيّة للدول مع الأخلاق والسلوك المثالي للبشر، بينما قامت نظرية الواقعية السياسية على مبدأ "من يملك القوّة يملك الحق" وبالتالي فإن العلاقات الدولية يجب أن تستند إلى توازنات القوى والمنافسة ومصالح الدول المختلفة والمتناقضة أحياناً، ويبدو أنّ مبادئ مجلس الأمن وتحديداً حقّ النقض الممنوح للقوى المنتصرة في الحرب كانت أفضل تجسيد لهذه النظريّة.

يوردُ الباحث العراقي حكمت البخاتي في بيان مفهوم السياسة هذا التعريف لها كمصطلح حديث:

" تعرّفُ السياسة بمفهومها العام على أنّها مجموعة الإجراءات والطرق والأساليب الخاصة باتخاذ القرارات من أجل تنظيم الحياة في شتّى المجتمعات البشرية، بحيث تدرس آليات خلق التوافق بين كافّة التوجّهات الإنسانية الدينية، والاقتصادية، والاجتماعية، وغيرها، وتضم أيضاً آليات توزيع الموارد، والقوى، والنفوذ الخاصة بمجتمع أو دولة ما"، وهي تعكس حالة الرعاية التي تقوم بها الدولة الحديثة". (1)

وباعتبار أنّ أغلب السوريين وأغلب الفاعلين الإقليميّن والدوليين باتوا ينظرون إلى سوريا على أنها من أكبر نقاط التشابك في العلاقات الدوليّة في الوقت الراهن،

بتنا نشعر بحماسة البعض منهم للسير في ركاب المطبّعين إن لم نقل في ركاب العائدين إلى "حضن الوطن" المختصر عمليّاً بحضن النظام.

فإنه يكون من المبرّر لدى البعض استخدامُ مصطلح الواقعيّة السياسية الذي روّجت له بشدّة الخارجيّة الروسيّة وبعض المنصّات المحسوبة على السوريين بشكل اعتباطي مثل منصة موسكو التي يدلُّ اسمها على جوهرها بكل أمانة.

درج هذا المفهوم على ألْسِنة كثيرٍ من قادة " المعارضات السورية " كما يحلو للروس تسميتها، وبتنا نشعر بحماسة البعض منهم للسير في ركاب المطبّعين إن لم نقل في ركاب العائدين إلى "حضن الوطن " المختصر عمليّاً بحضن النظام. فتارة يبررون ذلك بانحسار الدعم الخارجي من "أصدقاء الشعب السوري" وتارة يقولون إن الحسم العسكريّ غير ممكن لأي من أطراف النزاع، وحيناً يعتبرون أنّ ترك الساحة السياسية وخاصّة جولات المفاوضات يعني السماح للطرف الآخر بفرض وجهة نظره ... وغيرها من المبررات التي لا تمّت للسياسة بصلة فضلاً عن تعارضها مع روح الثورة التي يُفترضُ فيهم أنّهم يمثلونها.

وما بين السياسة والثورة يمكننا قراءة موقف المعارضة السورية ممثّلة بهيئة التفاوض بشكل رئيس من آخر التطورات السياسية والميدانية.

في تعريف الثورة يمكننا القول: إنها عمليّة انتقال في التاريخ من حالة تصاعد تراكميّ إلى نوعٍ وجوهرٍ جديدين من العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية يقطعانِ مع الماضي ولا يلغيانه.

الثورة بشكل أو بآخر أسلوب فعلٍ اجتماعي يسعى إلى تغيير جميع العلاقات والمؤسسات في نظام الحكم للانتقال إلى شكل جديد أكثر مواءمة لموجبات العدل والحرية وتكافؤ الفرص والكرامة الإنسانية، وقد تنجح في ذلك وتحقّق الانتقال السياسي، وقد تفشل وتتعثّر أو تنقلب عليها الفئات المتضررة بثورات مضادّة.

كتب المفكّر اللبناني الدكتور حسن عبد الله حمدان الذي عُرف باسم مهدي عامل: مقولته الشهيرة " لست مهزوماً ما دمت تقاوم" كجملة افتتاحيّة في مجلّة الطريق عام 1982 في ظلّ الحصار الإسرائيلي لبيروت، وكان يكتبُ من قلب المعركة وينظّرُ لحالة المواجهة الدائمة، وهذا ما يفتقده لسوء الحظ أغلب من تنطّعوا لقيادة مؤسسات المعارضة السورية أو من تم فرضهم من خارج إرادة الناس الثائرين لتمثيل هذه الثورة.

  فإذا خسرت ثورة ما عسكرياً فهل يعني أنها انهزمت بالضرورة سياسياً أو يجب أن تنهزم سياسياً؟ وإن كان كذلك – وهو أمرٌ محلّ جدل – فإن هذا لا يعني بشكل تلقائي أنها هُزمت نهائياً كمشروع تغيير اجتماعي وثقافي، فهي ليست كانقلاب نخبة عسكرية ما يكون مصير أعضائها في حال الفشل السجن أو ساحات الإعدام بالرصاص، فهي فعلٌ مجتمعيّ هائل الثقل وبعيد الأثر والنتائج.

هل تعني الواقعيّةُ السياسية حسب مفهوم معارضاتنا السوريّة التسليمَ للخصم بكلّ ما يريده ويفرضه، أم إنّ هذا مما يُدعى بكلّ بساطة استسلامٌ وهزيمة؟

في تحليل بنية هيكليات المجلس الوطني السوري ومن بعده ائتلاف قوى الثورة والمعارضة ومن ثم الهيئة العليا للتفاوض وأخيراً هيئة التفاوض الحاليّة بحلّتها الجديدة بعد مؤتمر الرياض 2 يمكننا قراءة تشابكات المصالح وموازين القوى بشكل واضح ودقيق.

باستثناء بعض الشخصيّات القليلة جدّاً جدّاً والتي لا تشكّل حالة يعوّل عليها،

التاريخ يعيدُ نفسه مرّتين: في المرّة الأولى كمأساة وفي المرّة الثانية كمهزلة

نجد أنّ الغائب الأكبر في بنية هذه التشكيلات العنصرُ الذي يمثّل المصلحة الوطنيّة السورية المطلقة أو على الأقل مصلحة الناس الذين ثاروا ضدّ هذا النظام الاستبدادي ومصلحة حاضنتهم الشعبية.

من عسف الزمان وسوء الطالع أن تتحقّق مقولة ماركس بحذافيرها في الواقع السوري، فالتاريخ يعيدُ نفسه مرّتين: في المرّة الأولى كمأساة وفي المرّة الثانية كمهزلة. كانت أوّل مرّة عندما سلّم السوريّون طوعاً أو كراهية زمام قيادة ثورتهم للتيّارات الإسلامية من جهة وعندما سمحوا للتنظيمات الإسلامية المتطرّفة والإرهابيّة بالمزاودة عليهم ومشاركة النظام بتفتيت جوهر ثورتهم المدنيّة الراقية في شعاراتها الأولى من جهة أخرى. وكانت المرّة الثانية بتسليم قيادة ما بقي من حراك ثوري مدني وعسكري لأشخاص جهلةٍ غير أكفاء ولا مؤهلين بالحدّ الأدنى للتوصيف، وغير نزيهين ولا وطنيين أو حتّى مُخترقين أو عملاءٌ بالحد الأعظم له.

لا شكّ بأنّ الكثير من العوامل قد ساهمت في تحوّل الثورة من الكفاح المدني السلمي إلى الكفاح العسكري المسلّح، ولا شكّ بأن هذا ما سعى إليه النظام منذ الأيام الأولى للثورة، لأنه الميدان الذي يتفوّق به، ولا شكّ بأنّ الكثير من الدول لم يكن لها رغبة ولا مصلحة بانتصار ثورة السوريين بصيغتها المدنيّة الأولى، ولا شكّ بأن السوريين مسؤولون قبل غيرهم عن حالة التشرذم والضياع التي وصلنا إليها على أعتاب العام الثامن للثورة، ولا شكّ بأنَّ الثمن الذي تمّ دفعه باهظٌ جدّاً ولم ينحصر في تدمير البنى التحتية للمدن والقرى ولكن في تفتيت المجتمع السوري وتصديع أركانه بشكل مرعب. لكنّ هذا لا يعطي الحقّ ولا المبرّر لأي كان ليتنازل عن النتائج السياسيّة والقانونية – على قلّتها وضآلتها - التي حققها السوريون ودفعوا أثماناً باهظة جداً للوصول إليها. لقد حصّل السوريّون اعترافاً هامّاً من المجتمع الدولي بضرورة الانتقال السياسي الكامل وأن يكون ذلك عبر هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية، وها نحن نرى بعض الشخصيّات التي لا تمثّل إلا نفسها أو بالأحرى تمثّل نفسها ومصالح الدول المشغّلة لها تُشرعن تقاسم النفوذ الدولي في أستانا من جهة، كما نرى هيئة التفاوض من جهة أخرى تقبل بالإملاءات الروسية وتوافق على تحويل الانتقال السياسي الكامل إلى سلال منها واحدة تخصّ الإرهاب ثم تحصر نفسها بنطاق اللجنة الدستورية وتخفّض سقفها إلى إصلاح دستور عام 2012 الذي يكرّس الأسد ونظامه حاكما مطلقاً بصلاحيات إله إلى الأبد، وكأنّ الثورة السورية كانت من أجل إصلاحٍ دستوري أو كأنّ المشكلة في سوريا مشكلة دستور.

آن الأوان لتسمية الأمور بمسمّياتها، فـ " تفكيرُ المهزوم تفكيرٌ مهزوم " كما يقول مهدي عامل أيضاً. ما يحصلُ من قبل بعض السوريين استسلامٌ كامل، ويجب وقفه. على السوريين إعادة لملمة شتاتهم ورصّ صفوفهم، ويمكن ببساطة أن يبدأ الأمرُ من التحضير في الداخل والخارج لمؤتمر وطني سوري عام يضع النقاط على الحروف ويعيدُ البوصلة إلى اتجاهها الصحيح، لسنا مضطريّن للتوقيع على صكوك عبوديّتنا التي يسوقنا إليها الروس والنظام، وما زال في العمر بقيّة وللثبات مقوّمات.

الهوامش:

  1. شبكة النبأ المعلوماتيّة.
  2.  موقع الحوار المتمدّن.

شارك برأيك

أشهر الوسوم