الربيع العربي والتضحية بالوطن

انضمام الجزائر والسودان إلى الربيع العربي عبر مظاهرات حاشدة أجبرت كلا الرئيسين بوتفليقة و البشير على التنحي والمحاكمة أعطى أملا جديداً بأن الفشل الذي رافق الانتقال الديمقراطي في كل من مصر وسوريا واليمن وليبيا سيكتب له النجاح في كل من السودان والجزائر لا سيما أن كلا الدولتين ربما تعلمتا من الدرس جيدا وأن التضحية بالرئيس أسهل وأقل تكلفة من التضحية بالوطن

فشلت دول الربيع كمصر وسوريا وليبيا واليمن في إنجاز عملية التحول السياسي باتجاه بناء نظام ديمقراطي وليبرالي

كما في الحالة السورية حيث انتهى بلد اسمه سوريا إلى غير رجعة وأصبحت سوريا دولة فاشلة لا مستقبل لها أو لأبنائها ما بقوا داخلها، لاسيما مع بقاء الأسد على رأس هذا البلد.

في عام 2011 بدا الربيع العربي في أوجهه ومع نهاية عام 2013 تحولت الدول العربية التالية كاليمن وليبيا وسوريا إلى خريف حرب أهلية طاحنة لا مخرج منها، والآن بعد تسع سنوات على بداية شرارة الربيع العربي فشلت دول الربيع كمصر وسوريا وليبيا واليمن في إنجاز عملية التحول السياسي باتجاه بناء نظام ديمقراطي وليبرالي في حين ما زالت السودان والجزائر تصارعان وتبحثان عن طريق لهما يحقق طلعات الشباب الذي كان في طليعة المظاهرات المليونية الحاشدة التي ملأت شوارع العواصم العربية.

في الحقيقة هناك عدة أسباب تفسر هذا الفشل، وتدل عليه، وهذه الأسباب لا تنبع أبدا من خصوصية المنطقة العربية وعدم تشابهها مع مناطق أخرى من العالم، وإنما تنبع تماماً من مقومات الدولة العربية الحديثة التي حكمت في تلك البلدان وخيار النخب الحاكمة في السلطة والمعارضة في الاتفاق على طريق للتحول الديمقراطي والانتقال من الاستبداد إلى التعددية.

فقد اصطدمت الثورات العربية بشكل قوي بهياكل مستبدة تعود إلى الأنظمة السابقة مع عدم رغبتها في التحول نحو دمقرطة المؤسسات وإدارة عملية التحول بذاتها كما جرى في مناطق أخرى من العالم كأوروبا الشرقية، بالعكس لعبت هذه الهياكل دورا تدميريا ليس في عرقلة عملية التحول فحسب وإنما في تدميرها عبر المساعدة في خلق منظمات عسكرية غير حكومية

جامعة الدول العربية مؤسسة تقليدية لا تحكمها مؤسسات ديمقراطية أو قانونية وهي أصلا ليست معنية بدفع هذه الأمور فضلا عن فرضها كوقائع سياسية على الأرض

كما حدث مع داعش في سوريا والعراق ، وحزب الله في سوريا ولبنان والعراق، والحوثيين في اليمن ، كل هذه الهياكل العسكرية تم تشكيلها بشكل مباشر أو غير مباشر على يد هياكل الأنظمة السياسية السابقة بهدف عرقلة عملية التحول والانتقال، ولذلك انتقلت كل هذه البلدان إلى مرحلة من الفوضى العسكرية وليس السياسية فحسب وهذا ما يفتح الباب واسعا لدخول هذه البلدان إلى الحرب الأهلية لتفتيت بناها الاجتماعية الضعيفة أصلا والمكونة من انتماءات قبلية وطائفية ما قبل دولتية.

العامل الأخير الذي لعب دورا في فشل عملية التحول في دول الربيع العربي هو الافتقاد إلى مؤسسات إقليمية تقود أو على الأقل ترعى عملية التحول كما جرى مع الاتحاد الأوروبي في أوروبا الشرقية، فجامعة الدول العربية مؤسسة تقليدية لا تحكمها مؤسسات ديمقراطية أو قانونية وهي أصلا ليست معنية بدفع هذه الأمور فضلا عن فرضها كوقائع سياسية على الأرض وبالتالي تركت كل بلد من بلدان الربيع العربي يأخذ مسارا خاصا وربما كانت تونس استثناء له مقوماته الخاصة، بينما تبقى دول الربيع العربي الأخرى كسوريا وليبيا واليمن ومصر كي تمر عملية التحول عبر التجريب بالنسبة لنخبها السياسية المعارضة وتكون أكثر صعوبة في تردد المجتمع الدولي في دعم عملية التحول السياسي حتى سمح لعملية التحول هذه أن تنزلق إلى صراع مسلح وربما حرب أهلية، وللأسف تبدو الحقيقة المرة اليوم أن الحرب الأهلية هي الخلف الطبيعي لطبيعة الأنظمة التسلطية التي حكمت بلداننا العربية لعقود طويلة من الزمن.

شارك برأيك

أشهر الوسوم