السعودية في أحضان الأسد...مجدداً

في أغسطس من العام ٢٠٠٦، وصف الأسد بعض حكّام الخليج بأنّهم "أنصاف رجال" وقد استخدم البعض مصطلح "أشباه رجال" كبديل. فُهِمَ من كلامه هذا بأنّه كان يقصد السعودية على وجه التحديد، وذلك نظراً لموقفها المتعارض آنذاك مع النظام السوري حول جملة من الملفات الإقليمية. أثار هذا التصريح زوبعة من التعليقات وهوى بالعلاقات بين الجانبين إلى القاع  لاسيما وأنّه جاء بعد فترة وجيزة من حرب لبنان التي اندلعت في تموز من العام ٢٠٠٦ من جهة، وإثر حوالي عام ونيّف فقط على اغتيال نظام الأسد وحلفائه لرئيس وزراء لبنان، ورجل السعودية الأول رفيق الحريري من جهة أخرى.

بعد أقل من أربع سنوات على هذه الإهانة، أقّلت طائرة ملكيّة سعودية الملك -الراحل- عبد الله والرئيس السوري بشار الأسد إلى لبنان في مشهد استثنائي. حاول أحد المعسكرين آنذاك تفسير هذا المشهد على أنّه محاولة لتهدئة الخواطر والحفاظ على أمن واستقرار لبنان، فيما قرأه المعسكر الآخر على أنّه انتصار له ولموقفه الثابت الذي اضطر السعوديين -مرّة أخرى- إلى التراجع والانحناء أمام نظام الأسد بالرغم من كل ما فعله بحقّهم.

اليوم، يكاد المشهد نفسه يتكرر لكن في ظروف مختلفة. بعد سنوات من موقف وزير الخارجية –الراحل- سعود الفيصل

أظهرت العديد من المؤشرات آنذاك أن السعودية تبتعد عن الموقف التركي- والقطري في الملف السوري رويدا رويدا وتنحاز أكثر فأكثر إلى الموقف الإماراتي والمصري الداعم لنظام الأسد.

في الحث على مواجهة نظام الأسد، وبعد التبدّل الجذري الذي جرى في السعودية لناحية مواقع الفاعلين السياسيين في العائلة المالكة، وموازين القوى الداخلية، يبدو بشّار الأسد أكثر تفاؤلاً بولي العهد السعودي محمد بن سلمان وبعودة السعودية إلى أحضان نظامه مجدداً.

  الموقف السعودي من الأزمة السورية كان قد بدأ يتحوّل في نهاية عهد أوباما، لكنّه أصبح أكثر وضوحاً مع صعود محمد بن سلمان في سلّم السلطة قبيل الأزمة المفتعلة مع الدوحة بقليل، حيث أظهرت العديد من المؤشرات آنذاك أن السعودية تبتعد عن الموقف التركي- والقطري في الملف السوري رويدا رويدا وتنحاز أكثر فأكثر إلى الموقف الإماراتي والمصري الداعم لنظام الأسد.

في يوليو من العام ٢٠١٧، كنت قد كتبت مقالاً عن التحوّل في الموقف السعودي من نظام الأسد، أشرت فيه إلى أنّ لدى السعوديين وهم في قدرتهم على "تخيير الأسد بين البقاء مع تخليه عن إيران أو الرحيل إن أصر على بقاء العلاقة مع إيران"، مشدداً على أنّ المشكلة في مثل هذا الطرح هي أنّ "مفاتيح بقاء أو رحيل الأسد ليست في يد السعودية حتى يتم اشتراط مثل هذا الأمر على الأسد، وهي لا تمتلك الآلية أو الأدوات التي تستطيع من خلالها فرض هذا الأمر، كما أنّ تخيّل بقاء الأسد من دون إيران هو بمثابة وهم كبير جداً".

بعد هذا الكلام بثمانية أشهر فقط، أي في مارس ٢٠١٨، خرج محمد بن سلمان في مقابلة له مع مجلة التايم الأمريكية ليقول بأنّ الأسد باقٍ في السلطة، ثم زاد بأنّه يأمل أن لا يصبح الأسد دمية في يد طهران! أعطت هذه التصريحات دفعة قويّة لعملية "إعادة شرعنة" نظام الأسد، وهي العملية التي تقودها كل من روسيا وإيران. كما سمحت تصريحات محمد بن سلمان لآخرين بأن يظهروا ما أبطنوا طويلاً ومنهم الجانب الإسرائيلي الذي بات على توافق مع الرؤية السعودية في عدد من الملفات.

في يوليو الماضي، قال رئيس الوزراء نتنياهو بأنّه لا توجد مشكلة لدى إسرائيل مع نظام عائلة الأسد، فطوال 40 عاما لم تطلق رصاصة في هضبة الجولان، مضيفاً بأنّ إسرائيل لن تتدخل في سوريا في حال تم الحفاظ على اتفاقيات وقف إطلاق النار في هضبة الجولان. وقد شدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بأنّ إسرائيل "لا تعارض استقرار نظام بشار الأسد في سوريا"، فالمهم هو أن " نحافظ على حربنا في العمل ضد أية جهة تعمل ضدنا".

لا تسمح مثل هذه المواقف بإعادة الشرعية لنظام لأسد، وإنما تعطيه القدرة على أن يصبح في موقع القيادة رويداً رويداً وأن يوازن مصالحه الخاصة من اللاعبين الإقليميين دون التخلّي عن تحالفه مع إيران. وبخلاف الموقف الإسرائيلي الذي يستطيع أن يؤثّر بشكل كبير على المعادلة السورية، فانّ السعودية لا تمتلك شيئاً. عملياً الأسد ينظر الى عودة السعودية الى أحضان نظامه على أنّها إقرار بخسارة الرياض للمعركة واستجداء لإعادة تطبيع العلاقات.

وفي هذا السياق، لا شك أنّ الأسد سعيد جداً بمبادرات ومواقف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وليس أدل على ذلك من تصريحات وزير خارجية الأسد ولي المعلّم الذي قال في مقابلة له مع قناة "روسيا اليوم" في الأول من سبتمبر الحالي إنّ دمشق لمست تغييراً في الموقف السعودي، مشيراً الى تصريحات عادل الجبير تحديداً.

حديث نظام الأسد عن تغيير في الموقف السعودي جاء بعدما كشفت شخصيات عديدة مقرّبة من النظام السوري أنّ محمد بن سلمان أرسل شخصياً عدّة مبعوثين خاصين إلى نظام الأسد في الآونة الأخيرة ليؤكّد له دعمه بقاءه في السلطة. في أغسطس الماضي على سبيل المثال، كشف نواف الموسوي، عضو حزب الله اللبناني والنائب عن كتلة الحزب، أنّ محمد بن سلمان أرسل مندوباً إلى الأسد يحمل عرضاً واضحاً، مشيراً |إلى أنه تضمّن دعمه بقاءه في الحكم وإعادة إعمار سوريا.

كذّب كثيرون هذه المعلومات في حينه، وبغض النظر عمّا إذا كانت صحيحة أم لا، فإنّ السياق العام الممتد لأكثر من سنة يشير إلى مسار السعودية تجاه النظام السوري.

لقاء الكروش ما كان له أن يتم لولا وجود ضوء أخضر سعودي إن لم يكن وزير الخارجية البحريني يحمل رسالة سعودية في الأصل.

لم نضطر إلى الانتظار طويلاً حتى نرى وزير خارجية نظام الأسد وليد المعلم في لقاء ثنائي حميم مع وزير خارجية البحرين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصفه كثيرون بلقاء "الكروش". من البديهي أنّ لقاء الكروش ما كان له أن يتم لولا وجود ضوء أخضر سعودي إن لم يكن وزير الخارجية البحريني يحمل رسالة سعودية في الأصل. قناة العربية السعودية (الحدث) احتفت باللقاء وبثّت مقاطع منه في إشارة واضحة الى نظام الأسد.

لا شك بأنّ نظام الأسد أصبح الآن في موقع يخوّله الاستفادة من العبثيّة السعودية بأفضل شكل ممكن. ومن يدري فلربما إن عجزت السعودية عن النيل من إيران، فلربما تتحول المدافع باتجاه تركيا  لا سيما وأنّ هناك مصلحة إماراتية-مصرية أيضاً في إبعاد اللاعب التركي من الساحة السورية.

شارك برأيك

أشهر الوسوم