الرَعايا لا يبنون دولة الرِعاية (المواطنة)

ما ميّز الدول في منطقتنا عموماً، وفي سوريا على وجه التخصيص، بعد الاستقلال في أواسط القرن العشرين، أنها كانت دولاً هشة، لم تتمكن من بناء مؤسساتها الحديثة، وعندما أجهزت أنظمة العسكر والمخابرات لاحقاً على تلك البنى الوليدة، بقيت العلاقة بين الدولة والناس غامضة، وتميل إلى مصلحة الدولة/ البعبع الجديد، التي احتفظت -وحدها- بحق تفسير الدساتير والقوانين التي تكتبها بما يخدم مصالح القائمين عليها.

لم تخلُ مرحلة الاستقلال وما بعدها بقليل من بعض التحديثات في الحياة السياسية، وأهمها الانتخابات والبرلمان والأحزاب السياسية، حيث شهدت تلك الفترة نشاط الأحزاب القديمة والجديدة، مثل البعث والإخوان المسلمين والشيوعيين والقوميين السوريين، ودخولهم البرلمان، على الرغم من الهجوم الشديد لتلك الأحزاب على تلك الأنظمة البرجوازية والإقطاعية التي وفرت لهم بطبيعتها حقَّ الدخول والمنافسة في العملية السياسية، لا كما فعلت هي لاحقاً بحق خصومها. وما إن تمكنت معظم هذه الأحزاب من التغلغل في الجيش، وأدخلته الحياة السياسية، ليسيطر في نهاية المطاف على مقاليد الحكم ويستحوذ على حياة الناس ليس فقط السياسية، بل على مختلف أشكال النشاط البشري (الاجتماعي والاقتصادي)، إذ أخضعت سلطة العسكر والمخابرات الجديدة المجالات كلها.

ما كان يميز تلك الأحزاب في ذلك الحين (ومنها ما هو مستمر إلى اليوم) أنها كانت تعطي لنفسها الحق في الوصاية على الناس، من خلال امتلاكها ناصية المعرفة والحق والصواب، رغم تعدد المشارب، فهم الطليعة، أو الحزب القائد أو الفرقة الناجية، وبالتالي ما كان يحكم نظرتها إلى الشعب أو الطبقات التي يدعون تمثيلها هو أنهم رعايا، وعليهم واجبات، وليس لهم حقوق، بينما هم "أصحاب اليمين"، يقدمون ما يرونه يلبي حاجات الناس، ويعدّونه مكرمة أو منحة أو فضلاً.

بالطبع، كانت تلك الأحزاب متأثرة إلى حدٍ بعيد بمناخ الاستقطاب السياسي الدولي وقتها، وبالصراع البارد بين الكتلة السوفييتية والمعسكر الغربي والأميركي، حيث كانوا يعدّون الديمقراطية خدعة برجوازية تمارسها الإمبريالية لخداع ونهب الشعوب، وكان انحيازهم أكثر إلى طرف الكتلة الأولى التي استقوا منها الكثير في رؤيتهم وبرامجهم السياسية، وحتى في بنية أحزابهم القائمة على المركزية الديمقراطية، التي تُرجمت إلى الدكتاتورية، في ظل غياب الديمقراطية في البلاد، ولا يُستثنى من ذلك حتى التيارات الإسلامية.

بعد استيلاء العسكر على السلطة في سوريا، في أواسط الستينيات وصولاً إلى سيطرة آل الأسد في عام 1970، لجأ إلى تجميع

قيّد الأسد الأب هوامش العمل السياسي حتى ألغاها بالكامل، واستكمل سيطرته على الجيش والمخابرات على أسس طائفية

هذه الأحزاب حوله في صيغة مستوردة من تجارب "الأصدقاء"، وهي الجبهات الوطنية، فلبّى كثيرون، وعارض البعض، لكن معارضتهم لم تكن بسبب تبني تلك الأحزاب لقيم الديمقراطية والحرية.

قيّد الأسد الأب هوامش العمل السياسي حتى ألغاها بالكامل، واستكمل سيطرته على الجيش والمخابرات على أسس طائفية، فواجه الحراكَ الشعبي في أواخر السبعينيات بالحديد والنار، وأنهاه في المجزرة الرهيبة التي ارتكبتها قواته في حماة عام 1982.

إلى جانب تلك الأحزاب القديمة، بشقيها المعارض والمؤيد، تأسست أحزاب وجماعات جديدة تمتح من نفس البئر، الذي تغذي مياهه روح النخبوية والوصاية على الناس، وإن كانت بأشكال مختلفة، من دكتاتورية البروليتاريا، إلى سلطات الجبهة الشعبية، من دون نسيان الداعين إلى الخلافة.

بعد التحولات الكبرى التي حدثت في تسعينيات القرن الماضي، في أعقاب سقوط معسكر الكتلة السوفييتية، والاحتلال الأميركي للعراق الذي دشنّ تماماً عصر القطب الواحد؛ طغت موجة التحول نحو الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان، والمواطنة وغيرها من المصطلحات التي تبناها الأيديولوجيون السابقون الذين يعادون تلك القيم بالجوهر، كونهم نتاج بيئة دكتاتورية تستبعد الناس من المشاركة، كما استبعدهم الدكتاتور الحاكم، وذهبوا فيها بعيداً في تطعيمٍ غير ناجح لأيديولوجيتهم السابقة، حيث بقي الجذر دكتاتوريًا، مما كان يعرّض الثمر في أي لحظة للعطب، وهو ما حصل ويحصل يومياً.

مع انفجار الثورة السورية عام 2011، بعد نجاح تجربة تونس ومصر ورحيل الحكام هناك، رحّبت معظم هذه الأحزاب بالثورة ومن زوايا مصلحية مختلفة، فلجأت إلى تشكيل هيئات سياسية ومدنية، كان أغلبها مرتهناً للخارج، وجعلت من شعارَي الكرامة والحرية اللذين نادى بهما الثوار دينها الجديد، لكن في الوقت نفسه ظلت ممارساتها محكومة بالطريقة القديمة، أي الطريقة الاستقصائية، فلم يكن اتفاقها المؤقت الذي أتى نتيجة الضغط الشعبي والأوامر الخارجية سوى تعبير عن اتفاق زائف، سرعان ما تفجّر بكيل التُّهم لبعضها وتحميل المسؤولية للآخر، والمهم في الأمر هو عدم إقرار أي طرف بأي خطأ له، وإنما الآخرون هم المخطئون دائماً.

تعامل كثير منهم حتى مع الديمقراطية والمواطنة كأصنام، وصار مطلب دولة المواطنة على كل لسان، لا بل تحول إلى أيديولوجية خليط جديدة، من دون معرفة الظروف التاريخية والاقتصادية والثقافية التي نمت فيها تلك النظريات. كانت دولة المواطنة صيغة جديدة برزت بعد الحرب العالمية الثانية وأهوالها، كنقيض لدولة الحرب، كما أنها نقيض لدولة البروليتاريا، ولحماية المواطنين من تقلبات

لم تكن المواطنة بالنسبة إلى تيارات اليسار السوري الدكتاتوري في جوهره سوى باب جديد للتميّز، وسط سوق النخاسة السياسي الذي يطلبه الغرب

السوق في الدول الغربية، ولم تجسدها الدول الأوروبية بكل فروعها: المواطنة المدنية والسياسية والاجتماعية إلا مع بداية السبعينيات، عقب الاحتجاجات التي سادت في أوروبا (أيار 1968) بنزعتها الاشتراكية والتحررية. وكانت بالنسبة إلى الدول الأوروبية صفقة لاقت المحتجين في منتصف الطريق، في محاولة لتجنب المزيد من الفوضى والعنف، والنتائج غير المضمونة، فكانت دولة الرعاية أو الرفاه، أو المواطنة.

لم تكن المواطنة بالنسبة إلى تيارات اليسار السوري الدكتاتوري في جوهره سوى باب جديد للتميّز، وسط سوق النخاسة السياسي الذي يطلبه الغرب، بعد الإفلاس الكبير للأيديولوجيات الكبرى السابقة، حيث كشفت الأحداث الأخيرة عن تجذر الفكر الدكتاتوري وتوغله عميقاً في بنى وذهنية تلك التيارات. وقد ظهر ذلك من خلال استعدائها، مثل المجرم الأسدي، كتلةً كبيرة من السكان بحجة "أنها قاعدة أو جمهور لداعش أو للتيارات الإسلامية المتطرفة، وادعائها المظلومية حقيقية أم متخيّلة"، وكأنما حرق البشر وقصف المدن ومئات آلاف المعتقلين كلها توهمات، لا بل انتصارات تاريخية.

ليس مستغرباً من بعض التيارات كيل المديح لتنظيم من نفس الجذر (الدكتاتوري) لكونه "هزم" داعش، على الرغم من أن الوقائع تشير إلى أن التحالف بقيادة أميركا هو من قام بتدمير مدن بأكملها بقوة نيران التحالف ودفن البشر تحت الأنقاض، لسبب بسيط وهو أنهم رعايا من عبدة الاستبداد.

الديمقراطية والحرية هما نتاج نضال شاق طويل وممارسة مستمرة، تقوم على الاختلاف واحترام الآخرين، ولا يكفي الادعاء بهما، كما لا يمكن أن يكونا غطاءً لتبرير مواقف دكتاتورية أيا كان مصدرها بحق البشر، مهما كان عددهم وتحت أي مبرر. ولن يكون هناك سلاح أفضل من الديمقراطية والحرية، لمواجهة أصحاب الجذور الدكتاتورية في معركة الحرية الطويلة.

شارك برأيك

أشهر الوسوم