الذكاء الاصطناعي والغباء السياسي

منشد الثورة والقيادي في الجيش الحرعبد الباسط الساروت (إنترنت)

إلى جانب تعقب حيواتنا وتحولاتنا وتنقلاتنا، تقوم المواقع الأساسية في الشبكة العنكبوتية كغوغل والفيسبوك، بطرح إعلانات موجهة لكل منا تتعلق بميوله الشرائية أو القرائية او السماعية أو ...إلخ. وهي تتعقبه في تنفسّه لتعرف أهواءه وتقترح بالتالي عليه ما يناسبها من الفقرات الإعلانية التي كثيراً ما تفاجئنا بدقتها. إلى جانب الإعلانات، تُتحفُنا مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً بإعادة نشر أخبار قديمة نسبياً أو كثيراً ومرتبطة بحدثٍ جديد. فيعمل الذكاء الاصطناعي عمله ويربط الأحداث ببعضها وينتخب في ذاكرته ما يراه مناسباً ويقترح أن يذكرنا بواقعة مرتبطة بهذا الحدث أو بعناصره في ماضٍ من الزمن. وتحمل هذه التجربة عديدا من المفاجآت وتذكرنا أيضا بالكثير من المنسيات. إلا أننا، كأفراد، نقوم أحيانا بنبش ماضينا الإلكتروني وإخراج ما نعتقد بأنه مرتبط بحدث جديد ونستعرض من خلاله مقدرتنا السابقة لعصرها في توقع وفي تحسس الآتي من الأحداث.

بكل بساطة، يقول عنوان المقال المنشور في صحيفة الليبراسيون الفرنسية واسعة الانتشار: "فليسقط أبطال الثورة السورية"

في يوم استشهاد عبد الباسط الساروت، الرمز الثوري السوري، ظهر على شاشة حاسوبي مقالٌ لتجمع سينمائيين ارتأوا أن يحتفظوا بأسمائهم مبهمة رغم معرفة كل من يتابعهم ويعجب بأعمالهم بها. ومن العنوان توقعت الأسوأ، ولم أنتبه إلى التاريخ، فظننت للوهلة الأولى بأنه منشورٌ في اليوم نفسه. ماذا يقول العنوان؟ بكل بساطة، يقول عنوان المقال المنشور في صحيفة الليبراسيون الفرنسية واسعة الانتشار: "فليسقط أبطال الثورة السورية". وعلى عادة الباحث الذي لا يستند فقط إلى عنوان ربما يحمل تحريضا ليقول عكسه في النص، وعلى الرغم من صدمتي المبدئية بالعنوان، إلا أنني لم أحكم على النص إلا بعد أن قرأته ثلاث مرات. القراءة المتتالية ليست دليلاً على صعوبة النص وعمق مفاهيمه، بل ترتبط هذه القراءة المتكررة بالدهشة التي تحاول أن لا تصدق ذاتها.

فالنص المستعاد عمداً من أصحابه يوم استشهاد الساروت، والذي سبق نشره سنة 2015 عشية خروج الساروت من حمص ووقوعه لفترة وجيزة في أحضان متطرفين إسلاميين، وهو الشيء الذي كتبت فيه صفحات طويلة شارحة أسبابه المرتبطة بمآلات الحراك السوري بمجمله، النص هذا يدور حول الشهيد نفسه. إن تعمّد إعادة نشره، رغم افتراض علم أصحابه المثقفين بتطورات الأسباب التي دفعتهم بغيرتهم التقدمية إلى التنديد بالساروت حينها، يعني بأنهم متمسكون بموقفهم ضيق الأفق الذي دفعهم الى كتابة مقالهم منذ سنوات أربع. كما يدل على أنهم انفصلوا عن تطورات الحدث الساروتي منذ ذاك التاريخ.

من الجمل البافلوفية في النص، نتوقف مثلا عند عبارة يمكن لمن ينطق بها أن يدعى إلى برامج عديدة في التلفزيون المصري مثلاً والتي تندد بمطالبات ديمقراطية لمن يعتبر دهماء الإعلام المصري بأن أفكارهم لا تمت للديمقراطية بصلة. يقول النص: "هل يمكن أن نستمر بالإيمان بوجود ثورة في سوريا ما دام أبطالها ـ والقصد هنا الساروت ـ ينتمون إلى أفكار من يعادي الديمقراطية؟". ومن ثم يستعرض المقال مسار الساروت، متهكماً أساساً، ومن باب الغيرة الفنية أو عداوة الكار، على فيلم "العودة إلى حمص" لطلال ديركي الذي صوّر ـ ودائماً حسب المقال ـ الساروت كبطل وحتى كمسيح يمشي على الماء في مشهد يظهره وهو يمشي على أكتاف الجموع الملتفة حوله. ولا يقتصر الأمر على الاستخفاف بالفيلم الوثائقي الذي حصد جوائز عالمية عدة، إلا أنه أيضاً يُضيف بهارات مطلوبة لكل وسائل الإعلام البافلوفية عربيا وأوروبيا، ويفتح الباب على مصراعيه لأصحاب هذا التجمع السينمائي "المجهول" لكي تتم استضافتهم في برامج تنتمي إلى عالم اليمين المتطرف أوروبيا أو إلى عالم اليسار المتخشب عربياً، فيتعرض لدور قناة الجزيرة في إطلاق صفات البطولة على الساروت.

على "أبو نضارة" الاكتفاء بإمتاعنا بشرائطه السينمائية المتميّزة حتماً وترك السياسة والخوض في تحليلاتها إلى أهلها أو له إن رغب، على أن يُعبّر عنها على قهوة ناصية الشارع

إن تحدثت عن الراديكالية الإسلامية خالطاً شعبان برمضان ومتجاهلاً المسارات والوقائع، كما وإن زينت حديثك بالتهكم على دور قناة الجزيرة، فثق حتماً بأن أبواب الشهرة الغربية ستفتح لك. هذا ما اقتنع به أصحاب المقال عند نشره للمرة الثانية في يوم الاستشهاد. ومن باب حسن الظن، فإن نشره للمرة الأولى سنة 2015 كان ردة فعل على حدث بعينه ودون أي خلفية معرفية أو رؤية مستقبلية. ولكن إعادة نشره ممن يعرف أو أنه يدّعي معرفة تطورات المشهد السوري، فهو بالتأكيد ليس فعلاً بريئاً، رغم أنه يظل في حيّز حرية التعبير عن الرأي ويحق لمنتقديه الذين لطالما أعجبتهم "نهفات" هذا التجمع السينمائية المسمى بـ "أبو نضارة" أن يوجّهوا له النقد وعلى أشده.

من المؤسف حتماً أن يُدعى كلٌ إلى الانهماك في عمله والتموضع في حقل اختصاصه، إذ إن المثقف الجامع هو نموذج اليوم. بالمقابل، يبدو أن مستوى الجهل أو التجاهل لدى بعض المثقفين بكافة تفاصيل المشهد تدفع لدعوتهم الى الاهتمام بالاختصاص. فلن أخوض أنا مثلاً في تفكيك عمل سينمائي وتحليل جوانبه الفنية، وربما أكتفي بإبداء إعجابي أو عدمه، وهكذا يكون لي رأي. وبالتالي، فعلى "أبو نضارة" الاكتفاء بإمتاعنا بشرائطه السينمائية المتميّزة حتماً وترك السياسة والخوض في تحليلاتها إلى أهلها أو له إن رغب، على أن يُعبّر عنها على قهوة ناصية الشارع. وإلا فسيحل الغباء السياسي محل الذكاء الاصطناعي في المشهد الثقافي السوري على الأقل.

 

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم