الديموقراطية الفرنسية في مواجهة العنصرية الصهيونية

 ليس جديداً الحملة الإعلامية للمنظمات اليهودية- الصهيونية الفرنسية للضغط على السياسيين من أجل إصدار قوانين جديدة تشل أية إمكانية لتوجيه النقد إلى السياسة الإسرائيلية في تعاملها مع الفلسطينيين أو في نفوذها المؤثر على المجتمعات العالمية، إعلاماً واقتصاداً ومراكز قرارٍ، فقد اعتاد الفرنسيون أن يظهر بين الحين والآخر أحدٌ ما ويجهر بالعداء لليهود أو الصهيونية سواء أكانت الحادثة حقيقية أو مفبركة، في مجتمع فتح ذراعيه لمختلف الأجناس والأديان والألوان، فتسارعت تلك المنظمات وتلتقط الحادثة لتحولها إلى حملة إعلامية.

تحقق من خلالها تحشداً سياسياً يصب بالمصالح الإسرائيلية ،وتطالب باستصدار قوانين جديدة باسم حمايتها من هذا التطرف، بالرغم من وجود قوانين سابقة تحمي اليهود من نزعة اللاسامية كيفما ومتى ما ظهرت، والفرنسيون يذكرون جيداً مرحلة الثمانينات حيث دفعت تلك المنظمات البرلمان الفرنسي إلى استصدار قانون يُجرم كل من يُنكر وقوع المحرقة اليهودية أيام هتلر والنازية، وقد يكون اعتراضها على كتابٍ أو بحثٍ ينتقد أو يوضح حقائق تاريخية فتوقع به عقاب الحقد الذي لا يقف حتى بعد الاعتذار أو التسليم بما يريدون، والأمثلة أكثر من أن تورد ولعل ما جرى لمكسيم رودنسون ذي الأصل اليهودي ولروجيه غارودي بعد نشره كتاب الأساطير المؤسسة لإسرائيل لايزال عالقاً بالأذهان.

واليوم وبعد التقاط تلك المنظمات لرسم إشارة النازية على قبر شخصية يهودية كانت نائبة في البرلمان الأوربي واشتهرت بموقفها من الإجهاض، بدأت الحملة الإعلامية مطالبة البرلمان الفرنسي بقانون يُجرم من يرتكب – أي قول أو عمل- يُفسر أنه عداء للصهيونية وبالطبع لإسرائيل ممثلتها الدولية. مما دفع الرئيس الفرنسي نفسه إلى تصريح إعلامي يقول ما معناه: إن معاداة الصهيونية جانب من النزعة اللاسامية التي يعاقب القانون عليها، وكانت نائباً بالبرلمان الفرنسي ومن حزب الرئيس ماكرون نفسه تحاول جمع عدد من البرلمانيين ليقدموا طلباً لاستصدار قانون يشابه قوانين الولايات المتحدة الأميركية ذات الشأن المماثل، وفي هذا لا يُستبعد وجود أيدٍ أميركية خفية لزيادة الضغط على الرئيس ماكرون لأسباب سياسية معروفة.

بعد إشارة النازية على قبر شخصية يهودية كانت نائبة في البرلمان الأوروبي واشتهرت بموقفها من الإجهاض، بدأت الحملة الإعلامية مطالبة البرلمان الفرنسي بقانون يُجرم من يرتكب – أي قول أو عمل- يُفسر أنه عداء للصهيونية وبالطبع لإسرائيل ممثلتها الدولية

لكنَ تصريح الرئيس بالرغم من خطورته المستقبلية كان محاولة منه لاسترضاء المنظمات الصهيونية بعدما لاحظ وجود معارضة برلمانية وصحفية متعددة لاستصدار مثل ذلك القانون، حتى من بعض اليهود وبخاصة مجموعة يهود من أجل السلام، فقد عارضت رئيسة تلك المجموعة بقوة مثل تلك المحاولات، وكان فريدريك فيدال قد أعلن موقفاً مماثلاً معتبراً استصدار ذلك القانون صفعة كبيرة للديموقراطية الفرنسية، وكأن السيد ماكرون يريد بتصريحه السابق أن يبلغ اليهود الصهاينة أنهم في أمان وأن لا خوف عليهم ولاهم يحزنون.

في فرنسا منظمات يهودية متعددة *، ليست جميعها صهيونية، بل إن بعضها يساند القضايا العربية والفلسطينية بشكل خاص، كتجمع (يهود من أجل السلام) السابق الذكر، ومعظم أفراد المنظمات غير الصهيونية من بقايا الحزب الشيوعي الفرنسي وقلة من سياسيين سابقين لمسوا العدوان والتسلط الإسرائيلي الذي لا مبرر له، علماً أن عدد اليهود في باريس حول الستمئة ألف أو أكثر بقليل، لكن المنظمات الأقوى والمتحكمة بالنفوذ  اثنتان: (كريف)( crif)  المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا و(licra)، أما الأولى فهي تجميع لبداية أحرف كلمات (التجمع العالمي ضد العنصرية واللاسامية)، وهما اللتان أقامتا حفل العشاء تحت اسم: (تجمع ممثلي المنظمات اليهودية في فرنسا)، وحضره الرئيس ماكرون وبعض الوزراء، في العشاء نوه المتكلمون بتصاعد العداء للصهيونية والسامية وأشاروا إلى تفعيل قانون محاربة العنصرية الذي يحتوي على فقرة خاصة باللاسامية، لكن المنظمات أصرت على وجوب زيادة توضيحات عليه وربطه بتجريم العداء للصهيونية، وقد استندت في موقفها ذاك على إشارات منها الرسوم النازية- كما مر سابقاً- ومنها خيبة الأمل الإسرائيلية في تلبية المواطنين الفرنسيين لدعوة تلك المنظمات إلى التظاهر استنكاراً للاسامية المنتشرة بحسب قولهم، إذ توقعوا أن يكون عدد المتظاهرين مئة ألف وفوجئوا بأنهم لم يتجاوزوا العشرين ألفاً ومن خلال مواجهة أحد المتظاهرين من مجموعة السترات الصفراء للـ "فيلسوف!" فينكل كروت الصهيوني، عندما توجه ذلك المتظاهر لكروت قائلاً:" فرنسا لنا وليست لكم".... متهماً إياه بالعنصرية والإرهاب ،علماً أن تلك الحادثة مشكوك بأمرها إذ كان كروت خارجاً لتوه من زيارة لجدته كما روى، والغريب أن الخبر انتشر مباشرة مع تحديد هوية المتظاهر بأنه فرنسي أسلم حديثاً، دون الدخول بالهوية السياسية له، كما أن السياسيين يعرفون جيداً سوابق الصهاينة في فبركة الحوادث لتحقيق أهداف معينة لهم، *

أما كروت هذا فقد كان يُصدر تباعاً مع زميل له هو: إريك ديمور، كتباً ونشرات يرى فيها أن الخطر القادم لفرنسا محصور بالمسلمين والإسلام.... وعلى الفرنسيين مواجهة هذا الأمر بحزم وجدية لحماية أنفسهم منه. مستغلاً وجوده في مؤسسة ثقافية رفيعة. مما دعا بعضهم للتشكيك بموقف تهديده واعتباره مسرحية إعلامية.. وقد أشارت مجلة "ميديا بارت" من بعيد وبشكل غير مباشر إلى ذلك الاحتمال، تلك المجلة المشهورة بمواقفها الموضوعية تجاه القضايا العربية والتي تقف عادة وراء فضائح الفساد – إن وجد- لدى بعض السياسيين الفرنسيين.

إن محاولات المتنفذين الصهاينة ومنظماتهم تحويل الرأي العام الفرنسي إلى معاداة الإسلام والمسلمين في فرنسا هي لب الخطورة في دعواهم تلك، ففيها:

*- اعتداء صارخ على الديموقراطية الفرنسية، في التحديد القانوني لما يُقال والممنوع قوله، وسوقها باتجاه محدد فقط.

*- واستعداء لفريق فرنسي على فريق آخر، فمن المعلوم أن نسبة 8% من المجتمع الفرنسي هم من المسلمين.

*- إضافة إلى تبرير المقولة الإسرائيلية الدائمة والتي عبر عنها الوزير الإسرائيلي في هذه الأوقات: دعوة يهود فرنسا للهجرة إلى إسرائيل، حيث يجدون الحماية والأمن وفق قوله.. بينما تحرص الدولة الفرنسية على منع هجرتهم، وتبذل جهودا مضاعفة لحمايتهم وليس سراً أن اليهودي الفرنسي مواطن مدلل نسبة إلى غيره من مكونات المجتمع الفرنسي، سكناً وعملاً وحماية، لمنعه من فكرة الهجرة، التي توقع أضراراً ليس فقط من جهة سمعة فرنسا في موضوع حقوق الإنسان ومبادئ الثورة الفرنسية في العدالة والحرية والمساواة، وإنما أيضاً لثقلهم الاقتصادي والإعلامي والأهم لحضورهم بجميع مراكز الأبحاث الرفيعة –ولاسيما العسكرية منها- واطلاعهم على كثير من أسرار الدولة الفرنسية.

