النظام يمنع ترميم المنازل في الغوطة.. كيف تستفيد إيران من ذلك؟

الدمار الواسع في بلدات الغوطة الشرقية نتيجة قصف النظام وروسيا (إنترنت)
دمشق - ماجد حلاق - تلفزيون سوريا

في إطار سياسته القائمة على مزيد من التضييق على أهالي الغوطة الشرقية قام النظام بمنع سكانها وقاطنيها من ترميم بيوتهم ومحالهم التجارية بذريعة وجود خطط لديه لإعادة إعمار تلك المناطق، وكان لقرار المنع أفعالاً مباشرة على الأرض، فقد نشطت حركة شراء العقارات والبيوت المهدمة وغير المهدمة بأسعار تعادل ربع الأسعار السوقية الرائجة، بحيث لا يتعدى سعر المنزل المهدم 5 ملايين ليرة سورية، والمنزل غير المهدم 7 ملايين ليرة سورية، مستغلا الظروف الإنسانية والأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعيشها حاليا سكان الغوطة الشرقية، وحاجة البعض منهم للمال الفوري.

ويمنع النظام الترميم بأي شكل من الأشكال تحت طائلة الهدم، وخصوصا في ضاحية حرستا، في الوقت الذي يشير فيه ناشطون إلى أن الحركة المكثفة للسماسرة وتجار العقارات تدل على وجود رجال أعمال ومتنفذين وراءها، مقربين من النظام ومن إيران التي تسعى إلى امتلاك حيز عقاري كبير يؤازر نفوذها العسكري، ويساعدها في تنفيذ مشروعها الهادف إلى تغيير الخريطة الديمغرافية في سوريا، ومنها الغوطة الشرقية، كما حدث سابقا في مناطق أخرى، علما بأن عمليات البيع والشراء العقاري في سوريا تخضع لتعقيدات كثيرة، وتحتاج إلى موافقات أمنية يصعب الحصول عليها في الأحوال العادية، مما يدل على طبيعة الجهات المشترية.

وتتزامن الحركة النشطة في البيع والشراء ضمن الغوطة الشرقية، مع جمود عقاري كبير تشهده الساحة السورية على عكس ما كان متوقعاً بعد انحسار المعارك وعودة الاستقرار النسبي، مما يجعل ذلك النشاط العقاري في تلك المنطقة في إطاره المشبوه.

وكان تحليل سابق للأمم المتحدة استند إلى مسح جوي في الغوطة الشرقية وشمل مساحة 62.5 كم مربع، قد بيّن في آذار الماضي أن 29% من المباني قد دُمرت بشكل كامل أو تعرضت لأضرار جسيمة، في حين تضرر 24% من المباني بشكل محدود. مما يعني أن أكثر من نصف بيوت الغوطة مؤهلة "للبيع القسري" لاستحالة الترميم في ظل المنع.

يقول أبو خليل الذي رفض أن يبيع شقة ومحلا يملكهما في زملكا ولم يتضررا كثيرا، بسبب انخفاض الرقم المعروض عليه "أرجو ألا أصل إلى لحظة اضطر فيها كغيري للبيع بهذا السعر تحت ضغط الحاجة الملحة، علما بأنه ليس من أبناء الغوطة ولا ينوي العودة إليها".

ومما يساعد على حركة البيع في تلك المنطقة أن كثيرين ممن بقوا فيها غير قادرين على تأمين مستلزماتهم واحتياجاتهم المعاشية اليومية في ظل جو اقتصادي خانق، أما الذين غادروها فإن قسما منهم يخشى فقدانه التام للملكية مما يجعله راغباً في الحصول على أي ثمن حالي في ظل انعدام أي أفق مرحلي لعودته، أو الاستفادة من عقاره المهدم.

وبعيداً عن جدية النظام المزعومة في تأهيل الغوطة الشرقية، وإعادة إعمارها كما يدعي، فإن الموضوع يتجاوز قدراته المادية من جهة، فهو لم يستطع رفد البلديات بأكثر من 150 مليون ليرة سورية، في حين بلغت تقديراته حسب تصريح لمحافظ ريف دمشق نقلته وسائل الإعلام إلى حاجة الغوطة الشرقية لمبلغ 450 مليار ليرة سورية، وهو ما يقارب مليار دولار، ومن جهة ثانية لا يبدو موضوع إعادة الإعمار منفصلا عن المسار السياسي وفق الرؤية الدولية مما يجعله حتى الآن بعيد المنال.

وكان إعلام النظام الراغب في تسويق انتصاره، قد أولى جزءا كبيرا منه للحديث عن إعادة الإعمار ذاتيا، أو بمساعدة حلفائه، بعيدا عن المساعدات الدولية، غير أن الاتفاقات الموقعة مع حلفائه، والمشاريع التي أعلن عنها ما تزال هزيلة جدا، فلم يتعدَّ اتفاق الجانب الإيراني مع وزارة إسكان النظام أكثر من تنفيذ 30 ألف شقة على مدار سنوات، وفي كامل المحافظات السورية.

في حين اقتصرت اتفاقاته مع الجانب الروسي على الحديث عن إنشاء شركات الأبنية الجاهزة، بإنتاجية 2000 شقة سكنية على مدار سنوات، بالإضافة إلى شراء بعض المعدات الثقيلة الخاصة بأعمال البناء، والتي كشفت وزارة الأشغال العامة عن استيرادها بمبلغ 9 مليارات ليرة سورية مقابل 144 آلية.

كل هذه المعطيات تطرح السؤال بقوة، ما الذي يرمي إليه النظام بمنع سكان الغوطة من ترميم منازلهم؟ وما الذي يعِدُّه من مشاريع قادمة لتلك المنطقة؟ ولماذا تسارع سماسرته وواجهاته إلى شراء العقارات فيها، وبمبالغ منخفضة، على عكس ما كان يذكر سابقا عن سخاء العروض الإيرانية الراغبة في مزيد من التملك العقاري؟

عموما، مهما تكن ادعاءات النظام، فإن الدلائل والوقائع تشير إلى  ثلاثة أمور يندرج ضمنها منع أهالي الغوطة الشرقية من ترميم أملاكهم، الأول منها: عجز النظام السوري وحلفاؤه عن القيام بمهمة إعادة الإعمار في سوريا بمواردهم الخاصة، والثاني: وهو الأخطر، ويتعلق بابتزاز المواطنين المتضررين، ومحاولته السطو على أملاكهم الخاصة بأشكال متعددة مستفيدا من قوة الأمر الواقع، وتحت ستار القوننة والتنظيم، كما أوحى ودلَّ على ذلك القانون رقم 10 الذي يفرض على المواطنين إثبات ملكيتهم خلال مهلة محددة، ضمن ظروف يتعذر فيها الإثبات، والثالث لا يقل خطورة، وهو يتعلق برغبة إيران في مزيد من التغلغل ضمن الوضع السوري عبر السوق العقارية، لتمكينها من مخططاتها الرامية إلى التغييرات الديمغرافية في سوريا، حالياً، ولاحقاً.

شارك برأيك

أشهر الوسوم