السترات الصفراء وسقوط خطاب اليمين

حاولت بعض الأطراف السياسية في بداية الاحتجاجات التي قامت بها حركة السترات الصفراء إلقاء مسؤولية أعمال العنف التي صاحبت هذه الاحتجاجات على الفرنسيين من أصول مهاجرة، وقد جاءت هذه الاتهامات من مختلف أطياف النخب الفرنسية، ولا يُستثنى من هذا حتى الجناح اليساري ويمكن تفسير هذه الاتهامات بالنزعة السلطوية عند تلك النخب التي فزعت من الشعب فحاولوا إنكار الحراك في بداياته، وعزوه إلى الجماعات ذات الأصول المهاجرة لتكون كبش فداء آخر يحل محل الشعب الذي يجب أن يبقى خارج المشهد.

لم تصمد تلك الاتهامات طويلاً ولم تلق أي صدى أمام صمود الحركة وتوسعها وانضمام قطاعات أخرى من المجتمع الفرنسي إليها كسائقي الشاحنات وطلاب المدارس الثانوية.

الكاتب والصحفي الفرنسي من أصول جزائرية زعيتر ميلود في تعليقه على مجريات الأحداث قال: "لم يجرؤ أي طرف على تحميل المشكلة للمهاجرين فحتى اليمين المتطرف العدو التقليدي للمهاجرين لم يستطيع تجير الأحداث الحالية لمصلحته الحزبية "مضيفاً" أن الفرنسيين من أصول مهاجرة هم مواطنون فرنسيون بالدرجة الأولى كما يقر دستور الجمهورية، وهم يشاركون من موقعهم في الهيكل الاجتماعي كمواطنين فرنسيين متضررين من السياسة الإصلاحية للحكومة الحالية"، وفي رده على بعض التعليقات التي وردت على لسان بعض الإعلامين والنشطاء العرب والتي تُحمّل مسؤولية أعمال العنف للمهاجرين يقول "من المؤسف أن نسمع مثل هكذا اتهامات للعرب والمسلمين في فرنسا وتحميلهم المسؤولية عن أعمال العنف من قبل البعض، أعتقد أن الذي يطلق هكذا أحكام هو جاهل بالمطلق بالتاريخ الفرنسي وبعلاقة فرنسا بالمهاجرين الذين ساهم جزء كبير منهم في بناء فرنسا كما نشهدها اليوم، ومن الطبيعي أن يتخلّل أي حركة احتجاجية مطلبية أعمال عنف خاصة في حال اتقاد الحماس وفورة مشاعر الغضب ويمكن أن تستغل المظاهرات من قبل بعض العناصر المخربة ولكن هذا لا يسيء إلى الحركة ولشرعية مطالبها".

"من المؤسف أن نسمع مثل هكذا اتهامات للعرب والمسلمين في فرنسا وتحميلهم المسؤولية عن أعمال العنف من قبل البعض

ظهور الحركة بحد ذاته وجّه ضربة لخطاب اليمين وسياساته الهوياتية القائمة على تحميل الأزمة وردها "للآخر المهاجر"، فكل التحالفات السياسية والبرامج الانتخابية اليمينية قائمة على أساس العداء للمهاجرين، فحسب زعمه أن مشاكل فرنسا لا يمكن أن تحل إلا بإنهاء سياسة الأبواب المفتوحة وعودة المهاجرين إلى بلدانهم.

جاءت الحركة لتقول إن المشكلة في الداخل في بنية المجتمع الفرنسي، في اختلال توزيع للثروة وفي الأطر السياسية التقليدية من أحزاب ونقابات وبرلمانات والتي لم تعد تُمثّل الفرنسيين وتعبر عنهم.

وفي هذا السياق كتب سامي الكيال في مقاله الصادر في جريدة القدس العربي بعنوان عودة الاجتماعي "فحتى يومنا هذا ما زالت فرنسا الميدان الذي يمكن من خلاله بوضوح اختبار المفاهيم الأساسية لعلم الاجتماع. وما يحدث فيها يعد مؤشرا مهما لاتجاهات الحراك الاجتماعي على الصعيد الأوروبي والعالمي. فبعد عقود من تسيّد المقولات الثقافوية والهوياتية في تحليل المجال العام، تقوم حركات مثل «السترات الصفراء» بإعادة إحياء تقليد احتجاجي عريق، انطلق تاريخيا من فرنسا: نصب المتاريس في الشوارع، والدخول في مواجهة مفتوحة مع السلطة، وهو التجسيد الأكثر التصاقا بالمخيلة لفكرة الصراع الطبقي، ما يُنبئ بعودة العامل الاجتماعي بقوة في عالم اليوم."

وبالعودة إلى موضوع الهوية والانتماء، من الصعب تجاهل مأزق الثقافة الحديثة وتنكرها للموضوع، فهي لا تعترف بتلك القضايا أو تعتبرها انحرافا يجب محاصرته وعزله في الهامش. لكن قضية الانتماء والهوية، في القلب من مأزق الأنظمة الغربية اليوم، وعلى هذه الأنظمة والنخب أن تعترف بمركزية سؤال الهوية والانتماء، ثم تحاول أن تبحث عن تسويات ومخارج تاريخية مناسبة للتعامل معه بشكل جدي وحقيقي وليس كما يطرح اليوم من سياسات ومصطلحات تلفيقية كموضوع الاندماج وحوار ثقافي بين" الهويات المختلفة ".

قضية الانتماء والهوية، في القلب من مأزق الأنظمة الغربية اليوم، وعلى هذه الأنظمة والنخب أن تعترف بمركزية سؤال الهوية والانتماء

من هذا الجانب بالتحديد وبعيداً عن التفسيرات السياسية والاقتصادية لحركة السترات الصفراء في فرنسا، يسعنا المجازفة والقول أن الحركة تساهم لحد ما بتقديم طرح مختلف لموضوع الهوية والانتماء فالحركة منتفضة على الأوضاع الاقتصادية والمعاشية السيئة في مواجهة السلطة السياسية المتبنية لسياسات نيولبرالية تقوم أيديولوجيتها على خطاب هويّاتي يقسّم البشر على أساس انتماء عرقي ثقافي، وهو خطاب يمين بأصله.

بينما السترات الصفراء بحركتها المادية العفوية المضادة لتلك السياسات الاقتصادية تُقدّم تصوّراً مختلفاً لموضوع الهوية، فعماد الحركة هو الطبقة المتوسطة والطبقة العاملة الفرنسية سكان المدن الصغيرة، وانضم لها لاحقاً سكان الضواحي من أصول مهاجرة في المدن الكبرى كباريس وبوردو وبهذا التركيب المجتمعي المتنوع ساهمت الحركة بصوغ رؤية عن التناقضات لمجتمعية القائمة على أساس الصراع الطبقي والمتناقض جذرياً مع الإيدولوجيا اليمينية التي روجت لسياسات الهوية والانتماء الثقافي في الفترات السابقة.

السترات الصفراء والشارع العربي.

لا يمكن مقارنة الاحتجاجات الفرنسية بانطلاقة الثورة السورية بمرحلتها الأولى فكل السياق الفرنسي مختلف تماماً عن سياق الربيع العربي حتى لو حدث بعض التشابه في شكل الاحتجاجات واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي من أجل الحشد والتنظيم.

ما يهمنا هو الموقف من حركة السترات الصفراء بالنسبة للشارع العربي والسوري بالتحديد.

لا يسعنا إلا أن نؤكد أن بنية النظام الدولي الحالية تتقبل دكتاتورا كبشار الأسد

حركة السترات الصفراء حركة احتجاجية ضد مجمل النظام السياسي والاقتصادي الفرنسي الذي هو بطبيعة الحال جزء من النظام العالمي لابل في صلب ذلك النظام والرئيس ماكرون يسعى لدمج فرنسا أكثر بسياسات العولمة وتبني أكبر للسياسات النيولبرالية وهذا النظام العالمي هو بالضبط الذي حمى النظام السوري ووجه الاتهامات للثورة السورية منذ بداية انطلاقتها بأنها ثورة دينية متعصبة مشككاً بوجود شعب منتفض ضدّ نظام سياسي دكتاتوري دموي، ورغم الانتقاد للنظام بالظاهر والمطالبات بإسقاطه إلا أن الحقيقة هي أنه ما كان للنظام السوري أن يستمر بقتله للسورين لولا موافقة النظام العالمي وما أبرمه من صفقات على حساب الشعب السوري وثورته، والرئيس ماكرون نفسه قد صرح في وقت سابق بأن بشار الأسد هو عدو لشعبه وليس عدواً لفرنسا وليس من المستبعد إعادة العلاقات مع النظام السوري ورغم تراجعه لاحقا عن تلك التصريحات إلا أنه لا يسعنا إلا أن نؤكد أن بنية النظام الدولي الحالية تتقبل دكتاتورا كبشار الأسد.

حركة السترات الصفراء واحتجاجاتها هي على مجمل هذه المنظومة، فهي حركة احتجاجية مطلبية محلية إلا أنها تحمل تطلعات كونية تتقاطع مع مصلحة الشعوب.

من الصعوبة التنبؤ بمآلات الحركة وديمومتها وتحميلها أبعاد إيديولوجية أكبر من حجمها، وليس من المؤكد أنها ستحقق كافة مطالبها ولكن المؤكد أنها أسقطت خطاب اليمين وفتحت الأفق أمام رؤية مختلفة للمجتمعات والصراعات تكون فيه الشعوب مؤثرة وفاعلة وليست آخر متأثر يدفع ضريبة سياسات تفرض عليها من فوق.

شارك برأيك

أشهر الوسوم