*-والدولة الفرنسية تراعي أيضاً موقف عدد ملموس من اليهود الفرنسيين الذين رفضوا تلك الحملة الإعلامية، كما كان بعضهم يرفض سابقاً فكرة الصهيونية وبعضهم الآخر لا يجد مبرراً لمثل هذه الحملات المبالغة بها، فإن أمثال هذه الحملات تترك أثراً على اليمين الفرنسي المتطرف وغير المتطرف في العداء للهجرة بأنواعها المختلفة وبخاصة اللجوء الإنساني أو السياسي وتفتح أمامهم باباً لتحميل اللاجئين والمهاجرين (العرب والمسلمين بخاصة) مسؤولية الأزمات الاقتصادية ومشكلات المجتمع الفرنسي الأخرى...بل إن توظيفها في الدعاية الانتخابية أصبح واضحاً يضطر كل مرشحِ من أي اتجاه كان لإبداء موقفِ ما تجاهه.

على المثقفين الفرنسيين التنبه جيداً إلى آثار تلك الحملات على الديموقراطية الفرنسية، كذلك على المثقفين والإعلاميين العرب والمسلمين التنبه أيضاً لخطورة هذه النزعة العدائية المنتشرة عالمياً ضدهم

على المثقفين الفرنسيين التنبه جيداً إلى آثار تلك الحملات على الديموقراطية الفرنسية، كذلك على المثقفين والإعلاميين العرب والمسلمين التنبه أيضاً لخطورة هذه النزعة العدائية المنتشرة عالمياً ضدهم، وخطورة محاولات الإعلام العالمي تحويل أسباب أزمات مجتمعاتهم من الاستغلال الاقتصادي أو الفساد أو الديكتاتوريات المختلفة إلى المسلمين والعرب بدعاوى أنهم الإرهاب وأن الظاهرة الإرهابية خرجت من بين ظهرانيهم ولوَعت المجتمعات المستضيفة لهم وهي المسؤولة عن خراب العالم، حتى أصبحت الفوبيا الإسلامية إحدى مفردات الإعلام العالمي المألوفة.

أما السوريون فقد اكتووا بتلك النيران إذ كانت من أهم أسباب تأليب الرأي العام العالمي على ثورتهم، الصهاينة يرصدون كل شاردة وواردة مهما كانت تافهة ولا قيمة لها ويحولونها إلى حملات إعلامية وقانونية عالمية، وإن لم يجدوا حادثة يفبركونها حتى لو انكشف أمرها فيما بعد، فماذا تفعل النخب السورية والعربية والإسلامية في مواجهة ذلك؟؟

فمنذ بضع سنوات وفي عام واحد جرى في فرنسا أربع حوادث شكلت الموضوع الرئيسي للضجيج الإعلامي، كشفت الجهات الأمنية الفرنسية على أنها كانت حوادث مُلفقة مُدبرة

22/2/2019

*فمنذ بضعة سنوات وفي عام واحد جرى في فرنسا أربع حوادث شكلت الموضوع الرئيسي للضجيج الإعلامي، كشفت الجهات الأمنية الفرنسية على أنها كانت حوادث مُلفقة مُدبرة، أولا الحاخام الذي طُعن وقامت الدنيا ولم تقعد ومن ثم اكتُشف أنه هو الذي طعن نفسه، ثانيا المركز الثقافي اليهودي الذي أُحرق في الحي.. في الدائرة الحادية عشرة ويوم زيارة شالوم ورأينا شالوم ورئيس الوزراء ووزير الداخلية والكل يأتي للزيارة ويستنكر وبعد ثلاثة أيام فقط اكتُشف أن حارس المبنى هو الذي أحرقه.. حارسه اليهودي، الشباب الذي قيل إنهم طُعنوا في إحدى الضواحي الباريسية ومن ثم اكتُشف أن العملية هي اشتباك بين 11 شابا منهم واحد يهودي على سبيل الصدفة والحادثة الأكبر التي شغلت الإعلام الفرنسي من رئيس الجمهورية إلى آخر مواطن هي الفتاة ماريئيل التي ادعت تحرش مغربي مسلم بها وتبين كذبها بعد التحقيق وقيل يومئذٍ إنها مريضة نفسياً بعد أن قامت القيامة من أجلها.

من أقوال الباحث لبيب فهمي في برنامج (حقيقة وخلفيات اتهام فرنسا باللاسامية) الذي قدمه السيد أحمد كامل من الجزيرة في 14/4/ 2005

 

*- "توجد مئة جمعية واتحاد في باريس وحدها، إلى جانب مكاتب الأحزاب السياسية الإسرائيلية، وفق إحصاءات لعدد الجمعيات في باريس ...المجموعة الوطنية الفرنسية"

من أقوال الباحثة حياة حويك من البرنامج نفسه...

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم