السوريون يدفعون ثمن 11 من أيلول؟!

رمى الصديق فكرة حزينة على الطاولة: الشعب السوري يدفع ثمن 11 من أيلول 2001. للوهلة الأولى، تبدو الفكرة متعسفة أو اعتباطية. لكن، وإذ رحنا نمعن التفكير بها، ظهرت معقوليتها طبقة فوق طبقة، تماماً كما يكشف عالِم الآثار عن الترسبات المتراكمة.

بعد ذاك اليوم الخريفي المشؤوم، والسؤال الشهير الذي طرحه الأميركيون: "لماذا يكرهوننا؟"، تبلور تياران في الغرب إزاء معضلة الإرهاب وأسبابه.

التيار الأول، تبنى نظرية استعصاء الإسلام على الديموقراطية والليبرالية وممانعته للحداثة وقيمها، وبالتالي فالعداء جوهري ومطلق بين الإسلام والغرب، ولا علاقة بينهما سوى حرب الحضارات. هكذا، ترسخت ظاهرة "الإسلاموفوبيا" في السياسة والثقافة والإدراك العمومي. وعملياً، هذا التيار كان عبارة عن استجابة متطابقة مع أيديولوجيا "تنظيم القاعدة" (وما شابهه من تنظيمات)، أيديولوجيا عداء الإسلام المطلق للغرب وزمنه.

التيار الثاني، تبنى نظرية أكثر تعقيداً، تفيد أن الإرهاب هو نتاج يأس قطاعات واسعة من السكان في الشرق الأوسط الكبير، وحرمانهم من امتيازات العصر: المساواة والحريات (العامة والفردية) والمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية. وبالتالي، فإن دمقرطة أنظمة الحكم من جهة، وإصلاح الاقتصاد ومؤسسات التعليم من جهة ثانية، كفيلان بتبديد أسباب التطرف والإرهاب.

التيار الثاني، تبنى نظرية أكثر تعقيداً، تفيد أن الإرهاب هو نتاج يأس قطاعات واسعة من السكان في الشرق الأوسط الكبير،

في كل الأحوال، تخلى الغرب حينها، والولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، عن الركيزة الأساسية في السياسة المعتمدة تجاه المنطقة منذ خمسينات القرن العشرين: "الاستقرار مهما كان الثمن". فكلمة الاستقرار كانت تعني الاستنقاع والتعفن في أنظمة الحكم، المتفاقمة في عسفها وطغيانها وقمعها وفسادها من ناحية، والمنتجة لليأس والغضب والكراهية لدى السكان من ناحية أخرى.

التيار الثاني كان يدرك أن نظريته ستؤدي عملياً لما بات يسمى "الفوضى الخلاقة". أي الذهاب إلى عملية هدم وإعادة بناء على نحو قاس وعنيف وواسع النطاق، أقل مما شهده العالم في الحرب العالمية الثانية، وأفدح مما حدث في دول الاتحاد السوفياتي السابق ودول أوروبا الشرقية بعد انهيار جدار برلين، وأشد صعوبة من تحولات أميركا اللاتينية وأفريقيا وبعض دول شرق آسيا.

الأنظمة الحاكمة كانت أقرب إلى التيار الأول: نحن "النخبة الحداثوية" العلمانية، ضمانة "الدولة" والانتظام العام والإدارة، نحن نقمع الميول الظلامية الهدامة الراسخة في نفوس السكان. هذه مجتمعات قاصرة ومتمنعة عن الديموقراطية، نحن رأس حربة الحرب الحضارية، نحن "التنوير" والتقدم ضد هذه الشعوب المتخلفة والرجعية. ويتمظهر هذا الخطاب أكثر في أنظمة تحكمها أقلية طائفية غير سنّية، كما في سوريا تحديداً. 

أما الإسلام السياسي "المحترف"، الحزبي، الذي يمثله "الأخوان المسلمون" (وما شابههم من حركات وأحزاب)، فقد تلاقى عملياً ونظرياً مع التيار الثاني، طارحاً نفسه كبديل شرعي للتطرف وكعلاج فعال للإرهاب وكاستجابة حقيقية للدمقرطة والإصلاح وكحل لهوية محلية إسلامية منسجمة مع الحداثة وشروطها.

انفجر المكبوت العراقي حروباً متناسلة ومذابح طائفية وانهياراً للدولة والمجتمع والعمران

على هذا الأساس، ورداً على 11 من أيلول 2001، كانت حرب "حرية العراق"، الغزو الأميركي – البريطاني. وكان التصور الغربي وفق نظرية "بناء الأمم"، إسقاط الطاغية صدام حسين مساء وقيام نظام ديموقراطي ليبرالي صباحاً! بهذه السذاجة ظن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وطاقمه من "المحافظين الجدد" (ولا نعفي أنفسنا من هذه السذاجة) أن تلك الحرب هي مجرد كرنفال يشبه احتفاليات ليلة سقوط جدار برلين.

طبعاً، منذ العام 2003 وحتى اليوم، كانت نتائج الغزو سلسلة هائلة من الكوارث والفشل الذريع. انفجر المكبوت العراقي حروباً متناسلة ومذابح طائفية وانهياراً للدولة والمجتمع والعمران. وبغض النظر عن أن الغزو ذاته كوسيلة يناقض جذرياً أهدافه "السامية"، فمقابل العوامل العراقية الداخلية لهذا الفشل، كانت العوامل الإقليمية أكثر تأثيراً. كل الدول المحيطة بالعراق، كل هذا الشرق الأوسط الكبير انخرط في حرب مضادة لإفشال وتخريب "النموذج العراقي". تلك هي اللحظة التي تحالفت فيها الأنظمة مع المنظمات الإرهابية، ليتحول العراق إلى حقل قتل جماعي.

الخيبة المريرة والباهظة الثمن في العراق، كما في أفغانستان والصومال، مضافاً إليها خيبات التغيير في معظم الدول العربية (مصر وليبيا واليمن) رسخت في الإدراك الغربي العام، تلك القناعة المؤذية: حل بوليسي لأمننا الداخلي، والانسحاب من هذا الشرق الأوسط المريع. دعوهم يقتلون بعضهم البعض بعيداً عنا.

أسست تلك القناعة لامبالاة إنسانية إزاء المصائب التي تنزل بهذه المجتمعات. سياسة عدم التدخل كما رسمها باراك أوباما، تفاقم سوءها مع سياسة الازدراء والاحتقار كما يمارسها دونالد ترامب. فعندما يقول "الأسد حيوان" لا يستدرك بالقول: "يجب إنقاذ الناس من براثن هذا الحيوان". راحة الضمير والرضى الأخلاقي والواجب السياسي.. كلها انتهت عند حدود الازدراء وحسب.

السوريون يدفعون ثمن كل ما حدث منذ 11 من أيلول. يدفعون ثمن قرار الغرب بفصل الأخلاق عن السياسة

أسقط الغرب مبدأ "التدخل الإنساني" في اللحظة الأشد ضرورة له: المذبحة السورية. فهذا المبدأ الذي قد يسري في أي مكان من العالم بات مستثنى منه الشرق الأوسط الكبير. استثناء يضع تلك الشعوب في مرتبة "الشفقة" على مصيرها. شفقة تتضمن قناعة مخيفة: هذه الشعوب غير جديرة بالمساعدة، ميؤوس منها، بل هي اختارت بنفسها مصيرها البائس.. إنها مجتمعات غير قابلة للإصلاح وخطرة على العالم، ولا يضبطها سوى الاستبداد والقمع المتواصل. الأنظمة العسكريتارية هي الحل.

إذاً، وصل الغرب إلى استنتاج مفزع، يتجسد في السياسة الترامبية، الفشل في نظرية الفوضى الخلاقة، الفشل في مساومة الأنظمة على جرعات الإصلاح، الفشل في الثورات.. ومنعاً لتكرار 11 من أيلول أخرى، وتفادياً لكارثة التدخل العسكري في العراق أو ليبيا، فلنبتعد عن هذه الجغرافيا.. لنترك الأمر للتجربة والمقاربة الروسية ولاستراتيجية "الحل الشيشاني": سحق المجتمع وصون الاستبداد. أي أن الغرب أوكل تنفيذ هذه المهمة القذرة لبوتين وحلفائه الإيرانيين.

السوريون يدفعون ثمن كل ما حدث منذ 11 من أيلول. يدفعون ثمن قرار الغرب بفصل الأخلاق عن السياسة. وهذا ربما ما سيجعل من "الجريمة السورية" معضلة مستقبل العالم وإعادة صياغته، كما لم يحدث منذ "هولوكوست" النازية و"النكبة" الفلسطينية. معضلة لن يفلت منها الغرب ومأزقه حين يريد تعريف ذاته ودوره واقتراحه لكرامة الحياة الإنسانية.

 

 

 

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم