السوريون بتركيا.. والخوف من موسم "التهديدات الانتخابية"

كالعادة، وكما جرى في كافة الانتخابات التي شهدتها تركيا خلال السنوات الأخيرة، تحولَ اللاجئون السوريون إلى مادة خصبة للمعارضة التركية تهاجم من خلالهم حزب العدالة والتنمية الحاكم بهدف كسب مزيد من أصوات الناخبين، لعل ذلك يساعدها في تحقيق "النصر المنشود" على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو ما فشلت فيه على مدار 17 عاماً.

خلال الاستحقاقات الانتخابية الماضية تصدر حزب الشعب الجمهوري العلماني أكبر أحزاب المعارضة التركية الحملة ضد اللاجئين السوريين، وقدم وعوداً مختلفة للناخبين بالعمل على طردهم إلى بلادهم حال فوزه بالانتخابات مستنداً إلى قائمة طويلة من الاتهامات التي حاولت الحكومة طوال السنوات الماضية تفنيدها دون جدوى.

وفي الحملة الانتخابية استعدادا للانتخابات المحلية/البلدية المقررة يوم الأحد المقبل، تصدر اللاجئون السوريون مجدداً ولكن هذه المرة ليس من خلال حزب الشعب الجمهوري الذي تراجع استخدامه لهذه الورقة بدرجة كبيرة ولافتة، وإنما من خلال حزب "الجيد" الذي تتزعمه ميرال أكشينار المنشقة عن حزب الحركة القومية التركية.

وتقليدياً استندت هذه الحملات على قائمة طويلة من الاتهامات المعتادة، وأبرزها أن اللاجئين السوريين يحصلون على راتب شهري ومساعدات مالية من الدولة التركية، ويدخلون الجامعات من دون امتحانات قبول، ويحصلون على مساعدات سكن وشقق سكنية بالمجان، ويرتبكون نسبة عالية من الجرائم، ولا يدفعون الضرائب، ويحصلون على امتيازات اقتصادية تفوق تلك التي يتمتع بها المواطنين الأتراك، وغيرها الكثير.

وفي التفاصيل يبرز عامل مهم، يتعلق بالخلفية الأيديولوجية للأحزاب التي قادت هذه

انطلق حزب "الجيد" في حملته ضد اللاجئين السوريين من خلفيته القومية المتشددة، وهو ما يفسر أن الحملة في هذه الجولة الانتخابية تبدو أعنف وأجرأ وأخطر على اللاجئين

الحملات، فبينما ركز حزب الشعب الجمهوري -العلماني (يشكل العلويون الأتراك جزءاً مهماً من قيادته وقاعدته الجماهيرية) - على معاداة اللاجئين انطلاقاً من موقفه السياسي من النظام السوري ومحاولة تحقيق مكاسب انتخابية بتحميل اللاجئين جانباً من المسؤولية عن المشاكل الأمنية والاقتصادية التي مرت بها البلاد، انطلق حزب "الجيد" في حملته ضد اللاجئين السوريين من خلفيته القومية المتشددة، وهو ما يفسر أن الحملة في هذه الجولة الانتخابية تبدو أعنف وأجرأ وأخطر على اللاجئين.

حيث استندت هذه الحملة بشكل مباشر على تقديم وعود بطرد اللاجئين، ومنع الكتابات العربية وإغلاق المحلات العربية، وكما رفعت مرشحة الحزب لرئاسة بلدية منطقة الفاتح بإسطنبول شعار "لن نسلم الفاتح للسوريين"، قدم مرشح الحزب لرئاسة بلدية قيصري وعوداً بطرد كافة السوريين من المحافظة، ومنع الكتابة بالعربية ومنع تقديم أي مساعدات للسوريين، وغيرها الكثير من الحملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

الشعب التركي بشكل عام قومي بطبعه، متعصب لعرقه ووطنه وعلمه ولغته، لكن تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية الذي يضم الأتراك الأكثر قومية في البلاد، ضبط تصرفات الأخير ومنعه من تصدر الحملات ضد اللاجئين السوريين، ومن هنا، يجد حزب "الجيد" المنشق عن الحركة القومية في نفسه الحزب الوحيد الذي يمكن أن يلعب على وتر القومية التركية، ومعاداة اللاجئين وبالتالي حصد نتائج ذلك من خلال صندوق الانتخابات، وهو ما يقود إلى السؤال الأبرز: إلى أي مدى ستكون ورقة اللاجئين السوريين رابحة في يد الحزب "الجيد" في الانتخابات المقبلة؟.

يمكن الإجابة على هذا السؤال بسؤال آخر وهو: لماذا لم يستخدم حزب الشعب الجمهوري "ورقة اللاجئين" في هذه الانتخابات على عكس ما جرى في الانتخابات الماضية؟ تقول نتائج الانتخابات الماضية وتحليل سياسات الأحزاب وحملاتهم الانتخابية أن هذه الورقة لم تعد رابحة لدى الأحزاب، وأن الناخب التركي لديه من التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية إلى جانب الحسابات

لا يبدو مرشحو الحزب مؤهلين للفوز في رئاسات بلديات المحافظات الكبرى، أو رئاسات بلدية المناطق كالفاتح وغيرها، فالحزب لا تتجاوز شعبيته 10٪ من أصوات الناخبين في أحسن الأحوال

الأيديولوجية ما يتفوق كثيراً على "ورقة اللاجئين" في حساباته التي تدفعه لاختيار الحزب الذي سيصوت له في انتخابات الأحد المقبل.

وحسابياً، لا يبدو مرشحو الحزب مؤهلين للفوز في رئاسات بلديات المحافظات الكبرى، أو رئاسات بلدية المناطق كالفاتح وغيرها، فالحزب لا تتجاوز شعبيته 10٪ من أصوات الناخبين في أحسن الأحوال، وأقل من ذلك في أغلب المناطق، وبالتالي فإن احتمالات فوز الحزب وسيطرته على بلديات مهمة لتحويل هذه "التهديدات" إلى أفعال يبدو ضئيلاً جداً، وهو أمر لا يدعو للخوف أو القلق من قبل اللاجئين الذين تحكمهم سياسات وزارة الداخلية والحكومة التركية التي لن تتغير حتى عام 2023 موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة.

لكن هذا لا يقلل من المخاطر التي يمكن أن تترتب على هذه الحملة التي تحاول تحريك الشعور القومي التركي ضد اللاجئين، والآثار الأخطر التي يمكن أن تترتب عليها في المستقبل في حال استمرت وتوسعت، لكن ذلك غير وارد أيضاً في ظل الحملات المضادة التي تقوم بها الحكومة التركية والحزب الحاكم للتأكيد على التآخي والترابط والتعايش بين المواطنين واللاجئين والتفنيد المتكرر لاتهامات المعارضة والحديث المتواصل عن "تضحيات السوريين في حرب الاستقلال التركية"، وعن مصدر الدعم الذي يتلقاه اللاجئون والانخفاض الكبير في حجم المشاكل التي يتسببون بها للأمن التركي، والإضافة التي شكلوها للاقتصاد التركي، والأهم من ذلك كله هي صورة التعايش الحقيقي الموجودة بين المواطنين واللاجئين بعيداً عن كافة الأحزاب السياسية.

وبالتالي فإن هذه الحملات وعلى الرغم من خطورة أخذها منحاً "قومياً" إلا أنها أقل من السابقة وتأتي من حزب أقل تأثيراً في السياسة التركية إلى جانب كونها تأتي في إطار انتخابات محلية لا يتوقع أن ينتج عنها تغيير كبير، أو تأثير على سياسات الدولة فإن أثرها يبقى محدوداً وتعود لتتهمش وتنكمش بإعلان نتائج الانتخابات مساء يوم الأحد المقبل.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم