المسار الديمقراطي...

هل بقي من شك في استحالة تمتع الأمم والشعوب بكرامتها الإنسانية والمحافظة على حقوقها وحريتها سواء على مستوى الجماعات أو الأفراد وضمان مستقبل مشرق لأجيالها اللاحقة  إلا إذا كانت أنظمة حكمها تستند إلى الديمقراطية وتعتمد دستورا" مدنيا"؟

هل يمكن بعد ثورة الاتصالات وإمكانية استبيان الرأي العام بسهولة نسبيا"، وانتشار الوعي والمعرفة (بحدها الأدنى) بأغلبية المجتمعات، وامتلاك غالبية الجيوش لأسلحة ذات قوى تدميرية هائلة وخاصة إذا كان المستهدف هو الشعب، وتوفر مخزون نقدي كبير نسبيا" ناجم عن الثروات الباطنية أو نتيجة لنظم الجباية في الدول الفقيرة، أن تُحكم من خلال ديكتاتورية أو ملكية مطلقة؟! والتي تستطيع نتيجة لامتلاكها ما تقدم إنفاذ إرادتها على خصومها السياسيين وكتم أصوات معارضيها وأصحاب الرأي الحر (خارج القانون)، لتبقى على رأس الحكم لتستفيد من موقعها فتتغول وتؤصل سلطتها في المجتمع من خلال إفساده عموما" وعلى الأخص باعتمادها حثالة المجتمع لتشكيل شبكات من المأجورين تبدأ بالهيئات الدينية والإعلاميين الأبواق وصحافة أعمدتها ومحرريها للبيع في سوق النخاسة السياسية وتنتهي بأجهزة الأمن والجيش الأمني الوظيفة لا الوطني التوجه.

أليس من العجيب أن يتم اتهام من يطالب بحكم ديمقراطي ودولة مدنية بالخروج عن الدين، وأن ينال من يقتل المدنيين

هل لنا أن نتصور أن من يستعد للحكم لمدة قد تصل لأربعين عاما قياسا" على عمره والتقاليد المتبعة " من العرش إلى القبر"، قد بدأ حكمه بتصفية المعارضين وأصحاب الرأي ,هل لنا أن نتخيل في حال وصوله للحكم كيف سيكتب صفحات سجله الطويل بالحكم؟!

(والذي سفك دم واحد منهم أهون على الله من زوال الدنيا) قبول ومباركة رجال الكهنوت وأكثر من ذلك يقومون بتأصيل حكمه كجزء من ثوابت الدين التي لا يجوز نقاشها! وهل يمكن أن نقبل بتفسير هذه المرجعيات التقليدية العابرة للتاريخ بأنه لا صحة لتحديد فترة الحكم و بأن الحاكم ملزم بالسماع ولكن غير ملزم باتباع الشورى المقدمة ممن يفترض أنه أهلا" للحل والعقد!!!

هل لنا أن نتصور أن من يستعد للحكم لمدة قد تصل لأربعين عاما قياسا" على عمره والتقاليد المتبعة " من العرش إلى القبر"، قد بدأ حكمه بتصفية المعارضين وأصحاب الرأي ,هل لنا أن نتخيل في حال وصوله للحكم كيف سيكتب صفحات سجله الطويل بالحكم؟!

أليس لنا بالواقع السوري عبرة وما فعله وريث الجمهورية الملكية بشارالأسد؟ فقبل جريمته المستمرة بحق الشعب السوري المستمرة منذ سبع سنوات، احتاج لتثبيت حكمه في سوريا أن ينتقم ممن هز عرشه في لبنان المحتل من عهد والده فقام باغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري وماسبقها وما تلاها من سلسلة  اغتيالات طالت الرموز السياسية والنخب الثقافية التي طالبت بإنهاء الوجود العسكري الأمني الأسدي، والتي شكلت بنهجها التحرري خطرا" على حكمه ليس فقط في لبنان، الذي كان يلقب بسويسرا الشرق فتحول تحت الاحتلال الأسدي إلى جمهورية موز، بل في سوريا نتيجة ما قد تشكله الاهتزازات الارتدادية الناجمة عن انتهاء هيمنة المنظومة العسكرية والأمنية الأسدية على لبنان بضغط من النخب السياسية اللبنانية.

إن النهج الديمقراطي يشكل صمام أمان يمنع ليس فقط حيازة الحاكم منفردا" لقرار الحرب والسلم" ولكن أيضا يمنع صنع وإنفاذ القرارات الخاطئة على المستوى المحلي العام مما قد ينجم عنها منعكسات سلبية تطول المجتمع بكامله،  فقد سجل التاريخ حصول مجاعة في الدول ذات نظام الحزب الواحد أو التي تعرف بأنظمة الحكم الشمولي فالصين شهدت مجاعة في عام 1958 استمرت لثلاث سنوات، مات نتيجتها حوالي عشرون مليونا" من المواطنين نتيجة لقرارات  تعسفية من ماو تسي تونغ (الزعيم الرمز )، وبوقتنا الحالي تشهد دولة نفطية مثل فنزويلا الخاضعة لحكم عسكري " هجرة الجوع ".

الأكيد أن النهج الديمقراطي لايتحقق بسهولة وبفترة قصيرة، فهو مسار تراكمي  يحتاج إلى تحقق شروط تأسيسية على المستوى العام منها على سبيل المثال تمتع عموم المواطنين بالوعي السياسي والعقلانية، ويحتاج إلى نخبة وطنية التوجه تؤمن أن خلاص الفرد يتمثل بخلاص المجتمع ككل، ولكن هذا الطريق على وعورته يبقى قابلا" للتحقق ولنا في التجربة التركية المعاصرة مثالا"عن التفاعل الإيجابي بين المجتمع ونخبه في عملية إحداث التغيير المأمول، كذلك لابد من الإقرار بأن اعتماد الديمقراطية لا يمنع بالمطلق حصول الأخطاء في المجال العام، ولكن الإحصائيات وتاريخ الدول التي اعتمدته تظهر أن تكرار الأخطاء فيها محدود جدا" وذلك لاعتماد مبدأ المحاسبة على كل مستويات العمل العام ولهذا نرى خطها الحضاري صاعدا"على وجه العموم.

 بينما مازالت أنظمتنا الحاكمة  تكرر أغلاطها أو بالأحرى جرائمها ليعيش الشعب مرارات التخلف ويبتعد عن دائرة التأثير الحضاري ليبقى مستهلكا" خاملا" حبيسا" لرؤية واحدة قاصرة وليفرض عليه خطابات التمجيد للحاكم، الذي بدون ظله في الأرض يحل الخراب بالعمران ويُفقد الأمن والأمان، هذا الحاكم الذي يفرُض على الشعب نتائج مغامراته الفاشلة وقراراته الارتجالية الكارثية والتي في الدول الديمقراطية تمر عبر آليات ومرجعيات قانونية وفنية ومن ثم إقرارها أو رفضها من قبل ممثلين منتخبين من قبل الشعب وبما ينسجم مع الدستور وسيادة القانون واحترام الحريات والحقوق الأساسية ومع مراقبة مستمرة من خلال وسائل الإعلام، التي لا تتبع الحكومة ,لكل من هو في الخدمة العامة مهما علا منصبه ومهما كان دوره بصنع القرارات الكبرى وبالتالي  لم يكن  أن تتاح الفرصة لصدام حسين أن يحتل  الكويت ويقصف قبلها حلبجة بالكيماوي،

هذه الانتهاكات والجرائم الكبرى ما كانت لتحدث بدول ديمقراطية أو تسعى لأن تكون ديمقراطية.

ويستحيل أن يكرس بشار الأسد جيش الدولة ومواردها لارتكاب جريمة قتل مليون مواطن , أو أن يوجد نظام ولاية الفقية بإيران و ما نجم عنه من تمويل ودعم سياسي للأحزاب والمجموعات الإرهابية، أو أن يخصص طاقماً وظيفياً حكومياً لارتكاب جريمة قتل صحفي ضمن مرفق يفترض أنه لخدمة مواطني المملكة في اغترابهم، ليتم إرهاب الجميع وقطع ألسنة المطالبين بالحقوق السياسيةالأساسية!!! كل هذه الانتهاكات والجرائم الكبرى ما كانت لتحدث بدول ديمقراطية أو تسعى لأن تكون ديمقراطية.

 إن ترك مصير الشعوب في عصرنا هذا لقائد أوحد متحكم بالسلطة المطلقة التي هي بلا شك مفسدة مطلقة، لهو أمر مهين للإنسانية وللتطور الفكري للمجتمعات وأيضا" هو سبب رئيس لحصول ثورات ناجمة عن تراكم الاحتقان والغضب لدى أغلبية المواطنين غير  المسموح لهم بالمشاركة الفاعلة بصنع القرارات المتعلقة بوطنهم وبمستقبلهم ومستقبل أبنائهم من خلال وجود ممثلين عنهم في دوائر الحكم وأجهزته التنفيذية.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم