"العشيرة" الأرجنتينية وعائلة الأسد

إنه الفجر. يبدأ فيلم أرجنتيني بعنوان "العشيرة" (El Clan)، مستوحى من قصة حقيقية. تبدأ الحكاية في العام 1983، وإثر خسارة الطغمة العسكرية الحرب ضد بريطانيا في جزر فوكلاند قبل ذلك بسنة، سقطت تلك السلطة الفاشية أخيراً، وعادت الديموقراطية كنظام حكم.

رب أسرة "بوتشيو" ضابط استخبارات تجرع الهزيمة، ولزم منزله. رجل يهتم بأسرته، يقف عند المجلى ويساعد زوجته بالجلي، يمسد كتفيها المتعبين. يساعد ابنته بفروضها المدرسية. يظهرعنايته بكل أولاده الخمسة، وخصوصاً ابنه الشاب العشريني البطل الرياضي. عائلة شبه مثالية على طاولة العشاء، وفي الجلوس معاً أمام التلفزيون.

"بوتشيو" هذا يكتم مشاعره وخوفه وغيظه. هو ورفاقه في المخابرات والجيش باتوا خارج السلطة. كان عليه أن يفعل شيئاً "من أجل أسرته"، فالبلاد في ضائقة اقتصادية. يجتمع مع بعض رجاله الأوفياء لتكوين عصابة. ويورط ابنه الشاب بخطف صديقه ابن العائلة الثرية، للمطالبة بفدية. المخطوف يوضع في قبو منزل العائلة التي تبدو "متجاهلة" أو صامتة أو متواطئة أو لامبالية أو خاضعة لسلطة الأب وإرادته. كأن هذه العائلة المثالية معتادة في بلد كالأرجنتين (في ذاك الزمن) على هكذا ممارسات للأب باسم "أمن البلاد" أو حفظ الاستقرار أو هي معتادة على أن السلطة تتجسد هكذا، بحرية خطف الناس وممارسة العنف تجاههم، لا لشيء سوى أن رجل المخابرات لديه هكذا امتياز وحصانة.

تقبض عصابة بوتشيو الفدية الباهظة، لكنها تعدم الشاب المخطوف بثلاث رصاصات. بعدها تبدأ سلسلة متتالية من عمليات الخطف مقابل فدية، وجميعها تنتهي بالقتل عدا الأخيرة، أي حين تقبض عليهم الشرطة.

المفارقة أن معظم الضحايا على معرفة شخصية ببوتشيو. لقد استغل ثقتهم به لخطفهم. استغل صفته كضابط مخابرات معروف لديهم، كجار في حي سكني هادئ، كصديق قديم في حلقة المعارف.

المفارقة أن معظم الضحايا على معرفة شخصية ببوتشيو. لقد استغل ثقتهم به لخطفهم. استغل صفته كضابط مخابرات معروف لديهم، كجار في حي سكني هادئ، كصديق قديم في حلقة المعارف. والأسوأ أنه ورط ابنيه معه في العمل الإجرامي ولم يأبه أن يستغل مظهر المنزل العائلي ليكون مقراً للرعب. حيث الضحايا في الأسفل المعتم، والإبنة اللطيفة في غرفتها فوق تنجز واجباتها المدرسية.

كان بوتشيو في عمله يزرع الرعب في العاصمة بوينس آيرس، لكنه في كل صباح يستيقظ "مرتاح الضمير"، يشطف بالماء والمكنسة رصيف الشارع أمام منزله، بتواضع ولطف. كان يذهب إلى مقر المخابرات كضابط سري مرموق بأناقته المدنية.

وكانت الأرجنتين مضطربة خائفة في تحولها إلى الديموقراطية وفي استحقاقات اقتصادها الضعيف. وكان بوتشيو هادئاً يخطط لعملياته ويقترف القتل بأعصاب باردة. كان يبتز الأرجنتين كلها، وابنيه الشابين أيضاً حين تظهر عليهما علامات تأنيب الضمير، بمقولة أن هو الذي ضحى ويضحي من أجل الوطن والعائلة، معتبراً أن طلب الفدية من أهالي المخطوفين، إنما هو استعادة لبعض "حقوقه".

الترويع، حجز حرية الناس، الابتزاز، القتل، التعذيب.. وممارسة حياة أسرية هادئة بل ولطيفة وفيها الكثير من الحب والود بين الزوجة والزوج، في وقت واحد. هذه هي ميزة الضابط بوتشيو، الذي كان يقترف كل جرائمه بمعرفة كبار ضباط جهاز المخابرات المتبقين من النظام البائد والمستمرين في عملهم داخل "الدولة العميقة" (كما يقال في بلادنا).

