الغرب يفقد الثقة في القيم التي يتبناها وسوريا تدفع الثمن

مبنى دمرته قوات النظام في مدينة دوما (رويترز)
واشنطن بوست - ترجمة وتحرير موقع تلفزيون سوريا

ثمة نواح عديدة ووجوه كثيرة لأزمة القيم الغربية، إذ هنالك تراجع في مستوى الإيمان بالديمقراطية الليبرالية، وانعدام الثقة بحقوق الإنسان العالمية، وانهيار في دعم سائر أنواع المشاريع العابرة للأمم والشعوب. فهنالك أزمة دستورية تتخمر في لندن، ورئيس يتحدى القوانين الديمقراطية في واشنطن، وتحديات تواجهها الصحافة الحرة والقضاة المستقلون في الدول الديمقراطية المنتشرة في كل مكان، بدءاً من بودابست وصولاً إلى مانيلا.

بيد أن هذه الأزمة نفسها، وحالة انعدام ثقة الغرب بنفسه بحد ذاتها، وهذا الانهيار عينه من حيث الإيمان بالمثل والقيم العليا، له وجه أكثر دموية وعنفاً، يتمثل بالحرب التي ماتزال دائرة في سوريا، أو لنقل نهاية لعبة الحرب البطيئة والطاحنة والمجرمة والآثمة في سوريا، حيث يقاتل الجيش التابع للحكومة السورية حالياً آخر جيوب المقاومة في إدلب، وهي آخر محافظة ثائرة في شمال غرب سوريا، ويدعمه في ذلك حلفاؤه الروس. ومع تقدم تلك القوات، تمزق آخر ما تبقى من الإنسانية ومن قوانين الحرب برمتها.

بيد أن هذه الأزمة نفسها، وحالة انعدام ثقة الغرب بنفسه بحد ذاتها، وهذا الانهيار عينه من حيث الإيمان بالمثل والقيم العليا، له وجه أكثر دموية وعنفاً

إذ تقوم تلك القوات باستهداف المدنيين، بخلاف ما ورد في اتفاقيات جنيف، والأسوأ من كل هذا استهدافها للمرضى والجرحى. ففي إجراء احترازي، قامت الأمم المتحدة بتزويد الحكومة الروسية بمواقع وإحداثيات المشافي في إدلب، ولكن بدلاً من العمل على حمايتها، عمد الروس إلى تقديم تلك المواقع والإحداثيات لنظام الأسد، ونتيجة لذلك أحجمت العديد من الفرق الطبية العاملة على الأرض، ومنها فريق منظمة أطباء بلا حدود عن تقديم أية معلومات للأمم المتحدة في هذا السياق، إذ تحولت هذه الحرب إلى حرب يتعين في سياقها إخفاء مواقع المرضى والمصابين بعيداً عن المجتمع الدولي.

كما أنها حرب لا ترغب أية دولة غربية بتوظيف أية مساع دبلوماسية أو إضاعة أي وقت سياسي فيها. ففي حقبة أخرى، ومع بلوغ الحرب الأهلية مرحلة كهذه، كما حدث في البوسنة وفي تيمور الشرقية، تم إرسال مبعوث أميركي مهم، بمنصب وزير خارجية أو أي مفاوض أوروبي مهم وطموح، أو أي فريق تابع لمنظمة الأمم المتحدة تدعمه الإدارة الأميركية بشكل كامل على الأرض. إلا أن كل تلك المساعي والجهود كان مصيرها الفشل في سوريا، فلقد أدارت أوروبا ظهرها للشرق الأوسط، وكذلك فعلت إدارة ترمب تجاه العالم برمته، الأمر الذي قد يضعف من فرص نجاح أي مساع جديدة في هذا المضمار.

وبدلاً من تلك المساعي تطالعنا كل يوم تقريباً، بعيداً عن العناوين الرئيسية للأخبار، معلومات حول مجموعات صغيرة وهي تستسلم أو توافق على وقف إطلاق النار، وهو مصطلح يفيد الاستسلام عملياً، بيد أن هذا لا يعني وقف القتال. فلقد أشار صديق لي يقيم في مكان ما بتركيا إلى أن سيطرة بشار الأسد على بقية البلاد ماتزال ضعيفة، ما يعني أن الوضع سيتفجر في أية لحظة. والأهم من ذلك، يمكن القول بأنه حتى في حال استسلام سائر قيادات الثوار في إدلب، فإن ذلك لا يعني أنه أصبح بمقدور 11 مليون لاجئ سوري موزعين بين أوروبا والشرق الأوسط أن يعودوا إلى وطنهم، ثم إن الأسد قد لا يرحب بعودتهم، إذ من السهل عليه أن يحكم سوريا من دون الأحد عشر مليون نسمة بما أن معظمهم يكن كرهاً كبيراً له بسبب تدميره لحياتهم ولمصير عائلاتهم. وفي حال عدم تمكن هؤلاء من العودة إلى وطنهم، فلن يرحب أحد بوجودهم في أي مكان آخر، إذ بسبب أعدادهم الكبيرة أضحى اللاجئون السوريون مصدر انتقادات لاذعة ضد كل اللاجئين في مختلف أنحاء العالم الغربي. بل حتى الأطفال الذين ولدوا في الغرب ممن هاجروا إلى مناطق تنظيم الدولة مع عائلاتهم تم التخلي عنهم ليعيشوا في مخيمات اللاجئين.

أشار صديق لي يقيم في مكان ما بتركيا إلى أن سيطرة بشار الأسد على بقية البلاد ماتزال ضعيفة، ما يعني أن الوضع سيتفجر في أية لحظة

ومع ذلك مايزال بعض السوريين الشجعان يكتبون تقارير ويرسلون الصور ومقاطع الفيديو حول الحرب الدائرة في بلدهم في محاولة منهم لسرد ما يجري لهم ولتحريض الرأي العام وشحنه في الخارج، فمنذ شهرين فقط، تصدرت صورة متميزة لطفلة في الخامسة من عمرها وهي تحاول أن تنقذ شقيقتها الرضيعة ضمن ركام بيتهم المدمر الصفحات الرئيسية لبعض الصحف، لكن البعض تساءل عن عدم إظهار أي شخص أي امتعاض تجاه ذلك. وفي هذا السياق يتذكر بول كونروي المصور الذي رافق الصحفية ماري كولفين التي عملت لصالح ذا صانداي تايمز ولقيت حتفها في سوريا، يتذكر هذا الرجل كيف كان يؤمن هو وكولفين بأن تغطيتهما لأحداث الحرب لابد وأن تغير مجرى الأمور، ويعلق على ذلك بالقول"اعتقدنا بأن العالم سوف يأتي، وسينتظر، وسيرى كيف يقوم هذا الجيش بتدمير المدنيين هنا... إذ لدينا مسؤولية أخلاقية تتمثل بإيقاف القتل" أما الآن: "فليس بوسع أي صورة يمكنني أن ألتقطها اليوم أن تحدث أي فرق يذكر".

وهكذا فقدنا الكثير في سوريا فقدنا التزامنا بمنع أي إبادة جماعية، كما خسرنا إحساسنا بمسؤوليتنا المتمثلة بحماية الناس، وفقدنا التزامنا الذي رعيناه طويلاً بإقامة السلام وحفظه. وبعيداً عن كل تلك الأمور، خسرنا شيئاً آخر، ألا وهو التعاطف مع الغير، والذي ستبدي لنا الأيام مدى خطورته والدمار الذي سيلحقه، ليس فقط في سوريا، ولكن تجاه أنفسنا أيضاً.

 

المصدر : واشنطن بوست

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم