"الدفاع عن إيران" حتى آخر سوري ولبناني ويمني...

بعد هزيمة الجيوش العربية الكبيرة في حزيران 1967، أُنيط بلبنان دور تحرير فلسطين والتعويض عن الهزيمة. عنى هذا، استباحة البلد الصغير وانفلات حدوده وفقدان مقومات سيادته على يد "المقاومة الفلسطينية" والجيش السوري و"إسرائيل". وكما نعرف، كان رمي هكذا مهمة على عاتق لبنان السبب المباشر لانفجاره الداخلي وانهياره ودخوله في مسلسل من الحروب الأهلية والإقليمية، لم تنته فصولها وتداعياتها حتى يومنا هذا.

وإذا كان النظام السوري قد فضّل تسليم سوريا واستباحتها لكل من يرغب، عدا تسليمها للشعب السوري نفسه، فقد غدت بلاداً واقعة تحت احتلالات متعددة، ستنتج لا بد حروباً متناسلة، أو على الأقل ستبقى لأمد طويل "ساحة" مفتوحة لكل المنازعات الإقليمية والدولية.

في الحالتين، اللبنانية والسورية، تتكشف النتائج المبهرة لأيديولوجيا "المقاومة والممانعة"، في تقويض المجتمعات الأهلية والمدنية، وأركان الدولة الوطنية وحدودها، كما في تدمير اقتصاداتها وبنياتها الصحية والتعليمية، عدا عن تبدد جهود قرن كامل في التنمية والعمران (آخر تقرير دولي يقول إن إعادة إعمار سوريا تحتاج إلى نصف قرن).

منذ مطلع التسعينات، وبعد كوارث حربيّ الخليج، الأولى والثانية، وانهيار العراق التدريجي، انفتح المشرق العربي بأسره أمام المد "الثوري" الإيراني، الذي كان أرسى قواعده الأولى في بيئات شيعية محلية بلبنان والبحرين والسعودية والعراق والكويت واليمن، بنجاحات متفاوتة، وكانت "سوريا الأسد" الحليف والشريك والجسر ونقطة الارتكاز في هذه الاستراتيجية.

إيران الخمينية ورثت وطورت واستثمرت "المقاومة والممانعة" و"الزحف نحو القدس"، وحصدت مكاسب "نووية"، ونفوذاً إمبراطورياً، عبر القتال حتى آخر عربي، لبناني أو سوري أو فلسطيني أو عراقي أو يمني..

إيران الخمينية ورثت وطورت واستثمرت "المقاومة والممانعة" و"الزحف نحو القدس"، وحصدت مكاسب "نووية"، ونفوذاً إمبراطورياً، عبر القتال حتى آخر عربي، لبناني أو سوري أو فلسطيني أو عراقي أو يمني.. فسياسة استباحة المجتمعات وشقها وتصديعها وانتقاء ملة فيها وتمكينها سلاحاً ومالاً ومدداً، تمهيداً لخروجها على دولها، أفضت إلى إغراق تلك المجتمعات في حروب أهلية ووقوعها في هوة الفقر والخراب والبؤس اليومي. ولنا أن نتخيل حال أهل اليمن مع الحوثيين وهم يرفعون شعار "الموت لأميركا، الموت لإسرائيل"، كمثال كئيب على بؤس وإدقاع هذه الأيديولوجيا القاتلة.

واليوم، يبدو من تصريحات القادة الإيرانيين التي تلمح إلى نجاة إيران من "المؤامرات" منذ أيام الحرب مع صدام حسين، وأيضاً في أعقاب الغزو الأميركي للعراق، إلى أن المواجهة المرتقبة مع الولايات المتحدة الأميركية، جراء بدء سريان العقوبات القاسية والشديدة على النظام الإيراني في الأسابيع المقبلة، لن تكون إلا هنا، أي في لبنان وسوريا واليمن والعراق. في البلاد العربية المستباحة.

لم يتأخر حسن نصرالله، بخطابه الأخير، في الربط بين "الالتزام بتحرير فلسطين" و"الدفاع عن إيران". والترجمة الفعلية لهذه الخطبة، أن إيران ستقاتل أميركا بالوكالة. هذا "القتال" بدأ في معركة العراق للاستحواذ على تشكيل الحكومة فيه. ويبدو أن الإيرانيين نجحوا بتطويق الميول الاستقلالية التي أبدتها حتى بعض الأحزاب الشيعية، وتجاوزت ذيول الاحتجاجات الشعبية في البصرة والجنوب العراقي، الشيعي عموماً. فالكلمة الأخيرة عادت إلى "الحشد الشعبي" (الذي يقوده الحرس الثوري الإيراني) وإلى الأحزاب الموالية لطهران. هذا الانتصار الإيراني سيضمن حكومة عراقية لن تلتزم بالعقوبات الأميركية ولن تطبّع سياستها مع دول الخليج، وستضع إمكانات العراق ومؤسساته ومرافقه وحدوده بتصرف الحاجة الإيرانية الاقتصادية والعسكرية (الطريق إلى دمشق وبيروت). بكلام آخر، ستتأخر عافية العراق التي نحلم بها منذ العام 2003، إلى أجل بعيد، طالما ما زال ساحة مستباحة للمنازعة بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين، وأرضاً لـ"محور الممانعة والمقاومة"، ليبقى بلداً غنياً بالافتراض وفقيراً بالواقع.

وعلى هذا المنوال، أخذت معضلة تشكيل حكومة لبنانية جديدة بعداً أكثر تعقيداً، فـ"حزب الله" صار يريد من أي حكومة جديدة، أن تتبنى موقفاً واضحاً بعدم التقيد بالعقوبات الأميركية ورفضها. وما يطلبه حسن نصرالله، يعني أن الاقتصاد اللبناني القائم أولاً على قطاع مصرفي شديد الصلة بالأسواق المالية الدولية والإقليمية، سيكون عرضة لخطر هائل لوقوعه تحت عقوبات قد تسبب بانهياره، أي بخراب الاقتصاد اللبناني على نحو كارثي. "حزب الله" يريد الآن من هذا البلد الصغير ليس فقط تحرير فلسطين، وليس فقط "الدفاع عن إيران"، بل مقارعة النظام المالي العالمي.

والاقتصاد اللبناني الذي يعاني أصلاً من أزمات عصيبة، وينتظر ولادة حكومة كي تنفذ برنامج الدعم الدولي وفق مؤتمر "سيدر" (المنعقد في باريس بنيسان الماضي)، والمشروط بجملة إصلاحات وتشريعات جديدة، بات اليوم "رهينة" الإرادة الإيرانية وأداته ("حزب الله"). وليس في لبنان أي جهة أو طائفة أو جماعة قادرة على كبح أو رفض أو مواجهة العنوان الذي أراده حسن نصرالله للمرحلة المقبلة: تسخير لبنان للدفاع عن إيران.

ما يطلبه "حزب الله" من لبنان يذكرنا بالتكتيك الذي أباحه الخميني إبان الحرب مع العراق: إرسال فتيان صغار عزّل، بعد تقليدهم "مفتاح الجنة"، إلى حقول الألغام وتفجيرها بأجسامهم، تمهيداً لعبور الجنود المشاة. المهمة التي يطلبها حسن نصرالله من اللبنانيين، تذكرنا بـ 1400 قتيل وخمسة آلاف جريح وتدمير 15 ألف منزل و900 مبنى وخسائر بالبنى التحتية تخطت 7 مليارات دولار.. كل هذا في الحرب التي سبّبها بتموز 2006 تحت عنوان تحرير أسيرين اثنين! ليست حيوات الشعوب بمهمة، الأهم هو "انتصار الممانعة".

إن تنفيذ إسرائيل لحوالى 200 غارة في عام ونصف عام ضد أهداف ومواقع لـ"حزب الله" و"الحرس الثوري" (وأحياناً للنظام السوري)، داخل الأراضي السورية، بمعدل غارتين في الأسبوع، يكشف أن حرباً حقيقية جارية.

وإذا كان "الدفاع عن إيران" قد يودي بلبنان إلى التهلكة الاقتصادية وقد يمنع أصلاً ولادة حكومة جديدة، فإن الحال قد يكون أسوأ بكثير في سوريا. هذا الشعار، سيؤجج على الأرجح مسألة الوجود الإيراني والمليشيات الموالية للحرس الثوري. مستلزمات المواجهة مع أميركا، تفرض على الاستراتيجية الإيرانية (القتال خارج حدودها)، التمسك بسوريا كـ"قاعدة" أساسية للحرب بالوكالة. إيران لا بد ستعمق وجودها العسكري والسياسي في سوريا حتى ولو كرهت روسيا نفسها.

إن تنفيذ إسرائيل لحوالى 200 غارة في عام ونصف عام ضد أهداف ومواقع لـ"حزب الله" و"الحرس الثوري" (وأحياناً للنظام السوري)، داخل الأراضي السورية، بمعدل غارتين في الأسبوع، يكشف أن حرباً حقيقية جارية، ولو بالتقسيط وفي حدود معلومة. لكن المرحلة الجديدة التي ستدشنها العقوبات الأميركية الإضافية والقاسية، قد تشهد تصعيداً خطيراً متعمداً من قبل "محور الممانعة"، رداً على تلك العقوبات. فسياسة تعميم الفوضى وتعدد جبهات الحرب وتوسيع دوائر العنف وساحاته، كانت دوماً نهجاً إيرانياً لفرض شروط التفاوض المناسبة لها، أو لخلق ظروف يصعب السيطرة عليها، تجبر الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية بل والدول الأوروبية، للبحث عن تسوية مع طهران، كما حدث مراراً وتكراراً من كابول إلى غزة.

العقوبات آتية على إيران، لكننا نحن من سيدفع الأثمان الباهظة، دماً وعمراناً واقتصاداً ومستقبلاً مهدوراً.

شارك برأيك

أشهر الوسوم