الموت السوري في غابة الأسد عنوان الإجماع اللبناني

ما يجمع عليه أبناء بلد ما يشكل هويتهم ودستور بلادهم ومعناه ووظيفته، ويرسم موقعه في العالم وخصوصيته، قبل الجغرافيا والاقتصاد وسواها من مقومات نشوء البلاد واستمرارها. يعني ذلك أن البلاد عموما ليست سوى أفكار، وهي تسمو بقدر سمو هذه الأفكار وتنحط بانحطاطها.

ما يمكن أن نطلق عليه حاليا تسمية الفكرة اللبنانية لا يعدو كونه حرصا على إنشاء وجود لبناني عام، يعتبر أن وجود اللاجئين السوريين في لبنان وبقائهم فيه على الرغم مما يتيسر لنظام بشار الأسد من اعتراف وإعادة إنتاج على المستويات العربية والدولية كافة، ليس سوى ترف لا يطاق وإصرار على تحميل البلد ما لا يحتمل، وتعبير عن رغبة عميقة في الاستمرار في تلقي ما يتيحه الفردوس اللبناني من هبات ونعيم.

لا يخرج هذا الكلام من فئة محددة وهامشية يمكن أن يدرج حقدها على السوريين في إطار ملحق بطبيعتها الأيديولوجية والسياسية

ما يجري حاليا في الميدان اللبناني يكشف أن أحدا لم يكن أساسا مع الثورة السورية ضد بشار الأسد بل كان الأمر مرتبطا بوظيفة يراد للسوريين إنجازها بدمائهم نيابة عنهم

وحتى الاجتماعية، بشكل يجعل منه بعضا من إفرازاتها، بل تحول إلى سمة عامة انتقل معها من الخاص إلى العام.

تغيير المواقف بتغير الظروف السياسية يبدو مفهوما، ولكن ما يجري حاليا في الميدان اللبناني يكشف أن أحدا لم يكن أساسا مع الثورة السورية ضد بشار الأسد بل كان الأمر مرتبطا بوظيفة يراد للسوريين إنجازها بدمائهم نيابة عنهم، ما يعني أن الأمر لم يكن إيمانا بما كانت تنادي به هذه الثورة في لحظات نقائها، بل مجرد انسجام ما مع نتيجة منتظرة منها.

 حين لم تتحقق هذه النتيجة لم يكتف عشاق الثورة السورية في لبنان بخيانتها والارتماء في أحضان الأسد وإيران، بل صاروا منتجين لحضورهما وصناع شرعياتهما والجسور التي يعبرون منها إلى الغزو والتمدد والانتشار.

تعريف السوري في المعجم اللبناني العام وربما في معاجم العالم الآن يعني الكائن المنذور للموت بطبيعته. مشكلة اللبنانيين المطالبين بعودة اللاجئين إلى أحضان النظام، على الرغم من معرفتهم التامة بتلازم هذه العودة مع الموت بأشكاله الأسدية المتعددة، والتي لا يعود الموت المباشر معها سوى رحمة مشتهاة ومنتظرة، تقول إن هذا الموت الأقل الذي يصيبهم في لبنان أو أن الأشكال المحددة من الموت التي يتيحها الفردوس اللبناني هي نوع من الرحمة الفائضة التي لا يستحقها السوريون.

أن يموت أطفال سوريون من البرد في لبنان ليس مشكلة تؤرق بال الضمير اللبناني عموما، ولكن المشكلة في أن هذا الموت القليل والذي ما يزال مرئيا يحاول أن يقدم نفسه على أنه نشاز وخطأ لا يجري مقام الطبيعة، وأنه نتيجة لفعل عارض وطارئ وليس تعبيرا عن وظيفة طبيعية.

من هنا نفهم لماذا يصر اللبنانيون على الدفع بذلك الإجماع المنادي بعودة السوريين إلى المقبرة الأسدية العامة إلى واجهة الحدث، لأن ما لا يريدون منحه للسوريين ليس تجنب الموت بل حرمانهم من موت رحيم بشكل من الأشكال. ما يطرح على السوريين ليس مفاضلة

يدافع السوري اللاجئ في لبنان عن أثر مروره في هذا العالم، محاولا صيانة ماضيه وتاريخه مخاطباً المستقبل ومن سيبقون أحياء

مستحيلة بين الموت والحياة بل مجرد خيار مر بين موتين. ليس اختيار اللاجئ السوري للموت اللبناني سوى حرص أخير على الحفاظ على حد ما من كيانه، فما يمنحه إياه الموت في لبنان هو بعض من الصفة والكيانية والاسم، مقابل المحو التام للوجود الذي يعرف أنه سيلاقيه في المسلخ الاسدي.

يدافع السوري اللاجئ في لبنان عن أثر مروره في هذا العالم، محاولا صيانة ماضيه وتاريخه مخاطباً المستقبل ومن سيبقون أحياء، يحاول أن يترك من نفسه شيئا يصلح للسرد وكتابة السيرة، والقول إن لحظة الموت التي يحياها ليست سوى ظرف لا يختصر كامل وجوده.

تخبر هذه القسوة اللبنانية العارمة في حق السوريين الكثير عن أحوال البلاد، بل هي المرآة الأكثر صدقا والتي تعكس حالة عميقة من كره الذات، فما يعانيه اللبنانيون ناتج من التبلد، والجمود، وابتلاع الإهانة والسكوت عن الحقوق، بينما يدفع السوريون ثمن احتجاجهم وثورتهم.

الفرق بين الموتين اللبناني والسوري يكمن هنا تحديداً، وربما يمكن تفسير هذا الحرص اللبناني العارم على دفع السوريين إلى أحضان الموت الأسدي الأكيد، بأنه يكشف عن رغبة عارمة في الاستمرار في الإقامة داخل مقبرة الموت البارد والقضاء على إغراءات الموت الساخن.

السوريون حتى وهم يموتون بردا فإن موتهم هذا عائد لكونهم كانوا قد احترقوا بنيران ثورة كانت ذات لحظة بالغة الصفاء والنقاء والمعاني، وتمثل لحظة لا يريد أحد إحياءها ولا التفكير بها خصوصا في بلاد نصر الله والأرز.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم