المجلس الإسلامي السوري وفتاويه الهرمة 2/2

تحدّثنا كتب الأدب عن شاعر فُلج، فسُئل عنه رجل فقيل له: ما كان سبب فالجه؟ قال: أكل بيتين من شعره.

أما كتب الفقه فإنّها لم تحدثنا عن فقيه فُلج بأكل فتواه، بل تركت الواقع يحدّثنا عن فتاوى استنام الناس إليها فانقضّت فوقهم، وشوّهتهم أو أهلكتهم، وأخرى استذرَوا بظلّها فأرسلت عليهم شُواظاً من الخبل، وسهاماً من العلل.

ولن أذهب بعيداً وأمامي بعض فتاوى (المجلس الإسلامي السوري) التي أصدرها لتكون مقاييس رشاد وسداد فإذا هي، مع كامل الأسى والأسف، بواعث عطب وفساد.

وسأكتفي ههنا بنُبَذ مما ورد في هذه الفتاوى، وبالإشارات الخاطفة لمكامن خطلها وأدوائها، على سبيل الإجمال وغاية الاختصار، غير مشير إلى الأخطاء النحوية وضعف الصياغة اللغوية.

لقد أصرّ المجلس الكريم في الفتوى المعنونة بـ (فتوى حول تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام) على البحث عن توصيفٍ فقهي كلاسيكي لتنظيم داعش! وبما أنّ أوصاف

لم ينتبه (المجلس) إلى أنّه بهذا التوصيف يسبغ المشروعية على بشار الأسد، لأنّ أيّ جماعة مقاتلة لا تغدو من الخوارج إلا إذا خرجت على إمام

الجماعات السياسية والعسكرية المناوئة للسلطة محدودة في كتب الفقه، فإنّ المجلس لم يجد أمامه من وصف سوى (الخوارج والبغاة) فانتزع هذا الوصف من خزانة التاريخ وألقاه على جسد تنظيم داعش، وأعطاه جميع أحكام (الخوارج والبغاة).

ولم ينتبه (المجلس) إلى أنّه بهذا التوصيف يسبغ المشروعية على بشار الأسد، لأنّ أيّ جماعة مقاتلة لا تغدو من الخوارج إلا إذا خرجت على إمام، وسنرى أنّ هذه الفتوى تستشهد بكلام للمفسّر القرطبي يقول فيه: "إذا خرجتْ على الإمام العدل خارجةٌ باغية ولا حجة لها قاتلهم الإمام بالمسلمين كافةً أو من فيه كفاية، ويدعوهم قبل ذلك إلى الطاعة والدخول في الجماعة، فإن أبوا من الرجوع والصلح قُوتلوا، ولا يُقتل أسيرهم، ولا يُتبع مدبرهم، ولا يذفّف على جريحهم، ولا تسبى ذراريهم ولا أموالهم".

ولم ينتبه المجلس أيضاً إلى أنّ من مقتضيات هذا التوصيف أن تأخذ جميع الفصائل المقاتلة من جيشٍ حر وسواه حكم داعش، لأنّهم خرجوا على الإمام نفسه!! على أنّ هذا (المجلس) في (فتوى التكييف الفقهي لقتالنا مع النظام) يقدّم مسوّغات قتال النظام، ويستنجد بنصوص القرآن الكريم وبأقوال الفقهاء لإثبات شرعية قتال الفصائل للنظام الأسدي، وعندئذٍ فهذه النصوص والأقوال جميعها تعطي الشرعية لداعش أيضاً في قتاله لهذا النظام.

وكان ينبغي على (المجلس) الكريم أن يبحث عن وصفٍ لهذا التنظيم في القانون الدولي المعاصر، وعندها لن يقع في هذا التناقض، ولن يضفي الشرعية على بشار الأسد ونظامه الدكتاتوري المجرم من حيث لا يحتسب، ولن يصفه بالإمام من أساسه. كان يجب عليه أن يولي وجهه إلى اتفاقيات طوكيو ولاهاي ومونتريال والمعاهدات الدولية المختصة بالمنظمات الإرهابية والجرائم الإرهابية على اختلاف صنوفها. هذه الاتفاقيات والمعاهدات التي أقرّتها (معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب الدولي) سنة 1999، بكل خبرائها وفقهائها، فيستمدّ منها توصيف تنظيم داعش، وكيفية معاملته.

ونقرأ في (فتوى التكييف الفقهي لقتالنا مع النظام) مسوّغات قتال النظام ومنها: "تحالف هذا النظام مع الرافضة، وتمكينهم من بلاد المسلمين في نشر مذهبهم الضال"، ولا أدري كيف أكثّف شرح مشكلات هذين السطرين! لأنّهما يستأهلان مقالاً مستقلاً، ولكنّني أكتفي بالإلماحات التالية:

يُفترض في الفتوى أن تتكلم عن (سوريا والسوريين) فإذا بها تتكلم عن (المسلمين وبلاد المسلمين). وكأنّ هذا المجلس هو المجلس الإسلامي لـ (داعش) الذي لا يعترف ببلد اسمه سوريا، وليس المجلس الإسلامي السوري، وسوف يتكرّر الحديث عن الرافضة الذين يتحكّمون "في كثير من قضايا المسلمين"، وعن الذين "سطوا على حكم المسلمين"، وعمّن "باعوا البلاد وسلموها لأعداء المسلمين"، وعن "هؤلاء الذين استباحوا دماء المسلمين"، وعن مفاداة أسرى النظام "بمال أو بأسرى المسلمين"، وعن اختيار الحكم الأنسب للأسرى الذي فيه "مراعاة الأصلح والأنفع للمسلمين"، بل حتى إنّ "ما تعود ملكيته لعموم الشعب السوري، كآبار النفط والمصانع والمطاحن وغيرها من الممتلكات فإنها تُنفق في مصالح المسلمين"!!!!!!!

ثمّ نرى الاغتنام البائس للفرص حين تأتي الفتوى فتصف (الرافضة). بالمذهب الضال!! هبْ أنّ هذا المذهب ضِلُ بنُ ضلٍ فما وجه ذكر ضلاله في فتوى تتحدث عن قتال النظام؟! وكأنّ الفتوى قد سيقت أصالةً لبيان ضلال (الرافضة)! هل مهمة المجلس الإسلامي السوري إطلاق أحكام الضلال والهداية على الأديان والفرق الإسلامية؟

هل تزول المشكلة مع الجنود الشيشانيين الذين جلبهم الروس إلى أرضنا، لأنّهم إخوتنا في الله والمذهب؟ إذا كان الجواب: هم أعداؤنا بغضّ النظر عن دينهم ومذهبهم، فليكن جواب (المجلس) أيضاً: إنّ المحتلين الآخرين من إيران وأتباعها أعداؤنا بغض النظر عن دينهم ومذهبهم، وعندئذٍ لا داعي لذكر المذهب والخوض في أوحال ضلاله أو هدايته.

على أنّ في استخدام مصطلح (الرافضة) شحنة عداء مع طائفة لها وجودها في وطننا، وهو استخدام يذكّرنا بالتقليد الوهّابي السعودي، ولا يحيلنا إلى تقليد علماء سوريا الأبرار ومشايخها العقلاء الذين يستخدمون مصطلح (اثنا عشرية)، أو (جعفرية)، أما استخدام مصطلح (رافضة) فلا يكون إلا على سبيل التشنيع والإثارة والاستعداء، ونحن ننزّه (المجلس الإسلامي السوري) عن الوقوع في أوضار ذلك.

وفي الفتوى نفسها (التكييف الفقهي لقتالنا مع النظام) نقرأ: "هو دفاع مشروع عن النفس ودفع عدوان وجهاد ضد نظام كافر أعانه على عدوانه مرتزقة".

ونتساءل: هل نقاتل النظام لأنه ظالم، أم لأنّه كافر؟

إذا كنّا نقاتله لأنّه ظالم؟ فيجب ذكر ظلمه لا كفره، وإن كنّا نقاتله لكفره فكيف تقول الفتوى بعد ذلك مباشرة: "إذا تلفّظ المقاتل غير المسلم بالشهادة في ساحات المعارك أو بعد أسره فإنه لا ينفعه ذلك، لأنّنا لا نقاتل النظام من أجل دخوله في الإسلام، بل نقاتله لأنه اعتدى علينا"؟ إنه مثال بارز للاعتساف في ضبط الأوصاف التي تترتّب عليها الأحكام.

ويصبُّ (المجلس) علينا جام فتواه في حكم الأسير: "والحكم في الأسرى بإحدى هذه الأمور الثلاثة: (القتل، المفاداة، المَنّ)". ونقف هنا أمام انتقائية (المجلس) في اجتباء أقوال على غير هدى، وإقصاء أخرى على غير بصيرة.

فلكي يراعي (المجلس) القانون الدولي العام الحاكم بإلغاء الرق إلغاءً تاماً فإنّه يضرب صفحاً عن كلام الفقهاء، ويخفي الاحتمال الرابع في حكم الأسير وهو استرقاقه واتخاذه عبداً أو أمة بحسب جنسه، وكأنّ جميع المشايخ المسؤولين عن هذه الفتوى لم تبلغ مسامعهم اتفاقية جنيف الدولية بشأن معاملة أسرى الحرب المكونة من 143 مادة، وخمس ملاحق، والمقرّة سنة 1949، والبروتوكول الأول الإضافي سنة 1977، فإنّهم يذكرون احتمال قتل الأسير بكل تلقائية، وكأنّه حكم مفروغ منه، ولو أنّ شيخاً واحداً منهم اطلع على هذه الاتفاقية لقال لهم: قفوا! إنّ هذه الفتوى تُعدّ جريمة ضدّ الإنسانية!

