الشعب السوري والحلول المعلبة

منذ انطلاق الثورة السورية ونتيجة عدم منطقية الأمور حدث الكثير من المصائب التي حلت بالشعب السوري الثائر بكل مكوناته، وعلى مختلف الأصعدة، فالحصار والقصف والتدمير والقتل بكل أنواع الأسلحة حتى المحرمة دوليا، لم يثنِ هذا الشعب الصابر عن الاستمرار في الدفاع عن حلمه الذي خرج من أجله، وعلى الرغم من هذا كله بات من الواضح أن الأسد وحلفاءَه وعلى الرغم من سيطرتهم مؤخراً على الكثير من المناطق المحررة، إلا أنهم فشلوا حتى الآن في إخضاع الشعب الثائر وفرض حل يمكن أن يعيد سوريا إلى ما قبل الثورة تحت حكم وسلطة مطلقة للأسد.

وبنفس الوقت فشل الأسد وحلفاؤه أيضاً في تأمين الحد الأدنى من احتياجات مؤيديهم أو من يطلق عليهم الرماديون

هذا الحل لا يمكن أن يُطبق إلا إذا تم الضغط على جميع الأطراف وبكل الطرق المتاحة، حتى يصل الشعب السوري الثائر إلى مرحلة العجز في فهم ما يجري والشلل التام في التفكير في الحلول مما سيدفعه للقبول بأية صيغة من صيغ الحل المنشود

الصامتون عن جرائمهم بحق إخوتهم في الوطن بحجج كثيرة، فنجد أن هؤلاء أيضا تعرضوا للكثير من المصائب فمن يُقتل ويصاب على الجبهات هم أبناؤهم وهذا استنزاف لمكونهم الأساسي، وهذا يدفعهم إلى عدم القبول بأي حل سياسي يمكن أن يطرح، فالحل السياسي حسب اعتقادهم هو خسارة لهم وانتصار لمن قام بالثورة، خاصة أن هؤلاء يعيشون حسب اعتقادهم في مرحلة انتصار الأسد على أعدائه من الشعب السوري.

ونتيجة هذا الواقع المعقد الذي وصلنا إليه من حيث عدم القبول بالآخر وصعوبة التعايش المشترك بين جميع الأطراف، كان لابد لأصحاب القرار في العالم ولمن يخطط لهذه المنطقة أن يجد طريقة يستطيع من خلالها فرض حل يتم إجبار الجميع على القبول به، لكن هذا الحل لا يمكن أن يُطبق إلا إذا تم الضغط على جميع الأطراف وبكل الطرق المتاحة، حتى يصل الشعب السوري الثائر إلى مرحلة العجز في فهم ما يجري والشلل التام في التفكير في الحلول مما سيدفعه للقبول بأية صيغة من صيغ الحل المنشود، وهذا ما يسمى تدجين الشعوب وإعادة تأهيلها لتتناسب مع الواقع الجديد المرسوم، وهذا الأسلوب استُنبط من فكرة إعادة تأهيل نزلاء السجون ليكونوا أداة طيعة بيد من أراد أن يعيد تصنيعهم وبطرق علمية تصل إلى درجة الضغط النفسي واستخدام المؤثرات المادية كالكهرباء لحين الوصول إلى مسح كامل للذاكرة، ومن ثم يتم البدء في تكوين ذاكرة جديدة وشخص ذي تفكير جديد يتلاءم مع مصلحة المصنّع لهؤلاء، وما صناعة الإرهاب من خلال تصنيع الأفراد إلا فصل من فصول هذه النظرية التي لاقت نجاحا كبيرا أيضا في مجال الهيمنة الاقتصادية للدول العظمى وشركاتها على الكثير من الدول النامية، من خلال إرغام بعض الشعوب على القبول بدخول بعض هذه الشركات والمؤسسات الاقتصادية إلى البلاد للسيطرة على مقدراتها اقتصاديا، وهذا ما حدث في بوليفيا وإيرلندا وعدد من البلدان في القرن الماضي، عندما استطاعت الشركات الأميركية الاقتصادية الكبرى من الدخول إلى أسواق هذه البلدان والسيطرة عليها بعد أن تعرض شعب هذه البلدان إلى الكثير من المشاكل الاقتصادية والأمنية والاجتماعية المخططة.

بالمقابل يمكن أن نقول بأن هذه النظرية  فشلت حتى الآن في العراق، على الرغم من الهجوم المكثف على هذا البلد وتدمير بناه التحتية بشكل تام، رغبةً في محوه وإعادته صفحة بيضاء أي إلى القرون الوسطى، هذا الصدم المفرط ولّد نتيجة غير متوقعة ومفاجئة وهي تعزيز عزيمة الناس وإصرارهم على المقاومة على عكس ما كان متوقعًا حدوثه، ولعل ما يحصل في المناطق المحررة دليل على تنفيذ هذه الخطة بكامل أركانها، إذ نجد أساليب الضغط الشيطانية على الشعب الثائر واضحة تماما من خلال جملة من الإجراءات أهمها إيجاد الفوضى العارمة في هذه المناطق، والاعتقالات التعسفية، وارتفاع معدل البطالة، وارتفاع الأسعار، والخطف العلني للمواطنين، والاقتتال بين مكونات الثورة، هذه الممارسات التي أصابت الشعب بالإرهاق والعجز عن تفسير ما يحدث مما دفعه إلى الاعتقاد بأنه لا يوجد أي حل في الأفق يمكن تطبيقه للخلاص من هذا الواقع المزري، وبالمقابل يقوم من كُلف في تطبيق هذه الخطة في المناطق الخاضعة لسيطرة الأسد وحلفائه بدوره في هذا المخطط على أكمل وجه، حيث نجد المواطن السوري في تلك المناطق يعيش بنفس الظروف  ولو بنسبة أقل مما يعانيه أهلنا في المناطق المحررة فنجد عمليات الخطف في وضح النهار في العاصمة كما نجد معاناة الشعب هناك من

استطاع من خطط لتصل الأمور إلى ما هي عليه الآن، أن يوصل نسبة كبيرة من هذا الشعب الذي أصبح يحلم بتأمين لقمة العيش، والسكن تحت سقف منزل بسيط، والشعور بالأمان، وعدم القلق من مستقبل أبنائه وتعليمهم

نقص حاد في المواد الأساسية كالكهرباء والبترول والمواد الغذائية والمتطلبات الأساسية اليومية للمواطن، هذا الواقع الذي بدأت ملامح التمرد عليه واضحة تمامًا، من خلال بعض الأصوات التي بدأت تعلو مطالبًة بحلول لهذه المشكلات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، والتي تكبر يوماً بعد يوم في ظل عجز الأسد ونظامه عن إيجاد حلول لهذه المشكلات التي أرهقت مؤيديه بالدرجة الأولى.

ومن خلال هذا الواقع المعقد والصعب للشعب السوري في كافة المناطق المحررة والمناطق التي يسيطر عليها الأسد، استطاع من خطط لتصل الأمور إلى ما هي عليه الآن، أن يوصل نسبة كبيرة من هذا الشعب الذي أصبح يحلم بتأمين لقمة العيش، والسكن تحت سقف منزل بسيط، والشعور بالأمان، وعدم القلق من مستقبل أبنائه وتعليمهم، إلى قناعة بأنه لا يوجد أي حل في الأفق قابل للتطبيق ليخرجه من هذا الواقع السيئ، وبهذا سيكون مستعداً لقبول أية حلول خارجية معلبة كان من المستحيل أن يقبل بها سابقًا، وهذا هو أحد أهم الأساليب الخبيثة التي تستخدم لتحطيم نفسية الشعوب لإخضاعها، وإرغامها على القبول بالأمر الواقع دون النظر إلى تحقيق ما تصبو إليه هذه الشعوب، وبهذا يمكن أن نقول بأن الحل في سوريا موجود منذ زمن لكن صعوبة تطبيقه حالت دون إعلانه حتى الآن، بانتظار ما سيتم استخدامه مستقبلا من أساليب شيطانية أخرى لإخضاع الشعب السوري وفرض حل أعتقد أنه لنْ يُرضي أحدًا من السوريين.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم