الموت جائزة الأديب

بعض الأدباء الذين اشتهروا بعد وفاتهم (إنترنت)

يجب أن تموت حتى تغدو كاتباً.

قبل الموت سنظلّ في شكّ من موقعك مريب.

الحياة مكان، والموت مكانة.

جرّب ومتْ!

الحياة لهو ٌولغو وإلغاز وغياب ونسيان، والموت جِدٌّ ومعنى وانكشاف وحضرة وحضور وتذكّر وتذكير.

لا يرفع الموت الغطاء عن بصر الميت فيجعله حديداً فحسب، ولكنّه يرفعه عن أبصارنا فيعرّفنا ويثقفنا ويشرّع لنا الأبواب الموصدة، ويدلنا على الدروب المعبّدة.

الموت هو المصعد الذي يطوّح بصاحبه، بل يرتقي به إلى مركز الصدارة.

الموت ولادة جديدة في وعي الناس، وفي تقديرهم ومعرفتهم. يجعلهم يتجاوزون ويتغاضَون ويتسامحون.

دعوه وشأنه. إنّه بين يدي الله، أو بالأحرى بين يدي أنكر ونكير، لا تزيدوا همّه وغمه، بل اذكروا محاسنه، واتركوه ينعم في حفرته! أو ربّما هو في حضرة العدم فلا تعدموه مرة أخرى. ترفّقوا به، وإياكم واللؤم البرقاوي الدميم الذميم.

الجائزة البشرية أرستقراطية. جدّية. لا ينالها إلا المصطفَون، ولا يحظى بها إلا المحظوظون. يتشوف إليها بعضهم بكلّ ذرّاتهم، من جوانحهم إلى جوارحهم، ومن رأسهم إلى جواربهم! يشيبون ولا يشيب أملهم، ويهرمون ولا يهرم حرصهم، ويتهدّمون ولا يتهدّم تلهّفهم وتوقهم! ينقضي أجلهم دون إداركها! ودون أن توقظهم بصيرتهم إلى أن موافاة الأجل عندئذ هي الجائزة بحدّ ذاتها، فالموت جائزة إلهية ديمقراطية متاحة لعموم الكتّاب بلا استثناء، يتشاركونها بلا ترتيب، ولا ترشيح.

هل أتحدّث عن أهمية (الجائزة/ الموت) بالنسبة إلى الأديب؟ أم أنّه غدا من نافلة البيان والقول؟

زرت سنة 2000 مع وفد من الناشرين العرب مقر دار النشر BECK في برلين، والتقينا مديرها ومالكها بيك السادس أو ربما السابع ما عدت أذكر. حدثنا في ذلك اللقاء عن قصة طريفة حدثت معه في الدار، فقد أحبّ أن يترجم إحدى الروايات العربية إلى الألمانية، وأن ينشرها، ويعرّف القارئ الألماني على الأدب العربي المعاصر، ولا غرو في ذلك، فالدار تهتمّ بالعالمين العربي والإسلامي.

اقترح أحد المحررين أن يترجموا رواية متوسطة الحجم من روايات نجيب محفوظ. ففعلوا ذلك، وطرحوا الرواية في المكتبات، غير أنّ نتائج المبيعات على مدار سنتين ظلت صفراً. ففكّر الناشر بإتلاف الرواية، وإرسالها إلى معمل الورق بدلاً من أن تحتلّ مكاناً في المستودع دون أمل، وقبل أن يعطي أمره بالإتلاف أُعلنت نتيجة جائزة نوبل، وإذ بنجيب محفوظ يفوز بها. عندئذ أمر الناشر بيك في

ما زلنا نحتاج إلى الجائزة الرفيعة حتى نسمع باسم كازوو إيشيغوو، أو سفيتلانا أليكسيفيتش أو باتريك موديانو، أو آليس مونرو. لكن جائزة نوبل لا تعرّفنا إلا على أديب واحد في العام، في حين يعرّفنا الموت على عشرات الأدباء.

