السوريون اللامرئيون

أذكر أن أحد المآخذ التي كان بعض الأتراك يأخذونها على اللاجئين السوريين، في أخبار وتقارير صحفية قرأتها في العام 2014، هو أنهم "في كل مكان"! وتكررت هذه الشكوى، في مواد إعلامية أخرى، في السنوات اللاحقة، مرفقة، بالطبع، مع شكاوى معززة لها من نوع أن السوريين "قذرون، صاخبون، يسهرون حتى ساعات متأخرة من الليل، لا يدفعون فواتيرهم بانتظام.." إلخ.

إنهم في كل مكان!

هذا يشير من جهة إلى كثرتهم العددية، ومن جهة أخرى إلى ظهورهم في المجال العام وعلى الملأ، بما يستفز بعض الأتراك من كارهي الأجانب، وبخاصة أجانب "الشرق" أو "الجنوب". سبق وتحدثت عن نظرة "الأتراك البيض" إلى اللاجئين السوريين، في مقالة سابقة هنا. ومنهم، أو ممن يحمل ذهنيتهم تصدر هذه الشكوى بصورة خاصة، في حين يركز سائر الأتراك (أو "زنوجهم") على أمور أخرى كتحميل السوريين أسباب البطالة وغلاء المعيشة وارتفاع إيجارات البيوت وغيرها من الأسباب المتعلقة بالشؤون الاقتصادية أكثر مما بالاختلافات الثقافية، الحقيقية منها والمزعومة.

الواقع أن عدد السوريين في تركيا قد ارتفع باطراد، طوال السنوات السابقة، ليصل إلى قرابة 4 ملايين، أخذاً بعين الاعتبار أن نحو نصف مليون سوري جديد قد ولدوا في تركيا. نحو 300 مولود جديد كل يوم يولدون في تركيا لأبوين سوريين، حسب التقديرات. هذه واقعة مهمة ومقلقة بالنسبة لكثير من الأتراك المتمحورين حول هويتهم التركية، لديهم مخاوف جدية من تغير في الموازين الديموغرافية بمرور الزمن، في الوقت الذي لم يتصالحوا فيه، بعد، مع فكرة وجود عناصر غير تركية، وخاصة الكرد، لا يعرفون كيف يمكن التخلص منها.

عموماً يرحب الأتراك بالأجانب كسياح، ليظهروا لهم جمال بلدهم وكرم ضيافة الشعب التركي (كل شعوب الأرض

لقد جلب السوريون معهم أنماط حياتهم التي اعتادوا عليها، وبصورة خاصة في مجال الطعام. فلم يستسيغوا "المطبخ التركي"

تعتقد أن لديها خصلة فريدة هي "كرم الضيافة"، غير موجودة عند غيرها أو موجودة بشكل منقوص). أما حين يتعلق الأمر بإقامة طويلة قد تتحول إلى دائمة، كحال السوريين مثلاً، فيختلف الأمر تماماً، وينقلب "كرم الضيافة" إلى كره للأجانب.

لماذا السوريون موجودون في كل مكان؟

لقد جلب السوريون معهم أنماط حياتهم التي اعتادوا عليها، وبصورة خاصة في مجال الطعام. فلم يستسيغوا "المطبخ التركي". وهكذا افتتحوا المطاعم ومحال البقالة والأفران التي تنتج وتبيع أنواع المأكولات السورية وموادها الأولية. وتركزت هذه المنشآت في أحياء بعينها من بعض المدن التي تستضيف أعداداً كبيرة من السوريين، كإسطنبول وعنتاب وأورفا وكلس وأنطاكية. في شارع يوسف باشا الشهير في حي آكسراي في إسطنبول، كثير من المطاعم والمقاهي والمحال السورية، وتسمع هناك اللغة العربية أكثر من التركية. وكذا هو الأمر في بعض شوارع حي فاتح، وفي شارع إينونو و"السوق الإيراني" في عنتاب، على سبيل المثال.

محال بلافتات عربية، مع عاملين وزبائن سوريين. أضف إليها الحدائق العامة التي تستقطب سوريين مع أطفالهم. والشوارع ووسائل المواصلات، ولوحات السيارات السورية الخاصة، و"غزو" بعض الشباب السوريين لمقاه تركية أيضاً، ولشواطئ السباحة... إلى آخر ما هنالك من وجوه "الظهور المرئي في المجال العام" التي تولد الانطباع عند التركي النمطي المتمحور حول تركيته بأن "بلده يفلت من بين يديه لصالح غرباء"! فمن زاوية نظره الضيقة يتوجب على اللاجئ أن يكون مسكيناً ضعيفاً يستحق الشفقة والإحسان، لا أن يجلس في المقاهي، يضع رجلاً فوق رجل، مرتدياً ملابس من أحسن الماركات، يدخن نارجيلته ويضحك مع أصدقائه. هذه الصورة الأخيرة، أو ما يماثلها، هي أكثر ما يستفز كثيراً من الأتراك، من البيض أو الزنوج على حد سواء، وإن كان بدوافع مختلفة عند الفئتين. فبالنسبة للأتراك البيض، يستفزهم أن يسلك السوريون مسالك تشبه مسالكهم، فيكونوا أنداداً لهم. أما بالنسبة للـ"زنوج" وبخاصة الطبقات الفقيرة، فإن مظاهر البحبوحة والراحة لدى بعض السوريين تثير لديهم مشاعر الحقد الطبقي بنكهة عنصرية، فيحملونهم مسؤولية بؤسهم. لذلك انتشرت على نطاق واسع الفكرة القائلة: "جنودنا يقتلون في سوريا من أجلهم، في حين يجلسون هم في مقاهينا ويدخنون النارجيلة. فليذهبوا إلى بلدهم ويقاتلوا من أجل وطنهم".

