الغيب السياسي والغيب الديني.. السوريون في متاهة السياسة

مظاهرات تطالب بـ إسقاط النظام ورحيل الأسد - (أرشيف - أ.ف.ب)

غادرت قريتي منذ أن كان عمري ستة عشر عاماً، غبت عنها عشرين عاماً، كان نصفها الأخير بسبب السجن؛ ولأن السجن السياسي؛ أي أن يسجن الإنسان لأسباب سياسية، كان نادراً في قريتنا؛ فقد دفع الفضول عدداً من الجيل الذي نشأ خلال هذين العقدين للتعرف إلى هذه التجربة الغامضة.

لم يكن لمعظم الأسئلة التي واجهتها في لقاءاتي أي علاقة بالسياسة، كانت تبدأ بالسؤال عن التعذيب، وعن تفاصيل الحياة في السجن، ثم يأتي في النهاية، السؤال الذي ينفتح على السياسة، ويتلخص بمعرفة فيما إذا أنا نادم على موقفي أم لا.

عندما كنت أجيب بأنني لست نادماً أبداً، كنت أرى ما يشبه الخيبة والدهشة في عيون من يسمعني، وعندما كنت أبرر عدم ندمي بالحديث عن دوافعي وحقي في العمل السياسي، كانت الخيبة تزداد، فما أقوله يشبه تماماً ما يقوله الملحد لمجموعة من المؤمنين.

لم يكن للسياسة في حديثنا أي حضور ملموس، كان غيبياً، مثله مثل الحديث عن عالم الغيب الديني، وإن كان لا بد لها من حضور دنيوي؛ فهو لن يتعدى ذلك الحضور البسيط الذي لا يجرؤ على المضي أبعد من حدود العيش فيما يخصنا كأفراد، لكنه يصبح متاحاً ومباحاً فيما هو كوني؛ أي في تلك الفكرة السائدة حول المؤامرة والاستعمار ومظلومية هذه الشعوب المستهدفة من قوى الشر التي تحكم العالم.

ما بين مظلوميتين: المظلومية الدينية، والمظلومية السياسية الخارجية، كان يتأرجح حديثنا عن العالم والسياسة والعلاقة بالآخر

ما بين مظلوميتين: المظلومية الدينية، والمظلومية السياسية الخارجية، كان يتأرجح حديثنا عن العالم والسياسة والعلاقة بالآخر، سواء أكان الآخر خارج الوطن أم داخله. وما بين هاتين المظلوميتين كانت تتم إزاحة السلطة جانباً حين التحدث في السياسة، وبالتالي: إزاحة كل صيغ معنى المواطنة، والمعارضة. لا بل كانت السلطة تحضر بوصفها شريكة في المظلومية، هذه الشراكة التي تعفيها من المحاسبة في قضايا الحقوق والمواطنة.

في هذا الوجه للسياسة لا نجد أفراداً فقط -مهما يكن عددهم- بل نجد أحزاباً، يتنوع توصيفها السياسي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ومع ذلك، فمن لم تحكمه الغيبية الدينية بتنوعاتها، حكمته غيبية أيديولوجية أخرى، سواء أكانت غيبية قومية أم غيبية أممية؛ تجمع معظمها على إزاحة حضور الفرد وحقه ومعناه من حقل السياسة، وتزج به في مواجهة خطر غيبي لا يمكن تحديد ملامحه، ولا جهته، ولا قوته.

هكذا، أبعدت السياسة عن السياسة، وعن كونها مصدراً للشرعية. هذا الإبعاد الذي تم بمنهجية وبقمع شديد في منطقتنا العربية كلها، وليس في سوريا وحسب. ولقد قادت هذا الإبعاد فئتان، كلتاهما تتقنع بقناع غيبي، وكلتاهما تستمد شرعيتها ليس من الشعب، بل من الغيب الذي تحملان رايته، والذي يكتسب قداسة ما، وبالتالي فإن معارضته لا بد أن تصنف في باب الخيانة، أو في باب الردّة؛ وعليه فإن من البديهي أن تعاقب السلطة بسهولة من اتهم بإحداهما أو بكلتيهما، سواء أكانت العقوبة بسجنه أم بنفيه، أم حتى بقتله.

إذاً، كانت السمة الأهم للأنظمة الانقلابية التي وُلدت في منطقتنا العربية، هي غياب الشرعية السياسية المستندة إلى الشعب؛ هذا الغياب الذي أعفى هذه الأنظمة من الاشتغال على مشروع وطني؛ فلا غرابة -مادام الأمر كذلك- أن تفتقد اليوم هذه الأنظمة أي مشروع وطني، وأن لا يكون لديها رؤيتها الناجزة للنهوض بالمجتمعات التي أنتجتها، وبالتالي: لم يكن أمام هذه الأنظمة -عموماً- سوى الاستناد إلى الطغيان ومصادرة الحريات وقمع قوى المجتمع؛ لكي تستمر في سيطرتها، ولكي تسد الثغرة الناجمة عن غياب شرعيتها، ثم إلى أن تبتكر -لاحقاً- مرجعيات تحمل هالة القداسة، وإلى أن تخترع معارك كبرى (فوق وطنية): كالصراع مع الإمبريالية العالمية، والصراع العربي الإسرائيلي... ثم أيضاً، إلى أن تخترع صيغة الحكم المقدسة في البلدان التي كانت بعيدة عن مثل هذه النماذج من المعارك، فأُعطيت السلطة طابع القداسة بربطها بالدين (تفويض من الله). 

بعد انفجار الثورة السورية، وجد السوريون أنفسهم في مواجهة الوجه الآخر للسياسة

بعد انفجار الثورة السورية، وجد السوريون أنفسهم في مواجهة الوجه الآخر للسياسة، الوجه الذي غُيب عنهم؛ فلم يعرفوه، أقصد: السياسة بوصفها فعلاً ملموساً يتلمسه الفرد في حقوقه وفي مستوى معيشته وفي مستقبله وفي علاقته بالآخر المختلف، والأهم في علاقته مع السلطة التي تحكمه، ولم يكن لهذه المواجهة أن تأخذ صيغتها الطبيعية التي نقيس عليها عند مقاربتنا لها، الصيغة التي أنتجتها البشرية في مجتمعات قد أصبحت السياسة فيها تعبيراً شديد الالتصاق بالحقوق وبمستوى المعيشة، وبكل تفاصيل حياة الفرد.

اقتحم السوريون حقل السياسة الجديد الذي أتاحته الثورة، لكنهم اقتحموه محملين بفهمهم الغيبي للسياسة، بوجهيها اللذين التصقا بها: وجه المؤامرة، ووجه الدين. فصار سهلاً على السلطة -وفق هذا الفهم- أن تحرف المواجهة الحقيقية إلى مواجهات أخرى تجنبها مواجهة شاملة مع حقوق الشعب أولاً، وتمنحها ثانياً إمكانية تفتيت قوى المجتمع عبر وضع مكوناته في حالة صراع.  

من يراقب السوريين في يومياتهم، يمكنه أن يرى كيف يحضر الغيب بوجهيه السياسي والديني في هذه المعركة الطاحنة، وكيف يهشم هذا الغيب وجهَ الحقيقة التي تصفعنا، وتصرخ بوجهنا كل يوم: إن هلاكنا في ارتهاننا لهذا الغيب.

الآن، وبعد سنوات من صراع دام ومرير، هل يمكننا، نحن السوريين، أن نستعيد وجه السياسة الحقيقي، وأن نفك ارتباطها بأي مقدس أو أية إيديولوجيا، وأن نراها من نافذة الواقع، وليس من نافذة المؤامرة؟

هل يمكننا إعادة الاعتبار إليها بما هي مصدر للشرعية، وضامن لحق الأفراد، ولكرامتهم، ولمستوى عيشهم اللائق، وبما هي حقل تنافسهم نحو مستقبل أفضل؟ وهل يمكننا تغييب الغيبي؛ ليصبح الشعب مصدر السلطات جميعها، وليصبح الشعب معياراً محدداً للسلطات، من زاوية درجة شرعيتها - أو عدمها - التي تتعيّن بإجراءات مثل: فصل السلطات، واعتماد الانتخابات العامة لتمثيل الشعب في هيئة تشريعية رقابية، إضافة إلى حرية تشكيل الأحزاب والمنابر الإعلامية؟

شارك برأيك

أشهر الوسوم