العدالة الانتقالية لأعضاء داعش تعد مسألة جوهرية من أجل الاستقرار

سنديكيشن بيورو - حايد حايد

عقب الهزيمة التي لحقت بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على الأرض في شمال شرق سوريا؛ باتت السلطات المحلية الكردية تُصارِع من أجل إحضار أعضاء التنظيم للوقوف أمام العدالة، والواقع أن حجم الجرائم والعدد الهائل للضحايا بالإضافة إلى النقص الحاد في الموارد ورجال القانون أدّى إلى صعوبة شديدة فيما يخُص التعامُل مع تلك المسألة عبر المنظومة القانونية التقليدية، وهناك أسلوب بديل وهو اللجوء إلى آليات العدالة الانتقالية، التي غالبًا ما يتم اللجوء إليها في أعقاب الصراعات السياسية لعلاج مسألة انتهاكات حقوق الإنسان، و على أي حال، فحتى الآن فإن السلطات ذات الصلة بتلك القضية لا يبدو أنها ترغب في اللجوء إلى مثل تلك الحلول.

والواقع أن مسألة الاستقرار على المدى الطويل في شمال شرق سوريا باتت على المحك، وهناك مئات الآلاف من العائلات التي لها علاقات مع تنظيم داعش، ومع غياب العدالة التي يمكن الوثوق بها؛ هناك خطر داهم بسبب احتمالية حدوث عمليات انتقامية تشمل إعدامات خارج نطاق القانون، وبحيث لا تقتصر تلك العمليات على استهداف المقاتلين السابقين بتنظيم داعش، بل تمتد لعائلات بأكملها على صلة بتنظيم داعش، والنظام القضائي الحالي  لا يمكنه التعامل مع هذا الكم من الحوادث والأعمال الوحشية.

والجهود الحالية التي تقوم بها الجماعات الكردية التي تتمتع بالحكم الذاتي، من أجل مساعدة الضحايا على بلوغ العدالة، تقوم بالتركيز بشكل كبير على اعتقال أعضاء تنظيم داعش، وتوجيه تهم الإرهاب إليهم إن أمكن، وقد قامت السلطات بتأسيس محاكم محلية لمكافحة الإرهاب، وذلك لمحاكمة الآلاف من أعضاء داعش الذين ينتمون لذات المنطقة والمحبوسين حاليًا.

الا انه قد تم طلاق سراح بعض اتباع التنظيم المعتقلين. فأعضاء التنظيم الذين ينتمون لذات المنطقة والذين لم يتقلدوا مناصب عليا داخل التنظيم؛ ولم يتم اتهامهم في جرائم رئيسية تم إطلاق سراحهم بناء على تسويات محدودة. كما انه تم اخلاء سبيل المقاتلين الذين تمت إعادة تأهيلهم بناء على تلك المعايير وذلك بعد اجراء مناقشات مع قادة القبائل البارزين في المجتمعات التي ينتمي إليها هؤلاء المقاتلين، بحيث يصبح هؤلاء القادة مسؤولون عن منع انضمام هؤلاء المقاتلين إلى التنظيم مجددًا.

والمقلق في هذه العملية ، وبالأخص انه لم يسمح بتوكيل محامي للدفاع عن المشتبه بهم، هو أن المحاكم المحلية تعاني من نقص في العاملين، كما أن عدد تلك المحاكم محدود. وإذا ما سار مُعدّل المحاكمات بالوتيرة الحالية ربما يحتاج الأمر لأكثر من 10 سنوات للانتهاء من الحالات الخاصة بأعضاء داعش المشتبه بهم والمعتقلين في الوقت الحالي، والعديد من الضحايا يشعرون بالغضب وهُم يرون أعضاء داعش يتجولون بحُرِيّة دون حتى الاعتراف بجرائمهم علانية، خاصة في الحالات التي تُعرض أمام محاكم تفتقر للشفافية.

وهناك مسألة أخرى تبعث على القلق، وهي أن سلطات الحكم الذاتي تحتجز عشرات الآلاف من المدنيين الذين تربطهم علاقات بالتنظيم أو أعضاؤه، ويتم ذلك داخل معسكرات اعتقال تنتشر في منطقة شمال شرق سوريا، ومُعظم هؤلاء المدنيين من النساء والأطفال الذين لم يتم القبض عليهم بشكل رسمي، لكن الواقع أن هؤلاء محتجزون في المعتقلات دون وجود أي استراتيجية واضحة للتعامل معهم.

وبصورة عامة فإن الأسلوب المتبع حاليًا لمحاربة الإرهاب فشل بشكل كبير في التعامل مع الأنواع المختلفة من الجرائم التي ارتكبها أعضاء داعش، ولا توجد آليات رسمية لتحديد مصير هؤلاء الذين تعرّضوا للاعتقال أو الاختفاء القسري على يد أعضاء داعش. وقد قامت جماعات حقوق الإنسان بتوثيق حالات أكثر من 8000 شخص قام تنظيم داعش باعتقالهم وظلّ مصيرهم مجهولًا، لكن الأكيد أن عدد هؤلاء المعتقلين الحقيقي هو أكثر بكثير.

ومع ذلك؛ لا يوجد حتى الآن آليات رسمية أو جهات يمكنها الاستفادة من المعلومات التي يتم الحصول عليها من عائلات الضحايا أو أعضاء تنظيم داعش، أو حتى الكشف بصورة صحيحة عن المقابر الجماعية من أجل تحديد مصير المفقودين. وتعمل المحاكم المحلية بالتركيز بشكل كبير على ما إذا كان هؤلاء المعتقلين من مقاتلي داعش أم لا، وتصبح تلك هي النقطة المفصلية في ما يخص إدانة هؤلاء أو تبرئتهم، لكن ليست هناك عملية واضحة من أجل تحديد المسئولية الشخصية عن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، وكذا فإن محاكم مكافحة الإرهاب لا تسمح للضحايا  برفع قضايا فيما يخص جرائم مثل الاغتصاب والسرقة والخطف، لتقديم أدلة إدانة ضد أعضاء داعش.

ومن أجل التغلب على القيود الخاصة بمنظومة عمل محاكم مكافحة الإرهاب، فهناك العدالة الانتقالية التي يمكن لها أن تقدم آليات للمحاسبة فيما يخص جرائم أعضاء داعش، ومن ثم إقناع الضحايا بأنهم سيحصلون على العدالة. والواقع أن تشكيل لجان لتقصي الحقائق بالاشتراك مع رموز المجتمع يمكن أن يساعد في توثيق وجمع الأدلة حول الأنواع المتعددة للجرائم التي قام بها أعضاء داعش، ويمكن لتلك اللجان أيضًا دعم محاكمات الجرائم الإرهابية عبر مشاركة النتائج التي تم الحصول عليها مع السلطات المحلية ذات الصلة، وتشجيع الضحايا على المشاركة في تلك الإجراءات.

ويجب على تلك اللجان أيضًا أن تتشاور مع سكان المنطقة لأجل إيجاد مسارات أخرى لتحقيق العدالة، مثل التعويضات المالية والاعتذارات العلنية وذلك من من أجل الانتهاء من تلك القضايا. والواضح أن بعض إجراءات التعويض يجب أن تكون مقصورة على أعضاء داعش السابقين الذين لم يقوموا بارتكاب جرائم عنف، أو الذين تم إطلاق سراحهم لعدم كفاية الأدلة.

أما هؤلاء الذين قاموا بارتكاب جرائم بارزة يجب محاكمتهم مع إشراك الضحايا في إجراءات المحاكمة، مع توافر الشفافية في الاحكام الصادرة، وهذا ما نفتقره حتى الان.  ويمكن أيضًا لتلك اللجان أن تتعاون مع لجان التسويات المحلية التي تضم قادة القبائل المحلية وعدد من رموز المجتمع، وذلك من أجل إدارة مجهودات التسوية والوساطة بين أعضاء داعش السابقين وضحاياهم والعائلات ذات الصلة.

ومنطقة شمال شرق سوريا تعُد مثالًا واضحًا للقيود التي تواجه قوانين مكافحة الإرهاب التي تعمل على توفير العدالة للضحايا، ونموذج العدالة الانتقالية من الممكن له أن يوفر أساليب بديلة من أجل الانتهاء من المظالم ومساعدة المجتمعات على التسامح والتصالح مع مئات الآلاف من العائلات التي كانت على صلة بتنظيم داعش في السابق.

وهناك القليل من الخبرات المحلية فيما يخص هذا النموذج، وحالات قليلة هي التي شهدت تطبيق مبدأ العدالة الانتقالية فيما يخص جرائم العنف التي قامت الجماعات الجهادية بارتكابها، وعلى الرغم من ضياع الكثير من الوقت إلا أن هناك فرصة لا زالت سانحة، أمام المجتمع الدولي وسلطات الحكم الذاتي وجماعات المجتمع المدني السوري لتطوير المزيد من آليات العدالة الانتقالية من أجل ضمان مشاركة الضحايا في تلك العملية، ومحاسبة أعضاء داعش بشكل كامل على الجرائم التي قاموا بارتكابها، وفي غياب تلك المجهودات فإن الاستقرار على المدى الطويل في تلك المنطقة سيظلّ على المحك، وذلك بغضّ النظر عن الهزائم التي تلقاها تنظيم داعش على الأرض.

 

للاطلاع على المقال من المصدر اضغط هنا

شارك برأيك

أشهر الوسوم