المسؤولية الإعلامية

يستثمر عدد كبير من الكتّاب والمثقفين المعارضين في نقد أداء مؤسسات الإعلام الرسمي السوري بمختلف أشكالها المرئية والسمعية والكتابية. كما أنهم ينهمكون في تفنيد هفواتها المتكررة وتوضيح أكاذيبها المؤسّسة لعملها وإدانة مبالغاتها المقصودة في معالجة الأخبار وتقديمها إلى المواطن السوري في الداخل الذي طالما كان مغلوباً على أمره، أو ذلك، في الداخل كما في الخارج، الذي اختار أن يعيش في مستنقع الكذب والنفاق الآسن، متحمّلاً روائحه المؤذية ومياهه اللزجة المتناسبة مع موقفه، مُعلّلاً النفس والجيب بأنه ربما يُحافظ على ما تبقى له من مصالحه من خلال رؤية مشوهة للواقع المُعاش، تتسم حتماً بقصر النظر لانعدام أي مقوم من مقومات دوامها.

وغالباً ما يتم من خلال هذه العملية النقدية التشريحية، التطرّق إلى الإعلام الخاص المستجّد في الدولة الاستبدادية كهدف إضافي دسم الأخطاء والتشويهات. ويتم التوقف عنده لما يتميز به من شدة الخضوع والتملّق للسلطة المستبدة، بناءً على أن تمويله يتأتى من بطانة السلطان وعلى أنه "يتمتع" بحرية تعبير تقارب ما تحت الصفر لتتماشى مع "حرية" التعبير المنعدمة منذ عقود.

كما تُسَخَّر المؤسسات الإعلامية المُعارِضة برامجٌ فكاهية، متفاوتة المستوى، للسخرية من أداء الإعلام الرسمي وتوضيح مثالبه في الجانب

تتحمّل هذه المؤسسات المعارضة مسؤولية كبيرة في تقديم البديل الإيجابي من حيث المهنية والدقة وعدم استغباء المتلقي وإلى آخره من عوامل نجاح الإعلام في أداء دوره إيجاباً

المهني كما في جانب المحتوى والحمولة. ومن المؤكّد بأن الإعلام الرسمي في الدول التي يُسيطر عليها الاستبداد، لا يمكن له أن يتجاوز مستوى البوق الإعلامي أو الوسيلة الرسمية/ الأمنية للدعاية السياسية مفضوحة المصدر والمآل. وبالتالي، فهو يهيئ لمعارضيه المادة الدسمة لتلقف عثراته والتوقف عندها إدانةً أو سخريةً. وفي هذه الممارسة، تتحمّل هذه المؤسسات المعارضة مسؤولية كبيرة في تقديم البديل الإيجابي من حيث المهنية والدقة وعدم استغباء المتلقي وإلى آخره من عوامل نجاح الإعلام في أداء دوره إيجاباً، وتعزيز هامش حرية التعبير. وتصبح هنات وعثرات هذا الإعلام الذي يدّعي لنفسه لعب دور البديل، محطّ ملاحظة دقيقة بالمجهر حتى لا يقع في المستنقع الآسن ذاته أو قريب للذي تُبحر فيه المؤسسات الرسمية ومن في حكمها.

في استطلاع مصوّر بثّته قناة سورية معارضة مؤخراً، يستطلع "الصحفي" آراء بعض اللاجئين السوريين في فرنسا بمعيشتهم. وفي المطلق، فإن فكرة الاستطلاع جيدة في هذه المرحلة وتحمل جديداً في التطرّق إلى أوضاع اللاجئين في أوروبا عموماً وفي فرنساً خصوصاً. لكن دقائق الاستطلاع المصور القصيرة، حملت معها عناصر تكاد تكون صادمة لمواقف "مواطنين" لاجئين وهي تحتوي على كل مكونات ما يمكن تسميته بالـ "الفضيحة" الإعلامية والأخلاقية. وعلى الرغم من معرفتنا البديهية بأن جمهور اللاجئين غير متجانس في كل المشارب، إلا أن يقوم تقرير مصوّر بعكس رأي واحد وموّحد، وشبه موجّه، شديد السلبية والنقد والتبرّم من الإدارة الفرنسية لمسألة الهجرة، إضافة إلى توصيف كاريكاتوري للمعيشة في هذا البلد، فهذا يدل على أداء إعلامي أقل ما يقال عنه أنه ضعيف للغاية.

وفي نظرة أخرى، يمكن للمشاهد الواعي أن يستخلص بأن الاستطلاع يبحث عن إيصال رسالة تبدو واضحة في ذهنية من قام بالتحضير له وباختيار المتحدثين فيه وأخيراً في عرضه. هذه الرسالة يمكن أن تكون مزدوجة، فمن جهة، فهي تتعرض بنقد غير موضوعي للبلد المستضيف ومن جهة أخرى، تُظهر أن اللاجئ السوري في قمة السذاجة والجهل، إضافة إلى التركيز على جانب الانتفاع في شخصيته.

أجمع من قابلهم الاستطلاع على بيروقراطية الإدارة، وفي هذا جانبٌ من الحقيقة المطلقة التي يشكو منها الفرنسيون أنفسهم، ولكنه يبدو غريباً على من هو قادم من سوريا التي تتضافر فيها جهود البيروقراطية والفساد لتحيل حياة المواطن جحيماً. وفي مقطع آخر، شابٌ يُعبّر عن خيبة أمله في أن حلمه بالقدوم إلى ما يسميه بدولة عظمى خاب، وبأن لا ناطحات سحاب فيها والمدن قديمة (...). ويكاد المشاهد الواعي أن يعتقد لوهلة بأن هناك رغبة من الصحفي للاستهزاء بهذا الطرح، إلا أن متابعة بقية الشريط، تؤكد العكس تماماً. فها هو أحدهم يشكو من وجود كثير من العرب والسود وهو الذي كان يعتقد بأنه قادم إلى بلد أوروبي. ومسنٌّ سوري يحتج

نجح الشريط خلال وقت قصير في تقديم خليط من الجهل والعنصرية والبحث عن الانتفاع المجاني وترجمة وقحة لانعدام الوفاء

على خضوع أولاده الشباب إلى عديد من الدورات التكوينية قبل إدماجهم في سوق العمل معتبراً بأن ذلك إساءة لهم وإضاعة لوقتهم. وتتضافر المداخلات للتعبير عن الخيبة من بلد لم يقدم لهم ما كانوا يحلمون به من رواتب عالية وسكن مريح، على الرغم من اعتراف سيدة بأن النظام الصحي لا بأس فيه كما أن مساعدات السكن ملائمة.

نجح الشريط خلال وقت قصير في تقديم خليط من الجهل والعنصرية والبحث عن الانتفاع المجاني وترجمة وقحة لانعدام الوفاء. ومن المؤكد وجود مثل هذه الآراء لدى بعض الناس، لكن أن يقتصر استطلاع صحفي يدّعي عكس واقع اللاجئين المعاش في فرنسا على هذه النماذج السلبية، ففي هذا الأداء إساءة إن كانت مقصودة، فهي معيبة، وإن كانت عن غير قصد، فهي معيبة أكثر.  

شارك برأيك

أشهر الوسوم