السوريون؛ بين القهر والأمل

لأسباب يصعب حصرها، تعقّدت قضية السوريين بحيث يكاد كل ما يحدث في عالمنا يلمسها من بعيد أو قريب؛ وبعض تلك الملامسات كبير جدا؛ فما عودة ربيع طلب الحرية – أكان في الجزائر أو في السودان – إلا من عبق ذخرها الذي لا يزول. ومن هنا لا يحدث أمر في هذه الدنيا، إلا وترى عيون السوريين وعقولهم معلقة به، علّه يكون بارقة أمل تعيدهم وبلدهم إلى سكة الحياة.

يضغط الداخل الأمريكي على ترامب، ويحاصره الحزب الديمقراطي بأخطاء أو سقطات وقع فيها، فتنفرج أساريرهم، آملين أن يترجم ترامب ذلك ضغطاً على روسيا (المتهم بمغازلتها)، علّ الأخيرة تستشعر ضغطه؛ وبدورها تضغط على منظومة الاستبداد الأسدية، وتجلبها إلى حل سياسي، أو على الأقل تخفف من اقتصاصها من الشعب السوري، لأنه يعارض منظومة الاستبداد التي تساندها.

يقرر ترامب ذاته التوقيع على ضم الجولان؛ يتمزق السوريون بين غضبهم عليه، واحتقارهم للنظام الذي هيّأ له ولنتنياهو هكذا فرصة لاستباحة حقهم؛ والأمل يحدوهم

يُشاع أن جهات معينة تريد إعادة علاقاتها مع نظام الأسد، فيشعر كثير من السوريين بالخيبة، ويستذكرون خذلان هذه الجهات لهم في رحلة مواجعهم

بأن ما حدث كشّاف لنظامهم الكاذب، وبأنه لم يعد صالحا أو مؤتمناً على وطن؛ وما سرديته حول "المقاومة والممانعة" إلا كذبة مكشوفة. يهدد ترامب إيران، ويسعى إلى خنقها عبر حصار اقتصادي وإسدال سمة الإرهاب على عصب حياتها المتمثل بـ" الحرس الثوري"؛ فيستبشر السوريون أن الضغط الأمريكي على إيران سيخنق من خنق سوريا وأهلها. وحتى إسرائيل – محتلة الأرض ومغتصبة الحقوق – غدت بوابة " فشة غل " عندما تستهدف إيران في سوريا.

يُشاع أن جهات معينة تريد إعادة علاقاتها مع نظام الأسد، فيشعر كثير من السوريين بالخيبة، ويستذكرون خذلان هذه الجهات لهم في رحلة مواجعهم. ترفض الجامعة العربية عودة تلك المنظومة إليها- حتى ولو كان في سياق مواجهة إيران- فيشعر السوريون بأن نظام الأسد لايزال منبوذاً؛ الأمر الذي يساعدهم ربما على الخلاص منه. وفي السياق ذاته، يخرج تصريح من جهة عربية توصّف نظام الأسد بما هو، فيزيدهم ذلك أملاً بأن هناك من يشاركهم ما يشعرون به تجاه نظام الاستبداد. يدرج الاتحاد الأوروبي أسماء من النظام بقائمة إرهابية، فيقول السوريون إنه ما زال في هذه الدنيا من يرى النظام الأسدي على حقيقته.

 رغم أنّ عودة من خرج من سوريا إلى بيته تشكل حلما لا يفارق أي سوري، إلا أنّ تصريحا دوليا- يقول إن لا عودة للاجئين السوريين طالما استمر هذا النظام، وطالما لم تأخذ العملية السياسية مفاعيلها، ومالم تتوفر البيئة الآمنة والكريمة لعودتهم-  يبث- رغم مرارته- أملا بأن هذه المنظومة الاستبدادية إلى زوال. الامر ذاته يمكن استشعاره في الحديث عن إعادة الإعمار في سوريا؛ فعندما يقال إن لا إعادة إعمار طالما ذلك المستبد المستعد لهدم ما يمكن أن يُعَمَّر مستمر في السلطة. ذلك لأن الرغبة الأساس لكل سوري أن يرى بلده وقد عاد عامراً معمرا.

 تتضارب مشاعر السوريين تجاه مساهمة إسرائيل بامتداد عذابات السوريين؛ فترى بعضهم يرى بفوز نتنياهو استمرارا لنظامهم الإجرامي، والبعض الآخر يرى أن كل ما كان يعمله نتنياهو أساسه داخلي وتجارته بالإبقاء على منظومة الأسد، أما الآن فقد تتغير التوجهات؛ ويدير نتنياهو ظهره بعد أن حصل على ما أراد.

يشعر السوري بفرحة شديدة عندما يرى بلدا كالجزائر وقد أزاح رئيسا قرر مَن حوله أن يبقوا جاثمين على صدر الجزائر؛ وفي الوقت ذاته يستشعر المرارة لعدم إزاحة المنظومة الاستبدادية الجاثمة على روح سوريا حتى الآن. والأمر ذاته ينتابه عندما يرى ترجمة لإرادة إخوته في السودان لإزاحتهم لدكتاتور يشبه دكتاتورهم والأقرب إليه؛ ولكنهم من جانب آخر يتيقنون بأنهم كانوا الذخر والخميرة التي حركت شعب الجزائر وشعب السودان. هذا يحدث بعد أن كان كل من يسعى للاستمرار بأبدية سلطته يحذرهم من مصير كمصير السوريين.

 وبالعودة للمشاعر المتضاربة، يشتد العوز في سوريا- حتى في حاضنة النظام- تنتشر الجريمة؛ يتفاقم الفساد؛ فترى بعض السوريين

تجد السوريين- ونظرا لوجعهم المستدام- يرون أن أي أمر يزيح الأنظار عن قضيتهم الأعقد والأمر في العالم- إعلامياً أم غير ذلك- يشعرهم بحسرة شديدة

غير آبه حتى لوضع إخوته السوريين؛ لأن وضعاً كهذا بذهن البعض يفضح النظام، ويعريه، ويكشفه أمام كل السوريين؛ فتراه يحدوه الأمل بأن ينتفض هؤلاء على الجريمة والاستبداد.  يتم شحن رأس النظام إلى موسكو أو طهران (رغم أن ذلك في النهاية إهانة لكل سوري من قبل الاحتلالين الإيراني والروسي)؛ إلا أن كثيرا من السوريين يشعرون بالراحة لأن رأس المنظومة التي فعلت بهم ما فعلت، تتم إهانته.

أخيرا تجد السوريين- ونظرا لوجعهم المستدام- يرون أن أي أمر يزيح الأنظار عن قضيتهم الأعقد والأمر في العالم- إعلامياً أم غير ذلك- يشعرهم بحسرة شديدة.

يبقى أن كل ما أتى يمكن تصنيفه في خانة ردة الفعل القهرية؛ وهذا ليس عيبا أو مطباَ؛ ولكن ما هو مطلوب من السوريين- ومع عودة ربيع الحرية إلى الساحة العربية- أن يركزوا أكثر على الفعل لا ردة الفعل، مؤمنين بما خرجوا من أجله، ومتمترسين عنده؛ عبر رصِّ صفوفهم، وتوحيد كلمتهم، وتقديم الأنموذج الأمثل الذي يستحق الحرية وتليق به.

شارك برأيك

أشهر الوسوم