الستينيات الجيل الرائع: وقائع حياة بين الكتب والفن

يا وطني الحزين

حوّلتَني بلحظةٍ

من شاعرٍ يكتبُ الحبَّ والحنين

لشاعرٍ يكتبُ بالسكين

هوامش على دفتر النكسة، نزار قباني

ما أجمل المذكرات التي تربط بين حياة المثقف مع كتبه! فعلها ماهر البطوطي في كتابه "الجيل الرائع: وقائع حياة بين الكتب والفن". ومن أمثال هذه الكتب "ذكريات عمر أكلته الحروف" لنجيب المانع، وكتاب "ضد المكتبة" لخليل صويلح، وكتاب "الكتب في حياتي" لهنري ميللر.

يختار ماهر البطوطي عنوان "الجيل الرائع" ليصف به أحداث عصره. وهي تسمية تقابل للعبارة الشهيرة "الجيل الضائع" التي أطلقتها جرترود شتاين على جيل همنجواي. جيل الستينيات يشمل مئات القمم، ولذلك لا يمكن ذكرهم بالاسم، أما من عرفهم الكاتب عن قرب فهم من عرفوا بجماعة الدكاترة: محمد عناني، عبد العزيز حمودة، سمير سرحان، نبيل راغب، جابر عصفور، ماهر شفيق فريد، وهذا الجيل له رواد مثل إدوارد الخراط، رجاء النقاش، بهاء طاهر، الطاهر مكي.

كما أن أفراد ذلك الجيل قد عاصروا أحداثا جساماً في تاريخ وطنهم وأمتهم، فهم قد عاصروا الاحتلال البريطاني لمصر، وعاشوا عصر خمسة حكام لبلادهم: الملك فاروق، محمد نجيب، جمال عبد الناصر، أنور السادات، مبارك. وعاصروا الحرب العالمية الثانية، وحرب 48، والعدوان الثلاثي 1956، وحرب 67، وحرب 73. وقد تأثر كل فرد من أفراد هذه الجيل بتلك الأحداث بدرجات متفاوتة، ويقدم ماهر البطوطي في كتابة بعض الملاحظات على تجربة هذا الجيل يجملها في تلك الملاحظات، فمنها حب التجديد والتجريب في الشكل والمضمون في كتابة الأدب، والارتباط بأفكار وإيديولوجيات معينة تسود الأعمال الإبداعية والنقدية، والاستغراق في الذات إلى درجة النرجسية، والولع بالسفر والترحال، والإحساس بالغربة، فضلاً عن التشاحن والبغضاء والغيرة ممن اشتهر من جيلهم، وأخيراً تأثير العامل الجنسي على كتاباتهم حتى بعد عبورهم المشكلة الجنسية.

تأثير نكسة حزيران/ يونيو 1967

يصف ماهر البطوطي أحوال مصر والقاهرة بعد نكسة 67، فقد انتظمت الحياة في القاهرة لكن بشكل مختلف هذه المرة عما كان سائداً من قبل. ساد الجميع شعور بسقوط المشروع القومي، وبالهوان من وجود إسرائيل على بعد قليل من العاصمة، وتم بناء السواتر أمام مدخل كل عمارة، وانتشرت أكياس الرمل في الشوارع، وران اللون الأزرق على كل نوافذ البيوت. بيد أنه قابل هذا موجة من الأفلام الإباحية انتشرت في سينمات القاهرة العامة، فلفت ذلك الأنظار كمحاولة لإلهاء الناس عن التفكير فيما يحدث.

وعلى الرغم من شؤم عام 67 في المجال العام إلا أن هذا العام كان مزدهراً لماهر البطوطي في النشر، فقد نشر العديد من الدراسات والترجمات ومنها مقال عن "أولاد حارتنا ومشكلة الشر" في مجلة الآداب اللبنانية، لكن العدد صودر في مصر، بسبب احتوائه على قصيدة نزار قباني الشهيرة "هوامش على دفتر النكسة". واستكمل ماهر البطوطي نشر نصوصه مثل ترجمته لقصيدة لوركا الشهيرة "مرثية مصارع الثيران"، ونشرها في مجلة الهلال التي كانت من أوائل المجلات التي طالعها في طفولته ومراهقته ففرح بالنشر فيها، ونشر مقالاً عن رواية "العجوز والبحر" لإرنست همنجواي في مجلة تراث الإنسانية التي تولاها العقاد، وكانت تهتم بمراجعات الكتب فقط. وتلا ذلك صدور ترجمته لكتاب "بابا همنجواي" الذي كتبه صديقه هوتشنز، وكانت هناك موجة من الاهتمام بأدب همنجواي بسبب ظروف موته، فالبعض قال إنها انتحار والبعض قال إنه قتل بالخطأ أثناء تنظيف بندقيته. وقد شجعه على ترجمة الكتاب سهيل إدريس، ولعل هذا الولع بالنشر والكتابة وسط الهزيمة هو طريقة لتلمس الخلاص الفردي في الأشياء الخاصة والاهتمامات الثقافية بعيداً عن فشل السياسة وأجواء النكسة الثقيلة، بعد أن تحطمت الكثير من الأمال والأحلام بسبب فجيعة الواقع.

في ربوع الأندلس

في أغسطس 1969 سافر ماهر البطوطي إلى إسبانيا منتدباً للعمل في المعهد المصري في مدريد، وفي الطريق إلى إسبانيا يتوقف للترانزيت في إيطاليا، ويصف للقارىء مشاعر الانبهار التي شبهها بمشاعر محجوب عبد الدايم بطل أحد روايات نجيب محفوظ عندما يدخل محفل الأثرياء وينبهر. فالمنظر مغاير تماماً لصالات الانتظار في مطار القاهرة، فكل شيء يبرق، والناس يروحون ويجيئون في نشاط وحبور، والشباب يتعانقون في حرية ولا أحد يكاد يلتفت لهم.، وفي هذه الأثناء وقع بصره على مكتب الخطوط الجوية الإسرائيلية إلعال، فانتابته رعدة، كانت أول مرة يرى شيئاً إسرائيلياً في حياته.

تعلم ماهر اللغة الأسبانية في القاهرة فضلا عن الإنجليزية التي يتقنها، وانتظم في دروس للغة الفرنسية وهو في مدريد، وتهلل عندما رأى ترجمة إسبانية لمسرحية هملت، وكان يحمل النسخة الإنجليزية فقرر شراء الترجمة الإسبانية ليتمرن فيها على اللغة المكتوبة، حيث إنه يكاد يحفظ المسرحية الأصلية.

وفي المكتبات انطلق يسأل عن شعرائه المحببين بالإسبانية لوركا ونيرودا، فلما دخل إحدى المكتبات وسأل عن كتبهم، رد البائع "سنيور نحن لا نبيع مثل تلك الكتب"، وتعجب ماهر من رد البائع إلى أن فهم السبب لاحقاً، حيث كانت المكتبات منقسمة إلى نوعين، الفريق الأول: المحافظون الذين يناصرون فرانكو والكنسية، وهؤلاء يبعدون عن مكتباتهم مؤلفات فيها شبهة الليبرالية، ناهيك بالاشتراكية والشيوعية؛ والفريق الثاني مناصرو الجمهورية، وهذه المكتبات توجد فيها كتب لوركا الذي قتل في الحرب الأهلية الإسبانية، ونيرودا المناهض لفرانكو.

في الكتاب وصف لقراءات ماهر بالإسبانية وحديث عن زياراته لمتاحف الفن، كل هذا متشابك مع الحديث عن حياته الوظيفية ومتطلبات العمل في المعهد المصري في مدريد. وقد قابل ماهر البطوطي المترجم الفلسطيني محمود صبح في المعهد، وكانت شهرة ماهر بدأت تنتشر بعد أن كتب غالي شكري أن من بين أفضل مترجمي الشعر صلاح عبد الصبور وماهر البطوطي.

وفي المكتبات انطلق يسأل عن شعرائه المحببين بالإسبانية لوركا ونيرودا، فلما دخل إحدى المكتبات وسأل عن كتبهم، رد البائع "سنيور نحن لا نبيع مثل تلك الكتب"

قابل ماهر البطوطي في المعهد الكاتب عبد الرحمن بدوي، وكان ماهر معجباً به وبكتبه، خاصة كتابه الحور والنور، وترجمته الفائقة لدون كيشوت، وهذا التعبير عن الإعجاب من ماهر أزال بعض التحفظ الذي اعتاد عليه عبد الرحمن بدوي مع الأغراب، وشرح بدوي لماهر كيف رجع إلى عدة طبعات إسبانية لدون كيشوت لمقارنة النص، وكيف غاص في تاريخ المفردات الإسبانية في عصر سرفانتس حتى يقدم الكلمة الصحيحة لما كتبه. وقد بقيت كلمات بدوي في ذهن ماهر البطوطي وجعلته يضحك ساخراً ممن يزعم أن بدوي ترجم دون كيشوت عن لغة غير الإسبانية.

في المعهد يقابل ماهر البطوطي العديد من المثقفين مثل محمد عبد الله عنان وهو من أشهر من اهتم بالدراسات الأندلسية وكذلك مختار العبادي. توقف البطوطي عن الكتابة والترجمة في إسبانيا منشغلاً بتعلم الإسبانية والفرنسية، وصدرت له في تلك الفترة ترجمته لرواية "صورة الفنان في شبابه" لجيمس جويس، وقد ترجمها قبل سفره إلى أسبانيا.

وأتاحت له مكتبة المعهد المصري في مدريد الاطلاع على كثير من كتب التراث مثل نفح الطيب للمقري، والإحاطة في أخبار غرناطة، ورحلة ابن بطوطة ورحلة ابن جبير ورسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي، والعديد من الدواوين الشعرية التي كان من الصعب الحصول عليها في القاهرة.

وأتاحت له الحياة في أسبانيا فرصة للتجول في مدنها، فسافر إلى غرناطة مهد شاعره المفضل لوركا. وفي الكتاب وصف للمزارات السياحية والأماكن التي ذهب إليها، وزار قرطبة وطاف في أرجاء جامع قرطبة الذي تحول إلى كنيسة، وانزوى وراء بعض الأعمدة وأدى الصلاة، وكانت تجربة مشاعر يصفها بأنها لا تنسى.

في فترة انتدابه إلى إسبانيا زار باريس، ووصف رحلته إليها والأماكن التي زارها في الطريق، ووصف رحلته إلى لندن للتعرف عليها، وزيارة بعض أصدقائه مثل المترجم محمد عناني، وحدثه محمد عناني عن مشاريعه الثقافية عندما ينهي الدكتوراة ويعود لمصر، وذكر له نيته ترجمة "الفردوس المفقود" لجون ميلتون، وبالفعل مرت السنوات وترجمها محمد عناني، وكذلك أخبره بنيته أن يترجم مسرحيات شكسبير إلى العربية وهو ما حدث لاحقاً.

قراءات وكتب

يخصص ماهر البطوطي فصلين في مذكراته لوصف الكتب، نقتطف منها بعض الإشارات. ويصف الكاتب لنا مكتبته وهو يجلس ويرى على الأرفف المؤلفين الذي يحبهم ويشعر أنه بصحبتهم، ويصف لنا ركن جيمس جويس في مكتبته، ويضم مؤلفاته فضلاً عن الكتب التي كتبت عنه، وذلك إلى مقتنيات تخص جويس منها صورة جويس على العملة الإيرلندية في عهد ما قبل اليورو.

ويتبع جيمس جويس على الأرفف وفي قلب المؤلف إرنست همنجواي. وفي الأرفف أيضاً كتب والت ويتمان الشاعر الأمريكي، الذي اقتنى ماهر البطوطي كل كتاب كتبه، حتى ترجمات ديوانه إلى الفرنسية والإسبانية. وقد أحسنت دار عالم الأدب مؤخراً بنشر ترجمة البطوطي لديوان والت ويتمان "أوراق العشب"، ليس هذا فقط بل نشرت أيضا "ديوان الغجر" للشاعر الإسباني لوركا ترجمة ماهر البطوطي، وكذلك رواية "الرئيس" للكاتب الجواتيمالي ميغيل أنخل أستورياس الحاصل على نوبل عام 67.

ومن المجموعات الأخرى كتب فرانز كافكا، فقد تركت حياة كافكا في نفس المؤلف أثراً بالغاً. ومن الموضوعات الأثيرة لدى ماهر البطوطي في مكتبته السير الذاتية واليوميات والمذكرات وكتب الرسائل الخاصة، وكتب السيرة التي يكتبها متخصصون عن الأعلام، ومن المتع التي يصفها في الكتاب مقارنته بين السيرة الذاتية التي يكتبها صاحبها عن حياته، وبين سيرته بقلم باحث محايد يرجع فيها إلى الوثائق والكتب ويكشف عن الكثير مما أغفله مؤلف السيرة الذاتية عن نفسه. ويذكر مثالاً على ذلك سيرة بابلوا نيرودا وما كتبه عنه "آدم فينستاين" حيث ذكر الكثير من الأشياء التي لم يشر إليها نيرودا.

وفي الكتب العربية يذكر ديوان المتنبي، ومجموعة روايات نجيب محفوظ، وكتب لويس عوض وسيرته "أوراق العمر"، ويذكر هواية طريفة هي اقتناء توقيعات الأدباء على كتبهم، وكان أول توقيع يحصل عليه لجيمس جويس. وضمت مكتبته العديد من الكتب التي جمعها وفيه تواقيع أصحابها مثل ألبير كامو، ماركيز، كولن ولسون، وتوقيع بابلو نيرودا الذي تعب في الحصول عليه، إلى أن وجد صديقاً من تشيلي مكنه من الحصول على كتاب من توقيع نيرودا، ولم يستطع الحصول على توقيع لوركا لأنه باهظ الثمن. وقام بجمع توقيعات الحاصلين على نوبل ووجد أن أغلى توقيع هو توقيع تشرشل، رغم أن تشرشل دخيل على الأدب. أما أعز توقيع على قلبة فهو توقيع نجيب محفوظ طلبه من الكاتب محمد سلماوي وأرسله له.

ماهر البطوطي: حياة بين الكتب والفن

أحببت مذكرات ماهر البطوطي التي يستكمل فيها سرد أحداث حياته بعد عودته من إسبانيا إلى مصر، وقصة زواجه وولادة ابنه شريف، وعمله في الأمم المتحدة، وقد أعجبني هذا المزج بين الخاص والعام، وبين المشاعر الشخصية وتجارب الحب وبين حديثه عن الأدب والفن. كانت حياته كما يظهر في المذكرات تندمج فيها ترجماته وما يكتبه في الأدب وما يعيشه، وأحببت صراحته وهو يحكي عن قصص الحب التي خاضها، وكتب عن إيمانه وعلاقته بالقرآن ففي النهار كان يقرأ كتاب "الصورة الشعرية عند شكسبير ودلالاتها" وفي الليل يقرأ في سورة النور وتغشاه مشاعر إيمانية يصفها وصفاً جميلاً في الكتاب.

وأحببت ما يذكره عن مساعدة الناقد صلاح فضل له في الغربة في إسبانيا، وكذلك عندما يذكر اسم ماهر شفيق فريد في المذكرات، وأتذكر أن أول من نبهني لترجمات ماهر البطوطي هو ماهر شفيق فريد الذي يكن له أعمق الاحترام كما ذكر ذلك في كتابه "قص يقص". ولعل من يقرأ الكتاب سيجد الكثير مما عاشه هذا الجيل وكذلك الكتب التي كانت تستحوذ على الاهتمام في ذلك الوقت.

شارك برأيك

الأكثر تفاعلاً

أشهر الوسوم