الضرورة الوطنية الغائبة ... ووعي تحقيقها

الكاتب: لم يعد مقبولاً البتة أن تبقى القوى الثورية مجرد جزرٍ معزولةٍ عن بعضها (أرشيف - إنترنت)

كشفت معركة حلب التي انتهت بخروج فصائل الثورة السورية المسلحة من هذه المدينة عن خللٍ عميقٍ تعاني منه الثورة وما تزال تعاني منه، هذا الخلل يكمن في غياب وحدة قوى الثورة السورية على مستويات عملها العسكري والسياسي والإعلامي والجماهيري، وقد كشف الخلل عن نفسه في المناطق المحررة التي سقطت لاحقاً بيد النظام الأسدي وحلفه الروسي الإيراني، مما سهّل على أعداء الثورة السورية الانتصار بحرب المواقع المتفرقة وفق مقولة ( أُكلتُ حين أُكل الثور الأبيض ).

خسائر قوى الثورة السورية المتتالية أدّت إلى إحباطٍ عميقٍ لديها ولدى حاضنتها الشعبية، وبالتالي بات من الضرورة إجراء مراجعة نقدية حقيقية من قبلها بكل مكوناتها، مراجعة تساعد على تجنب تكرار سيناريوهات الهزائم السابقة.

المراجعة النقدية المطلوبة لا تعني جلد الذات الثورية، بل إضاءة مشهد الصراع السياسي بأكمله، ويأتي في مقدمة هذه المراجعة معرفة مفردات الصراع الحالية، ومعرفة أين تقف القوى الثورية، وما قدراتها وامكاناتها؟.

المراجعة النقدية ضرورة ثورية ووطنية، تساعد على وضع برنامج عمل وطني واحد، وانتخاب قيادة وطنية تحمل هذا البرنامج، قيادة تعي أن الصراع السياسي الحالي في سورية لم يعد أحادي المحتوى، أي لم يعد صراعاً بين الشعب السوري الثائر من جهة وبين نظام الاستبداد الأسدي من جهة ثانية، بل أنّ هذا الصراع الذي مضت عليه سنوات عديدة، صار صراعاً مركّباً، تداخلت فيه مصالح قوى إقليمية ودولية، تبحث من خلاله عن مكاسب جيوسياسية استراتيجية، هذه حقيقة موجودة على الأرض، ويمكن للمرء أن يشير إليها بالبنان، وهي حقيقة تتمثّل بوجود عسكري ونفوذ سياسي واقتصادي وبرامج عمل اجتماعية، كالدور الإيراني والروسي والميليشياوي المتعدد الجنسيات الذي استقدمته إيران، إضافةً إلى دور قوى التحالف الغربي والوجود التركي. هذه الحقيقة تحتاج من قوى الثورة السورية بمختلف مكوناتها العسكرية والسياسية والثورية الشعبية إلى تغييرٍ عميقٍ في رؤية طبيعة الصراع الجاري ومكوناته، وبالتالي إعادة إنتاج أدوات عمل جديدة تتناسب مع طبيعة الصراع الجاري في البلاد وعليها. 

لم يعد مقبولاً البتة أن تبقى القوى الثورية مجرد جزرٍ معزولةٍ عن بعضها

لم يعد مقبولاً البتة أن تبقى القوى الثورية مجرد جزرٍ معزولةٍ عن بعضها، تفصل بينها جُدرُ الإيديولوجيا والمصالح السياسية والحزبوية والفئوية الضيقة، وهذا يتطلب من الجميع بلا استثناءٍ التداعي إلى عقد مؤتمر وطني شامل لكل فعاليات وقوى الثورة السورية المدنية منها والعسكرية، مؤتمر لا يستثنى منه تمثيل سياسي أو فصائلي أو مجتمعي، وتكون مهمة المؤتمر توحيد كلمة وموقف القوى الثورية المختلفة حيال واقع الصراع الجاري.

لم يعد مقبولاً في مظاهرات الجُمع، سواءً في المناطق المحررة، أم في مناطق تجمّع اللاجئين السوريين في العالم، أن تهتف كل جماعة، بما تعتقد أنه الضرورة والمهمة الملحة.

ولم يعد مقبولاً التشكيك بقوى وفعاليات وشخصيات وطنية، فمثل هذا التشكيك لا يخدم في النهاية سوى أجندة أعداء الثورة السورية، ولا يخدم وحدة العمل الوطني الثوري للوصول بما تبقى من جُهدٍ ثوري إلى ضفاف دولةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ تعددية.

القفز في الفراغ، وعدم معرفة مفردات وطبيعة الصراع الجاري في سورية وعليها، لم يعد مقبولاً أو مفهوماً، وتحديداً ما يتعلق منها بالتشكيك بعمل هيئة التفاوض المنبثقة عن مؤتمر الرياض2. فهذا التشكيك والتخوين والمطالبة بسحب الثقة من هيئة التفاوض يكشف عن جهلٍ عميق لدى البعض بطبيعة الصراع الجاري بين القوى الإقليمية والدولية.

فالتخوين والتشكيك لا يخدمان عملنا الوطني بقدر خدمة النظام الأسدي

وأنّ المطالبة بتصحيح عمل هيئة التفاوض إذا قامت بخطوات خاطئة يتمّ من خلال إلزامها ببرنامج عمل وطني وتكون مرجعيتها قيادة وطنية منبثقة عن مؤتمر وطني شامل. وجود كيانٍ وطني جامعٍ، يستطيع الضغط على قوى الصراع الإقليمية والدولية من خلال وحدة الصف الوطني، ومظاهراته السلمية، ذات الشعارات الموحدة في كل مناطق تواجد الشعب السوري، داخل المناطق المحررة، أو في مناطق اللجوء. لذلك تبدو هناك حاجة مستعجلة وضرورية لبناء موقف وطني موحد، يكون ضابطنا في حراكنا السلمي والثوري. وهذا يستدعي رفض كل مقولات التخوين والتشكيك بحق هيئة التفاوض، التي تمّ تشكيلها بموجب توافقات دولية وداخلية. فالتخوين والتشكيك لا يخدمان عملنا الوطني بقدر خدمة النظام الأسدي، الذي يتنفس على تناقضاتنا وصراعاتنا وتمزقنا.

لقد بينت التطورات الأخيرة أن هناك جهلاً واسعاً بمعرفة كيف تشكلت اللجنة الدستورية المكلفة من قبل الأمم المتحدة بصياغة ورقةٍ دستورية، هذا الجهل يقود إلى رفض عمل هذه اللجنة، وهو ذات موقف النظام الأسدي الذي عبّر عنه وليد المعلم برسالة وجهها إلى الأمين العام للأمم المتحدة السيد غوتيريش، إذ رفض وليد المعلم القبول بلجنة دستورية وبكل ما يصدر عنها. النظام الأسدي يرفض وجود وعمل اللجنة الدستورية لأنه يعرف حق المعرفة أن نتائج هذه اللجنة ومقرراتها ستكون مقررات دولية تعبّر عن توافق أمريكي روسي بالدرجة الأولى لحل الصراع السياسي في هذا البلد. رفض النظام الأسدي يعني إحساسه بنهاية دوره ووجوده كنظام سياسي قهري، ولهذا يحاول إفشال عمل اللجنة الدستورية. فما دام النظام الأسدي لا يريد أن تتشكل هذه اللجنة، وتؤدي عملها تحت إشراف دولي، فهذا يعني أننا يجب أن نصرّ على ضرورة تشكيل وعمل اللجنة بموجب قرار تشكيلها رقم 262/67 الصادر بتاريخ 15 أيار / مايو 2013.

اللجنة الدستورية هي لجنة ستعمل على إقرار نصٍ دستوري، يساعد على نقل البلاد والسلطة من واقع الصراع الحالي إلى واقع سياسي جديد

اللجنة الدستورية هي لجنة ستعمل على إقرار نصٍ دستوري، يساعد على نقل البلاد والسلطة من واقع الصراع الحالي إلى واقع سياسي جديد، يتمّ بناؤه بموجب ورقة دستورية جديدة لا يريدها النظام مطلقاً، لأنها تسحب كلّ صلاحيات رأس النظام بشار الأسد، وتعطيها لحكومةٍ جديدةٍ، تتشكل بعد انتخابات عامة شفافة بإشراف دولي تام.

الجهات التي لا تدرك أهمية عمل اللجنة الدستورية ودور هيئة التفاوض وتطالب بإفشال هذه الهيئة هي جهات لا تزال تقفز في فراغ الشعارات السياسية التي تعصف في رأسها هي، ولا علاقة لهذه الجهات بتطور الصراع السوري، أو بموازين القوى الفاعلة على الأرض. وبالتالي تعمل ضد سحب البساط من تحت أقدام نظام القهر والاستبداد الأسدي الذي دمّر البشر والحجر دون أن تعرف.  

شارك برأيك

أشهر الوسوم