اليوم نفسه بطباعة قميص للرواية مكتوب عليه: (الفائز بجائزة نوبل لهذا العام)، فبيعت الطبعة كاملة في غضون أقل من أسبوع.

إذاً كان الحديث عن أهمية الجوائز الأدبية أو الفنية في حياة الأديب أو الفنان، وعن دورها في تعريفه وإشهاره نافلةً من النوافل، فهذا لا يعني أن نمسك عنه، أو أن نتحاشاه، فما زال المرء يتقرب إلى عوالم المعرفة والأدب والفلسفة والفن بالنوافل حتى يتبلور فكره ويزداد سَنّاً وإرهافاً، وصقلاً وتثقيفاً.

حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب سنة 1988، وكان من الطبيعي جداً أن يكون قبل ذلك التاريخ مغموراً خارج حدود الوطن العربي في زمن لم يعرف النت، ولا محركات البحث الجبارة، ولا وسائل التواصل الاجتماعي.

أما اليوم فقد غيّرت التكنولوجيا الجديدة جميع معادلات معرفتنا وخوارزمياتها، وهي كما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشال سيريس (لا قرابة بينه وبين الروائي الحلبي نهاد سيريس) لم تقلّص المسافات، كما فعل الحمار أو الطائرة، بل ألغتها، ورغم ذلك ما زالت العلاقة بين القارئ وعوالم الفكر والأدب عصية على هذه التكنولوجيا! فخارج إطار الترجمات الاحترافية لا يمكننا معرفة أدب اللغات الأخرى، ولا أدبائها، ولا مفكريها. ما زلنا نحتاج إلى الجائزة الرفيعة حتى نسمع باسم كازوو إيشيغوو، أو سفيتلانا أليكسيفيتش أو باتريك موديانو، أو آليس مونرو.

لكن جائزة نوبل لا تعرّفنا إلا على أديب واحد في العام، في حين يعرّفنا الموت على عشرات الأدباء.

الموت أكثر كرماً.

ينشد بوريس فيان:

"لا أهوى الهلاك

قبل أن أتذوّق

عذوبة الموت".

ويكتب رولان بارت:

"أوّل ليلة زفاف/ لكن أولى ليالي الحداد"!

أليست هذه مقولة مولانا جلال الدين الرومي نفسه، فليلة الموت عنده هي ليلة الزفاف أيضاً:

"عندما تبصر جنازتي، لا تقل: فراق. فراق!

سيكون آنذاك وقت الوصل واللقاء.

وعندما تودعني القبر، لا تقل: الوداع. الوداع!"

ما أبهج ذلك الأديب الذي تجاوز التسعين، ونسيه العالم، فإذا بالموت يعطيه الصدارة، ويبعثه للحياة مرة أخرى.

في النصف الأول من هذه السنة فقط عرفني الموت على:

الروائية والمسرحية وكاتبة اليافعين الألمانية من أصل بولندي ليوني أوسوفسكي (1925 ــ 2019)، صاحبة الملحمة العائلية من ثلاثة أجزاء: كرز، وذئب التوت، وزمن البيلسان.

وعلى الكاتبة البرتغالية أغوستينا بيسا لويس (1922 ــ 2019)، إحدى أهم الكاتبات الأوربيات المعاصرات، حيث وُصفت بالصوت الأنثوي العظيم في أدب البرتغال. كتبت حوالي أربعين رواية، وعدداً لا يُحصى من القصص والمسرحيات والمقالات، ومن أهم رواياتها: (إيزابيلا)، و(وادي إبراهيم)، و(الأراضي الخطرة)، و(العرّافة)، و(أسنان الفأر)، و(روح الأثرياء)، و(مجوهرات العائلة)، وبناءً على ذلك نالت أهمّ جائزة أدبية في العالم الناطق بالبرتغالية.

وعلى كاتبة الأطفال البريطانية من أصل ألماني جوديث كير (1923 ــ 2019)، التي كتبت بتمكّن أدبي عال (عندما سرق هتلر الأرنب الوردي) أحد أكثر الكتب مبيعاً في ألمانيا، والذي يُذكرنا بمذكرات آن فرانك، وقد روت فيه قصة هروبها مع أسرتها اليهودية من ألمانيا النازية بعد عام 1933 عبر سويسرا وفرنسا إلى إنكلترا، وكتبت وصمّمت ورسمت، فيما بعد، أكثر من عشرين كتاباً للأطفال.

وعرّفني الموت على الكاتب الإيطالي المناضل والمعارض ناني باليستريني (1935 ــ 2019)، أحد الشخصيات المركزية لليسار الإيطالي بعد الحرب العالمية الثانية، وقد عرفه جمهوره من خلال روايته (نريد كلّ شيء) التي وصف فيها المعارك والصراعات في مصنع سيارات (فيات). وكان قد شارك عام 1968 في تأسيس منظمة (القوة العاملة) لتعبئة العمال في مصنع فيات، وصوّر في أعماله الصراعات الاجتماعية والسياسية التي كان شاهداً عليها، ويمكن أن نشير ههنا إلى روايته (غير مرئي)، وروايته (الناشر) التي تحدّث فيها عن صديقه الناشر جيانجياكومو فلترنيلي وتجربته في دار النشر اليسارية التي عمل فيها محرّراً مدة عشر سنوات.

وعلى كاتبة الأطفال الألمانية ميريام بريسلر (1940 ــ 2019)، والتي تُعد من أكثر الكتّاب تأليفاً وترجمة، فقد نافت رواياتها على الخمسين رواية، وترجماتها على أكثر من ثلاثمئة كتاب، وتخصصت في ترجمة الأدب الإسرائيلي فترجمت أعمال: الروائي أوري أورليف، والروائي عاموس عوز، والروائية زيرويا شاليف.

وأهداني الموت معرفة الروائي والمسرحي الألماني ديتر فورت (1935 ــ 2019)، الذي لقيت مسرحيته (مارتن لوثر وتوماس مونزر) نجاحاً عالمياً عام 1970، وقد ركّزت رواياته من جهة على فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وعلى الظروف المعيشية للإنسان الحديث في ظل حكم التكنولوجيا ورأس المال من جهة أخرى، وكان مشروعه الأهم رباعيته التي كتبها ما بين عامي 1992 و2004 التي ضمّت الروايات الآتية: نمط، والاعتدال، وفي الذكرى (أو الذاكرة)، وعلى الجانب الآخر من العالم.

ومعرفة الكاتبة البريطانية روزاموند بليشر (1924 ــ 2019)، التي كتبت أكثر من ثلاثين رواية، وقصصاً

الجائزة/ الموت، بالنسبة لي وإلى كثير من أمثالي، هي الفرصة الأكثر جدوى في التعرّف إلى أدباء ومفكرين لم نكن لنسمع باسمهم إلا بمحض المصادفة

لا حصر لها، وكان موضوعها الأثير أن تصف البيئة المعيشية الطبيعية للطبقة المتوسطة الإنجليزية، من دون قصص مذهلة، أو مغامرات مدهشة، وتُعد هذه الكاتبة من أهم كتّاب نصوص التلفزيون عالمياً، أما رواياتها فقد تجاوزت مبيعاتها الثلاثين مليون نسخة، وهذا رقم عالمي مذهل.

إنّها أسماء أدبية، هي بالقياس إلينا، أشبه ما تكون بتلك الأرض التي ما تزال غارقة في ظلمة انعدام الاسم، على الرغم من وجود بشر عليها يعرفونها ويعيشون فيها، ولكننا لم نكتشفها ولم نعرفها.

الجائزة/ الموت، بالنسبة لي وإلى كثير من أمثالي، هي الفرصة الأكثر جدوى في التعرّف إلى أدباء ومفكرين لم نكن لنسمع باسمهم إلا بمحض المصادفة، أو بخالص التتبع والتفتيش. أدباء ومفكرون يقفون جميعاً في السلسلة ينتظرون دورهم القادم في موعد مبرم، ولكنه مجهول.

أما خير كلمة يمكن قولها في هذا الصدد فهي: (موتوا قبل أن تموتوا).

شارك برأيك

أشهر الوسوم