قصة الفيلم تخبرنا فداحة معاناة أي مجتمع يبتلى بطغمة عسكريتارية وديكتاتورية، حتى بعد سقوط هكذا نظام. البلاء هو في تغلغل "أخلاق" الطغيان داخل نفوس الذين كانوا في السلطة أو قامت مصالحهم وشبكة علاقاتهم وحياتهم الاجتماعية ومكانتهم على وجود هكذا سلطة، وعلى فعالية نظام لا يشتغل إلا بالقسوة وباستغلال النفوذ والجريمة، إلى حد أنه يتحول إلى واقع طبيعي ومعتاد يتأقلم معه السكان من غير تذمر فعلي، بوصفه الخيار الوحيد، وأي تخيل لبديل أو اعتراض هو ترف فكري لا طائل منه. بل وعادة ما تمتزج "الوطنية"، "التضحية"، "شرف الأمة"، "مصلحة الدولة"، "حماية الأسرة"، "الرجولة"، "الولاء للجيش والعائلة".. مع الخساسة والجريمة وسرقة المال والنهب وتأليف عصابات مسلحة.. امتزاجاً يصعب فصلها عن بعضها البعض وفق ما أسميناه "أخلاق الطغيان".

وعلى الرغم من بعد الأرجنتين عن سوريا آلاف الكيلومترات، ورغم أن الديكتاتور وطغمته في دمشق لم يسقطا، وليس في الأمد المنظور ما ينبئ بمشهد التحول الديموقراطي المأمول، إلا أن رجال "الأسد" (وبشار شخصياً وأسرته "اللطيفة") هم على شاكلة بوتشيو، الذي ظل طوال مدة سجنه المؤبد وحتى وفاته يصرخ ببراءته وأنه هو الضحية.

لا يفعل بشار الأسد وكل مواليه سوى الاهتمام بسعادة عائلاتهم، بضمان مستقبل زاهر لأبنائهم، بممارسة حياة "مثالية" لا خوف فيها من فقر وعوز وهوان. وفي الأثناء وفي سبيل ذلك، لا بد من الدفاع عن شرف الأمة وعن الدولة ولا بد من فرض الأمن والتضحية من أجل الوطن. ومن أجل كل هذا، القتل والابتزاز والخطف والسطو على الثروة والترويع والعنف هو مجرد عمل "اضطراري"، ثمن لا بد من دفعه، وسيلة وحيدة لطمأنينة النفس وتأمين رفاه الأسرة ومستقبلها. لا قيمة لحياة الآخرين ولا حساب لكرامتهم مقابل الهدف الأسمى والأرقى: ديمومة النفس والسلالة. البقاء للأرقى والأقوى. الاستمرار في السلطة. بل إن ممارسة السلطة عندهم هي "واجب" تاريخي و"تضحية" يومية، يستحقون لأجلها مكافأة كبرى وامتنان دائم من المحكومين. فلا يجوز لهم أي تذمر من بطش وعسف واعتداء.

ليس غريباً أن تبدو "العشيرة" أو (El Clan) الأسدية "مرتاحة الضمير" تماماً كعشيرة بوتشيو. أي الظن بنفسها بريئة وضحية، ولم تقم بأي أمر خاطئ أو خارج القانون الطبيعي.

على هذه الأخلاق، ليس غريباً أن تبدو "العشيرة" أو (El Clan) الأسدية "مرتاحة الضمير" تماماً كعشيرة بوتشيو. أي الظن بنفسها بريئة وضحية، ولم تقم بأي أمر خاطئ أو خارج القانون الطبيعي. من يتابع الحياة اليومية للسيدة أسماء الأخرس الأسد وأبنائها يكاد يحسدهم على هذا الجو من الحميمية العائلية، بل وتكاد تدمع عيناه على مأساة السيدة (الأم الحنون) في مرضها. مشهد ميلودرامي، يتوّجه مشهد الأب "المهذب" بابتساماته وأناقته المدنية. كما آل بوتشيو هي عائلة الأسد، لا يخالجها تأنيب الضمير، مغلفة بصورة الوداعة بل بصورة إنسانية يمكن لأي أسرة في العالم أن تتماهى معها.

قوة الشر هنا.. أنه بالغ العادية، "إنساني" إلى أقصى حد، "أخلاقي" تماماً، "طبيعي" على نحو مرعب، تماماً كما مشهد الضابط النازي الذي كان ما أن يفرغ من حرق الأطفال والنساء في أوشفيتز، حتى يدخل منزله (على بعد أمتار من المحرقة)، ليكون أباً وزوجاً مفعم بالعطف والحنان والحب.  

شارك برأيك

أشهر الوسوم