(المجلس الإسلامي السوري) وفتاواه الهرمة 1/2

تأسّس (المجلس الإسلامي السوري) في نيسان سنة 2014 باسم الثورة السورية، وتدثّر بعباءتها، وضرب بسيفها، وتموّل باسمها، واكتسب شرعيته بتمثيلها، في جانب مهم من جوانبها، ولكنّه لم يتمتّع بروح الثورة، كما ظنّنا وأمَّلنا، فالثورة ليست ثورة على النظام الأسدي فحسب، ولكنّها ثورة على كلّ مظهر من مظاهر الظلم، وعلى كلّ لمحة من لمحات عدم المساواة بين أفراد السوريين.

وتبتدئ مظاهر نكوص هذا المجلس عن مفهوم الثورة نفسه من تكوين أعضائه، ولاسيما المسؤولين والموقعين على الفتاوى، الذين لم يشركوا معهم امرأة واحدة، وكأنّ المعاهد الشرعية وكليات الشريعة لم تخرّج حاملة ليسانس أو ماجستير أو دكتوراة على مدار الخمسين سنة الماضية، وكأنّ الثورة خلت من بناتها ونسائها وسيّداتها! وما كنّا لنذكر هذه الملاحظة الجوهرية والأساسية

لم يتوافق اسمه مع حقيقته، فاسمه عامٌّ طامٌّ، ولكنّ حقيقته مقصورة على المذهب السني فقط، مع إقصاءٍ وعدم تمثيلٍ للمذاهب والطوائف الإسلامية الأخرى

لو كان اسم المجلس على سبيل المثال لا الحصر (المجلس الذكوري الإسلامي السوري)، أو (المجلس الرجالي الإسلامي السوري)، أو لو كان المجلس الكريم يؤدي دوراً تمثيلياً في مسلسل (باب الحارة)، وعندها كنّا سنتقبّل أداءه بقبول حسن، ونتفهّم أن يكون مجلس العضوات من الذكور حصراً، ولا دور فيه للمرأة من قريب أو بعيد.

وتمظهر خلل هذا المجلس، من جهة ثانية، في تركيبته المذهبية، فلم يتوافق اسمه مع حقيقته، فاسمه عامٌّ طامٌّ، ولكنّ حقيقته مقصورة على المذهب السني فقط، مع إقصاءٍ وعدم تمثيلٍ للمذاهب والطوائف الإسلامية الأخرى، وكان يُفترض بالقائمين عليه أن يبحثوا بحثاً جاداً وصادقاً لتمثيل بقية المذاهب الإسلامية في سوريا من نصيرية وإسماعيلية وجعفرية ودروز، فعنوان هذا المجلس هو (المجلس الإسلامي السوري)، وليس (المجلس الإسلامي السنّي السوري).

بدأ هذا (المجلس) بعد تشكيله بإطلاق الفتاوى التي تصدر بتوقيع جماعي. مرة يوقّع على الفتوى أربعة عشر شيخاً، ومرة تسعة عشر، وأخرى اثنان وعشرون. وهكذا.

ومنذ الفتوى الأولى التي أطلقها، وكانت بعنوان: (فتوى حول تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام) تبيّن قصر نظر المجلس، وتحيّزه، وميلانه، لأنّ معظم الأوصاف التي ذكرها في هذا التنظيم انطبقت حرفياً على (جبهة النصرة)، ومثيلاتها من التنظيمات المشابهة التي لم يأت على ذكرها من قريب أو بعيد، وهذا يعني أنَّنا كنّا إزاء موقف سياسي يتذرع الفقه ويتوسّل الفتوى، التي تبصر بعين وتعمى بأخرى.

لقد أطلق (المجلس) فتاوى متنوعة الأشكال في الخُرق. فيها من كلّ طامّة مثال، ومن كلّ مصيبة أنموذج. فتاوى تنضح بالطائفية، وتخلو من الحسّ الوطني، ولا تستوعب المنجز الإنساني العام، ولا تستفيد من المنجز الفقهي المعاصر الخاص. فتاوى يضرب أولها آخرها، وينقض وسطها طرفيها. فتاوى يرقى بعضها في آثاره إلى درجة الجريمة الإنسانية التي يحاسب عليها القانون الجنائي الدولي، ولكنّ المجلس السادر الغافل يلقي الكلام على عواهنه من دون إدراك أبعاده ومراميه، ولا فهم مدى دلالاته ومضامينه.

فتاوى لا تراعي معنى الوضع الأول لكلمة (فتوى)، المشتقة من كلمة (الفتيّ)، فهي رأيٌ فتيٌّ غضٌّ، وحالة نضرة رفيفة. رأيٌ ديني يستند إلى المقولة الدينية، والنصّ الديني، ولكنّه فتيٌّ يعتبر اللحظة الراهنة، ويراعيها بكل آفاقها وأبعادها. رأيٌ يستند إلى مخزون هائل من الآراء والفهوم السابقة التي قيلت في الموضوع ذاته أو فيما يقاربه، وهو فتيٌّ لأنّه لا يكرِّرها ولا يجترّها ولا يسترجعها، بل يستلهمها ويتمثّلها ويستأنس بها، ولا يمَّحق أمامها، وربّما يحاكمها وينتقدها ويقوّمها، أو يطريها ويشيد بها. يشير إلى بعضها عندما يعتقد أنّها ما زالت سارية الصلاحية، ويمسك عن بعضها الآخر عندما يغلب على ظنّه أنّها لم تفهم مراد الشارع، أو لم تَرْقَ إلى استيعابه، أو أنّها لم تعد تلائم الزمان أو المكان أو الإنسان.

الفتوى جوابٌ عن سؤال. والسؤال مصباحٌ، زجاجته الحضور، وزيته الراهنية، يُرى فيه لسان السائل وعقله وزمانه ومكانه. ويُفترض بالفتوى أن نجد فيها ملمس السؤال الغضّ، ورائحة ديباجته الطرية، لأنّ السؤال معاد في الجواب، لكنّ الكثير من فتاوى (المجلس الإسلامي السوري) أبت أن تبتاع أو حتى أن تحتذي من أسئلتها زمانها ولسانها، وأصرَّت على استعارة لغةٍ ومصطلحات ومقولات ونقولات لا تمتُّ إلى زمن السؤال بصلة، ولا إلى لغته بقرابة، وأبت إلا أن تكون يابسة بائتة.

يُقال السؤال بلسان السائل وعقله وتفكيره، ويحكي عن حاجته وضرورته، فتأتي الفتوى بألسنة متنافرة متدابرة مستعارة مرقّعة ملفّقة من زمن غابر ولغة عاقر. فتاوى لم تصدر عن فقيه ممتاز، أو فقيه متقن.

والفقيه المتقِن مثل الشاعر المرهف الذي لم يغدُ شاعراً إلا بعد خبزٍ وعجنٍ وتذوّقٍ وتمثُّلٍ لآلاف الأبيات من الزمن الغابر والحاضر. آلافٌ من الأبيات التي فهمها واستوعبها وتأثّر بها، وفاضل بينها بالوعي والذوق والحسّ الأدبي العالي، فغدت جزءاً من تكوينه الروحي والعقلي والعاطفي، فإذا قال شعراً تجلى بكامل الإبداع والإقناع، ولُمح في براعة إيراده ونقاية إصداره ذلك المخزون الهائل! فهو يعرف متى يستجلب الكلمة، وأين يضعها، ويُعمل عقله وذائقته في مدى مناسبتها للعصر وأهليتها له. يعرف متى يستخدم التشبيه القديم، والاستعارة السالفة، والكناية الماضية، وكيف ينزّلها في نصّه، ويلاحم بينها وبين أجزائه، كنسّاج يمرّر بين ضربات مكّوك نوله خيطان الذهب بين بقية الخيطان، ويعرف كيف يبدع الجديد ويحرزه، وكيف يصيد الومضة الشعرية من سُجف سماء الفكر أو الشعور، ويقدّمها أمامنا شرارةً يحوطها بين يديه فيخطف العقول والقلوب.

يبلغ الشاعر هذه المرتبة أو الدرجة بفضل الموهبة والملكة والحذق والجدية والمثابرة والاحتراف وسعة الاطلاع، وندرك تماماً أنّ نقصان أيّ مفردة من هذه المفردات تحطّ من درجته وقيمته، فتهوي به من منزلة شاعر إلى شويعر، ومن رتبة شويعر إلى شعرور، وهكذا بالضبط يهوي الفقيه إلى مرتبة الفهيه، حين تنقص عدّته، ولا تتمّ آلته.

ولعل من نافلة القول أن نذكر أن اجتماع عشرين شويعراً أو شعروراً لا يجعل من واحدهم شاعراً مطبوعاً، ولا يصنع منهم مجتمعين شاعراً مُفْلِقاً، لأنّ الفهم والإبداع ملكتان فرديتان ذاتيتان، وليسا ملكتين جماعيتين، وما ينطبق على الشعراء ينطبق على الفقهاء، ولنا في ذلك أمثلة معاصرة عديدة منها ما حدث في (مجمّع الفقه الإسلامي) المنعقد في مكة المكرّمة بمقر رابطة

أتحفنا (المجلس) بفتاوى لحَبَتْ جُنوبها واحدودبت ظهورها، فلا روح فتيّة، ولا لغة معاصرة، بل روح هرمة، ولغة طاعنة، ومفاهيم مسنّة متهدّمة

العالم الإسلامي سنة 1978 الذي جمع فقهاء من مختلف أقطار العالم الإسلامي، ويومها أجمعوا على مسألة فقهية معينة ما خلا العلاّمة الشيخ مصطفى الزرقا، الذي خرق لهم إجماعهم، وثبت في الأخير أنّه هو وحده، من بين الجميع، البصير بأعقاب الأمور إذا التوت، وأنّ رأيه هو الأوفق والأجدر بالحياة، وأنّه بمفرده فاقهم مجتمعين، فلم ينفعهم عدد، ولم تنصرهم كثرة.

لقد أتحفنا (المجلس) بفتاوى لحَبَتْ جُنوبها واحدودبت ظهورها، فلا روح فتيّة، ولا لغة معاصرة، بل روح هرمة، ولغة طاعنة، ومفاهيم مسنّة متهدّمة، واختيارات لنقولٍ وأقول لا تعبّر عن عقل حديد، ولا رأي سديد. وقديماً قالت العرب: "اختيار المرء قطعةٌ من عقله". وقالت ساداتنا الصوفية: "أطعمونا طازجاً ولا تطعمونا قديداً".

أما الأمثلة المسخوطة المعنى والفاسدة المبنى من فتاوى (المجلس) فأدعها إلى المقال التالي في الأسبوع القادم بعون الله تعالى، وما توفيقي إلا بالله، عليه أتوكل وإليه أنيب.

شارك برأيك

أشهر الوسوم