الإجراءات الأخيرة بحق اللاجئين السوريين في إسطنبول، حققت نتيجة مهمة جداً، من زاوية نظر مشكلة الظهور العلني الكثيف للسوريين في المجال العام. فمع بداية عمليات الترحيل الجماعية، اختفى السوريون في إسطنبول، أو بدقة أكثر "تواروا عن الأنظار". تتحدث صفحات فيسبوك سورية عن تدابير استثنائية اتخذها السوريون في المدينة من نوع إنشاء مجموعات واتس آب خاصة بتحديد مواقع دوريات الشرطة التي تصطاد السوريين في الشوارع، من أجل تجنب المرور بها أثناء التنقلات الاضطرارية، في حين أن أكثرية السوريين في إسطنبول يمتنعون عن الخروج لكي لا يتعرضوا للترحيل.

وهكذا حققت الحكومة التركية شيئاً مهماً لإرضاء المشتكين من "وجود السوريين في كل مكان"، بترحيل قسم منهم، خارج الحدود أو إلى ولايات أخرى، وبإخفاء من تبقى عن أنظار الأهالي.

الواقع أن هذا المسلك ليس جديداً على الحكومة، أعني بذلك إرضاء السكان المحليين (الأنصار) على حساب السوريين (المهاجرين). ففي السنوات السابقة حدثت احتكاكات عديدة بين الأهالي وتجمعات السوريين، في عنتاب وأورفا وأنقرة وغيرها، حيث كانت جموع من السكان المحليين تهاجم السوريين في الشارع وتحطم محالهم التجارية وسياراتهم، غالباً بسبب إشاعات كاذبة، فكانت السلطات المحلية "تحل" المشكلة بترحيل السوريين، كتلة واحدة، إلى مناطق أخرى أو إلى المخيمات على الحدود. كما أن حالات كثيرة من الترحيل خارج الحدود حدثت، في السنوات السابقة، بذريعة عدم وجود إذن عمل.

قصة "الظهور في المجال العام" و"التواري عن الأنظار" هذه ليست جديدة في اليوميات التركية، ولا هي خاصة بالسوريين. فقبل صعود حزب العدالة والتنمية، كان القطاع المحافظ في المجتمع "متوارياً عن الأنظار" فلا يظهر في المجال العام. أبرز صور ذلك التواري هو منع الفتيات المحجبات من دخول الجامعات، إضافة إلى الوظائف العامة. فكانت فتيات من بيئات محافظة يتخلين

الانطباع العام لدى سوريي تركيا، هذه الأيام، هو أن الحكومة ماضية في إجراءاتها القاسية، ولا شيء يدعو للتفاؤل بتغيير هذه السياسة

عن الحجاب مضطرات لكي يتابعن دراستهن. مع إلغاء حكومة العدالة والتنمية لقانون المنع هذا، ارتفعت نسبة المحجبات في المجال العام بصورة ملحوظة أقلقت "الأتراك البيض" فراح هؤلاء يطلقون تحذيراتهم بشأن "زيادة التدين في المجتمع التركي". الواقع أن التدين لم يزدد، بل انتقل المتدينون من التواري إلى العلن.

الجديد فيما حدث في إسطنبول هو أن السلطة التي كانت تتعامل مع الأحداث المذكورة، بشيء من التجاهل والتكتم، أخذت تتحدث بصورة علنية عن إجراءاتها، كما عن ضرورة عودة السوريين إلى بلدهم، بعد تحقيق شيء من الاستقرار في بعض المناطق.

الانطباع العام لدى سوريي تركيا، هذه الأيام، هو أن الحكومة ماضية في إجراءاتها القاسية، ولا شيء يدعو للتفاؤل بتغيير هذه السياسة. لكن كلاماً جديداً لوزير الداخلية سليمان صويلو، أعطى مؤشراً إلى التهدئة. فقد ألقى، في حوار صحفي قبل يومين، بمسؤولية التحريض ضد اللاجئين السوريين على جماعة فتح الله غولن! هل نتفاءل بهذا المؤشر فنقول إنها كانت موجة طارئة لإرضاء الناخبين الذين لم يصوتوا، في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول، لمرشح العدالة والتنمية، وانتهت؟

ما لم يحصل اللاجئون السوريون على وضع قانوني يحدد لهم، بوضوح، حقوقهم وواجباتهم، فلا يمكن الركون إلى التفاؤل. فسوف يبقى مصير اللاجئين السوريين خاضعاً لتقلبات كيفية وحسابات سياسية داخلية وخارجية.

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم