العلوم الإنسانية خطر على الديكتاتور

"جاير بولسونارو" الرئيس البرازيلي المنتخب عام 2018 (رويترز)

بعد انتصار اليمين الفاشي البرازيلي في الانتخابات الرئاسية وإقصاء حزب العمال اليساري ووضع زعيمه لولا دا سيلفا في السجن، بدا واضحاً توجه الرئيس الجديد جايير بولسونارو وإدارته التنفيذية المعتمدة أساساً على مجموعة غير متجانسة من العسكريين المتقاعدين وزعماء التطرف اليميني مجتمعياً وسياسياً.

وقد سبقت التصريحات المتطرفة استلام الإدارة الجديدة الملفات الداخلية والخارجية. فأعلن الرئيس عن عزمه نقل سفارة بلاده في إسرائيل إلى مدينة القدس المحتلة. كما أنه توجه بلغة إقصائية إلى قوى اليسار متوعداً بحملة تطهيرية في الإدارة لإبعاد "رموز" الحكومة السابقة. وأبدى في عديد من تصريحاته كرهاً واضحاً للأجانب وللمثليين الجنسيين وعودة متطرفة إلى أسس الكنيسة اليمينية التي طالما دعمت الديكتاتوريات في أميركا الجنوبية وأميركا الوسطى مع استثناءات نادرة. وقد توّج مواقفه المتطرفة بأن قرر تخليد ذكرى الحكم العسكري الانقلابي (1964 ـ 1985) الذي أزهقت خلاله أرواح المئات وتم اعتقال الآلاف. 

منذ استلامها سدة الحكم في الشهر الأول من هذا العام، تتخبط إدارة بولسونارو في العديد من الملفات، خصوصاً الاقتصادية، وتستعيض عن ضعفها البنيوي بالتصريحات الشعبوية مثل تعزيز حرية حمل السلاح للمواطنين بحجة مواجهة عصابات تهريب المخدرات التي توجد في الضواحي العشوائية للمدن الكبرى، وبالتالي، حيث يعيش الفقر المدقع الذي ينتمي إليه مجمل من يعادي الحكم اليمني المتطرف الجديد. ومن آخر التصريحات التي أحدثت صخباً هو ما صدر عن وزير التربية ابراهام وينتروب بخصوص خفض الميزانيات المخصصة لكليات العلوم الإنسانية، خصوصاً منها العلوم الاجتماعية والعلوم الفلسفية، كما أحدث انسحاب جزئي للدولة من تمويل الجامعات الفيدرالية التابعة لها لصالح تشجيع القطاع الخاص على الحضور أكثر في العملية التعليمية بما يتناسب مع احتياجات السوق. ويدّعي الوزير الجديد بأنه من خلال هذا الإجراء الذي تعتبره المعارضة ظلامياً، يسعى إلى جعل الجامعات مصدراً لتعزيز الإنتاج ذي المردود والذي سيعود على المجتمع بفوائد محسوسة. 

الوزير المتخصص بالقانون المالي، يعتبر بأن الموضوع يتعلق أولاً وأخيراً بمردودية المال العام. وهو يرغب بأن تركز الجامعات على ما يمكن أن يكون له نتائج مباشرة على الإنتاجية كـ"التمريض، البيطرة، والهندسة، والطب".  كما أنه يعتبر، بمحدودية ذهنية وتحليلية قياسية، بأن العلوم الإنسانية هي "مستهلكة نهمة للضرائب"، وأن الجامعات الحكومية التي تفتح أبوابها لنشاطات سياسية معادية لسياسة اليمين المتطرف ستشهد تخفيضا يصل إلى أكثر من 30 في المئة من ميزانياتها في مختلف الاختصاصات. 

علاقة اليمين المتطرف بكافة تفريعاته وفي مختلف أصقاع الأرض وعلى مدى العصور بالعلوم الإنسانية هي علاقة عداء

إن علاقة اليمين المتطرف بكافة تفريعاته وفي مختلف أصقاع الأرض وعلى مدى العصور بالعلوم الإنسانية هي علاقة عداء. واليمين المتطرف في علاقته مع العلوم الإنسانية يصير أكثر شمولاً من التعريف المحدد لهذا التوجه السياسي. فهو لا يعني ذاك الذي اصطلح على تسميته بتلك التسمية غرباً فقط. فهو أيضا يخص الأحزاب الدينية المتطرفة في مختلف البلدان. كما أنه يشمل الأنظمة الاستبدادية التي ترتدي لبوس التحرر والتقدمية أو التي تعتمد التوجه الرجعي المحافظ. كل هذه الأنظمة المعادية للإبداع وللحرية هي عدو أساسي للعلوم الإنسانية.

وتفنيداً للتبرير الاقتصادي السطحي الذي يعتمد عليه هؤلاء من حيث حجم المردودية المباشرة، يبدو أنه قد غاب عنهم بأن العلوم الإنسانية هي التي تُهيئ، بشكل عقلاني وتحليلي، كل القواعد الاستنادية لأي مشروعات اقتصادية أو تنموية يُراد من خلالها تحفيز الإنتاجية وزيادة المردودية. فلا يمكن على سبيل المثال تعزيز التجارة الخارجية دون الاعتماد على دراسات معمقة في مجالي العلاقات الدولية والجغرافيا السياسية. كما أن تحفيز الاستهلاك الداخلي يعتمد فيما يعتمد على دراسات نظرية وعملية ترتبط بتطور العادات الاجتماعية والتفاوت في التصرفات وفي القناعات بين مختلف الأجيال. 

في الغرب الديمقراطي، هناك توجه يميني خجول، وليس متطرفاً بعد، ينحو نفس المنحى. فقد صار من المكرر مثلاً أن نسمع في فرنسا وفي أوساط المراكز البحثية في العلوم الإنسانية، بأن مخرجات هذه العلوم يجب أن تقترب أكثر من الاحتياجات المباشرة للاقتصاد. وصارت مخابر الأبحاث في هذه العلوم، والتي تحظى بسمعة دولية، تُرهِق منتسبيها في عملية البحث عن التمويل الخاص والذي يشترط عوائد تفيد تطوير أسواقه، بعد أن تم إجراء تخفيضات متتالية وهامة في الميزانيات الحكومية المخصصة لهذه المراكز.

إن استبداد المال يكاد يُزاحم استبداد السياسة. والاعتقاد بأن العلوم الإنسانية تساعد المجتمع على معرفة حقوقه والتفكير في واقعه والتطلع إلى تحسين مستقبله، صار هاجساً لدى الديكتاتور. فالعرب منهم جعلوا من كليات العلوم الإنسانية ركناً مهملاً يرسلون اليه ما يظنون بأنهم أصحاب المستوى الأضعف. ونرى الآن أن سيف المال قد ظهر لمحاربة هذا الحقل أيضا. وقد سبق لعبد الرحمن الكواكبي أن تلمّس هذه العدائية سنة 1902 بالقول: "ترتعد فرائص المستبدُّ من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصّل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تُكبر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النّوال، وكيف الحفظ". 

شارك برأيك

أشهر الوسوم