الليبرالية ليست البالية وإنما الاستبداد

عندما تسمع الرئيس دونالد ترمب يمتدح محمد بن سلمان في مؤتمر صحفي عقب نهاية قمة مجموعة العشرين في أوساكا، اليابان، واصفاً إياه بأنه يقوم بعمل رائع وأنه يحارب الإرهاب، وتقرأ حديث بوتين مع صحيفة الفاينشال تايمز البريطانية الصادرة يوم الجمعة 28 حزيران، التي ادعى فيها أن الليبرالية أصبحت فكرة بالية وعفا عليها الزمن، وعلى تعارض مع مصالح غالبية السكان، تدرك أن هناك بداية لنظام دولي جديد يعتمد معايير وقيم اللصوصية والإفلات من المحاسبة، والتعارض التام مع قيم الليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمصالح المتنافسة، نظام يجسد قيم الاستبداد وليس قيم الليبرالية، ليس كما عبر عنه بوتين وإنما بسبب ترمب وبوتين.

العمل الرائع الذي يقوم به بن سلمان أولاً أنه يدفع بسخاء للولايات المتحدة ولترمب شخصياً، فالأسلحة والاستثمارات السعودية كما ذكر ترمب يمكن أن توفر مليون فرصة عمل للأميركيين، أما محاربته للإرهاب فهي محاربة أي عملية تحرر للشعوب ودعم أنظمة الحكم الديكتاتورية العسكرية بحجة محاربة الإسلام السياسي، ولن ننسى بالطبع ملاحقته للأصوات والأقلام المناهضة لرؤيته السحرية 2030، وما جرى للصحفي جمال خاشقجي الذي قُتل في السفارة السعودية في إسطنبول وفي وضح النهار بأمر من أعلى مستويات السلطة من دون أي تحقيق محايد هو خير مثال على جرائمه وهروبه من المساءلة رغم توافر الكثير من الأدلة.  

أما حديث بوتين لصحيفة الفاينشال تايمز يوم الجمعة 28 حزيران عشية قمة مجموعة العشرين والذي اعتبر فيه أن الليبرالية أصبحت بالية وعلى تعارض مع مصالح الغالبية الساحقة من السكان مؤكداً كلامه بما يجري في أوروبا ضمن سياق موجة المد القومي الشعبوي اليميني، ومن تصاعد الحركات المعادية للاجئين، حيث نجاحات أحزاب اليمين المتطرف في بعض بلدانها، وخاصة التي كانت سابقاً ضمن فلك موسكو، أو ما كان يُعرف باسم "المعسكر الاشتراكي"، مثل بولندا وهنغاريا، حيث وصلت تلك الأحزاب لرئاسة الحكومات، والأهم من ذلك انتخاب ترمب رئيساً لأميركا.

الشق الثاني من حديثه كان موجهاً للسيدة النبيلة ميركل، المستشارة الألمانية، التي اتخذت أكثر القرارات شجاعة في تاريخ ألمانيا وأوروبا، بقبول حوالي ثلاثة أرباع مليون لاجئ سوري، حيث يلومها السيد بوتين الذي يقوم حكمه على اللصوصية لقرارها هذا حيث اعتبره "خطأ جوهرياً" لأنه يمكّن المهاجرين من أن يقتلوا وينهبوا ويغتصبوا من دون عقاب لأن حقوقهم كمهاجرين لا بدَّ من حمايتها.

وفي حديث للبريطانيين، حيث قام عملاء مخابراته العسكرية بقتل السيد سكريبال وابنته يوليا بغاز الأعصاب، طالب بألا تُفسد كل هذه الضجة

قاله بوتين عن سكريبال وابنته، من أنهم "خسيسين وحقراء" وأن قضيتهم لا تعادل كوبيكات/ قروش، يكشف عن جوهر عقلية الديكتاتور من أن حياة البشر لا قيمة لها

حول مقتل سكريبال وابنته العلاقات بين الدول، وأضاف بأن قصة التجسس هذه، كما نقول هنا في روسيا، لا تساوي 5 كوبيكات (أجزاء من العملة الروسية). ويتساءل الناس العاديون من هم هؤلاء عائلة سكريبال؟! الخيانة هي أخطر جريمة ممكنة ويجب معاقبة الخونة. أنا لا أقول إن حادثة سالزبوري هي الطريقة للقيام بذلك … ولكن يجب معاقبة الخونة”. حيث كان بوتين سبق وأن وصف سابقًا سكريبال بأنه "خسيس وحقير".

ما قاله بوتين عن سكريبال وابنته، من أنهم "خسيسين وحقراء" وأن قضيتهم لا تعادل كوبيكات/ قروش، يكشف عن جوهر عقلية الديكتاتور من أن حياة البشر لا قيمة لها لدى السيد بوتين، لا داخل روسيا ولا خارجها، كما تفسر العقلية الكامنة خلف أعماله القذرة والفظائع التي لا يزال يرتكبها بحق السوريين منذ عام 2015، حيث دافع عن دور روسيا في سوريا، التي قتل فيها مئات الألوف واغتصبت قواته وقوات النظام ومخابراته والميليشيات التابعة لهما العديد من النساء السوريات، وهجّرت الملايين منهم، الذين يقول عنهم أنهم يرتكبون الأخطاء ويقتلون ويغتصبون وقوانين اللجوء تحميهم.

يأتي سلوك بوتين الاستعماري كجزء من سلوك النظام الدولي الجديد الذي يدعمه الطرف الأقوى في ذلك النظام، ترمب، حيث يؤسس كلاهما لأنظمة قمعية من نوع جديد، تفكك الروابط الاجتماعية والتجمعات التي أرستها الليبرالية كضامنة لحريات الفرد، وتعيد تشكيلها على أسس ميليشياوية، فلا مكان للنقابة والمنظمة وللحزب، وإنما الميليشيا والنادي وفروع المخابرات، تدعي ظاهرياً أنها تدافع عن حقوق الإنسان، وتمارس في الجوهر عملية قتل الإنسان، والمثال السوري شاهد واضح على ذلك، إذ يستمر القاتل الروسي بارتكاب فظائعه في ظل سكوت الإدارة الأميركية التي تشجع بطريقة أو بأخرى على قتل السوريين، لكن بغير السلاح الكيمياوي.

يلقي هذا الترتيب الجديد من العلاقات الدولية القائم على القوة والبلطجة الضوء على قتامة المشهد السياسي والإنساني المقبل على شعوب العالم

معركة الكرامة والحرية طويلة، والتي قد تنتشر حماها إلى دول حكم العائلات الخليجية، التي تعمل اليوم تحت رعاية صهر ترمب لترتيب الوضع الجديد في المنطقة

التي تحاول التخلص من نير الديكتاتوريات المزمنة، وأكثرها في عالمنا العربي، التي انطلق ربيع الثورات فيه منذ عام 2010 -2011، وقيام قطبي النظام هذا (الولايات المتحدة وروسيا) بشكل مباشر وغير مباشر بقتله من خلال إعادة تأهيل الأنظمة القائمة مثل نظام بشار الأسد، أو استبدال الأنظمة السابقة بأنظمة أكثر بشاعة، تحظى بدعاية كبرى من طغاة العالم الكبار وأدواتهم في المنطقة على أنها الأنظمة الضرورية في هذه المرحلة.

كما يكشف عن أن معركة الكرامة والحرية طويلة، والتي قد تنتشر حماها إلى دول حكم العائلات الخليجية، التي تعمل اليوم تحت رعاية صهر ترمب لترتيب الوضع الجديد في المنطقة والمتمثل بحماية الأنظمة الدكتاتورية مع قليل من الرشاوى المالية والمشاريع الوهمية، وضمن هذا السياق تصبح صفاقة بوتين ضد قيم التحرر ضرورية من أجل إنجاح صفعة القرن التي يروّج لها ترمب وصهره.

لمعركة التحرر أنصارها ومؤيدوها وهم كثر، حيث لا تزال الديمقراطية إلى أيامنا هذه، أفضل وسيلة لبناء الدول والمؤسسات، واحترام حقوق الإنسان في الرأي والتعبير والاختيار الحر، وهو ما يعدّه بوتين قد أصبح بالياً. بالتأكيد لن تموت قضايا التحرر ولا تصبح بالية، وما هو بال وتافه وفي طريقه للزوال هو الاستبداد والأنظمة البلطجية التي ترعاه عبر العالم. وستبقى الكرامة والحرية منارة تهدي الشعوب المظلومة، ورعباً لأنظمة الاستبداد التي ستزول لا محالة في النهاية.

شارك برأيك

أشهر الوسوم