لن أناقش الفتوى فقهياً وكيف يغيب عنها المنجز الفقهي المعاصر الجازم بأنّ الأسير لا يُقتل ولا يُعذّب، وأكتفي بالإشارة إلى كتاب (القانون الإنساني الإسلامي) للباحث الدكتور سعد رستم الذي دلّل وأكّد حظر قتل الأسير وتعذيبه من خلال النصوص الشرعية الثابتة، والتأصيل الفقهي المعتبر، وقد أيّد الأستاذ الدكتور عبد السلام العبادي الأمين العام لمجمّع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي

قتل الأسير من دون مراعاة ضوابط اتفاقية جنيف وموادّها وأحكامها هو جريمة ضد الإنسانية، وإذا تكرر واضطرد غدا جريمة حرب

برسالة موثّقة هذه الدراسة التي خلصت إلى أنّ مصير الأسير في الإسلام محصور في احتمالين: إما إطلاق سراحه بلا مقابل، أو بمقابل. لكنّ المجلس الكريم في غفلة عن ذلك.

ويالهول المفارقة التي تضعنا فتوى المجلس أمامها، ففي الوقت الذي يحلم فيه معظم السوريين برؤية بشار الأسد وزبانيته وراء قضبان المحكمة الجنائية الدولية، تأتي هذه الفتوى لتسوق الفصائل المقاتلة إلى المكان نفسه بتطبيقهم فتوى حكم الأسير والأخذ بخيار قتله! فقتل الأسير من دون مراعاة ضوابط اتفاقية جنيف وموادّها وأحكامها هو جريمة ضد الإنسانية، وإذا تكرر واضطرد غدا جريمة حرب.

إنّ الفتوى تتحدث عن إعدام فئات معيّنة من الأسرى ارتكبت جرائم حرب، ولكنْ من دون أن تشترط هذه الفتوى محاكمتهم محاكمة عادلة تتوفر فيها جميع الضمانات القانونية، وبدلاً من أن تطالب الفتوى بإيجاد هيئة قضائية موحَّدة على مستوى الثورة السورية كلها تفصل في شأن هؤلاء الأسرى، وتوفّر لهم محاكمات عادلة، وتسجّل اعترافاتهم بجرائمهم، وتوثّق وتثبّت كل ذلك بالصوت والصورة والكتابة، وتجعله متاحاً للعالم أجمع، ليرى جرائم النظام من جهة، والمحاكمات العادلة وضماناتها من جهة أخرى، وبدلاً من ذلك تنحطّ الفتوى إلى درْك لا درك تحته فتقول: "وينبغي تشكيل لجنة شرعية في كل كتيبة للنظر في حال كل أسير، والحكم الأصلح فيه" وهذا يعني أنّها تطالب بإنشاء مئات الهيئات واللجان الشرعية التي لم نر من معظم أربابها إلا كلّ ما يشين ويقبح!

وفي فتوى (حول عصمة أموال وأنفس أهالي مقاتلي تنظيم الدولة) نقرأ: "نرى أنّ التعامل مع هؤلاء تحكمه قواعد التعامل مع الخوارج والبغاة، وأهمّها أنّه لا تخمّس أموالهم، ولا تسبى نساؤهم، ولا يُقتل أسيرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يضمنون ما كان من طبيعة المعركة ما لم يثبت تواطؤهم مع النظام فإذا ثبت ذلك في حقِّ بعضهم فهم محاربون مفسدون في الأرض حكمهم حكم جنود النظام المجرم وأعوانه".

ما الذي نفهمه من هذا الكلام؟ وما المفهوم المخالف الذي اتفق الأصوليون على أنّه معتبر في نصوص الإفتاء؟ يعني أن (المجلس) يدّرع فروة داعش وأنيابها، ويعني أنّ هذا (المجلس) الكريم قبضاي يفتي بجرائم الحرب ولا يلوي على أحد! فيفتي أن جنود النظام وجنود داعش المتواطئين معه تُسبى نساؤهم، ويُقتل أسيرهم، ويجهز على جريحهم. فإذا كان أخونا أو ابننا أو زوج أختنا واحداً منهم جاز للفصائل سبي نسائه اللواتي هنّ نساؤنا!!!

ما عرضناه في هذا المقال قليل من كثير! وربما كان لنا وقفة ثالثة، نبيّن فيها ما لم يتح لنا بيانه. ألا ورحم الله أبا حيّان التوحيدي القائل: "اللهم! كثر غلطنا فينا، وطال لغطنا علينا، واشتد الضعف بنا، ونادى مناد العزّ بذلنا، وذلّ ذليل الهتك على فضائحنا، وامتدت حيرتنا فينا، وترادفت حسرتنا منّا، وارتد نظرنا إلينا، وشمت بنا عدونا، وأصبحنا بين خلقك ملحوظين، وبالمقت والشنآن موظوبين، وبالقسوة والعدوان مقروفين".

شارك برأيك

أشهر الوسوم