الدروبي والعلمانيون... صراع أخويات

في محاولة للقفز من المركب بعد ما تبين أنه لم يوصله وجماعته إلى مبتغاهم، أطلق السيد ملهم الدروبي، بالونات بصيغة أسئلة اتهامية لتيارات أخرى في المعارضة، مثل: "ماذا قدم العلمانيون للثورة السورية؟" ومن قبله كتابته على فيسبوك: "لولا الإخوان المسلمون لما كان هناك ثورة سورية"، وهي أسئلة غير أنها اتهامية، تحمل أيضاً مغالطات كبرى، وكذلك كان ردّ العلمانيين عبر ردود مختلفة تعاملت مع الإسلاميين كلهم كتيار واحد، حيث كشف الحديث والرد كلاهما عن مشكلة ما تزال تهيمن على الخطاب السياسي السائد لدى أوساط المعارضة بكل أطيافها: الإسلامية والديمقراطية/ العلمانية، وهي هيمنة الأيديولوجي على السياسي.

المغالطة الأولى هي تصنيف السيد الدروبي للعلمانيين،

دمج الجميع تحت لافتة واحدة، فهو يشير إلى جهل المتحدث بتلك الحركات من جهة، وإلى رغبة منه في خلق جبهات أيديولوجية.

وكأنهم جماعة سياسية موحدة لها برنامجها وحضورها في الثورة السورية، كما يأتي سؤاله من موقع محاكمة تلك الجماعة، بطلبه أن تقدّم جردة حساب لما قدمته، ووفق منطق سؤاله، فهي لم تقدّم أي شيء. والمعروف أنه لا وجود لتيار علماني موحد، وإنما هناك أحزاب وحركات وتيارات وشخصيات سياسية ترفع راية العلمانية بدرجات مختلفة، أما دمج الجميع تحت لافتة واحدة، فهو يشير إلى جهل المتحدث بتلك الحركات من جهة، وإلى رغبة منه في خلق جبهات أيديولوجية.

المغالطة الثانية أن الثورة السورية انطلقت كانفجار كبير ضد ظلم متجذر في نفوس وعقول السوريين، ظلم مادي ومعنوي، قائم على التمييز الحاد بين شبكات حكمه حسب قربها من نواة سلطانه (الطائفة)، وبين بقية الناس، إنها ثورة المهمشين والمضطهدين الذين خبروا مستويات من القهر والإهانة بما يكفي من العمق ليصل حد الانفجار. بعد ذلك، حاولت جميع التيارات المعارضة، ومنها الإخوان المسلمون البحث عن دور ما في تلك الثورة بما تمتلكه من أدوات وعلاقات محلية وإقليمية، وبالتالي فالادعاء بنسبة الثورة للجماعة أقل ما يُقال عنه أنه بعيد عن الصواب.

أتى الرد على الدروبي من شخصيات حزبية وأخرى مستقلة، لتعيد طرح السؤال بشكل عكسي على الإخوان المسلمين، وعلى التيار الإسلامي عموماً، وبالتالي وقعت في المغالطة نفسها، أي دمج الجميع تحت راية التيار الإسلامي، مع الكثير من الاتهامات والتوصيفات لدور الجماعة، وتيار الإسلام السياسي.

أحد تلك الردود من السياسيين يجيب عن سؤال: من هم الإخوان المسلمون حالياً؟ فيكتب بأنهم "القسم العسكري في جناح الإخوان المسلمين الذين تمردوا على القيادة السياسية للإخوان بقيادة مروان حديد، وسموا أنفسهم الطليعة المقاتلة". وعن دورهم الحالي: "الإخوان كانوا حريصين دائماً على إبعاد كافة التيارات الأخرى، والعمل على السيطرة المطلقة على النظام وإبعاد أو تجاهل الجميع".

أما من اشترك معهم كتيار سياسي في تأسيس أجسام المعارضة السورية، فقد اعتبرهم جزءاً من المشكلة وليس الحل، حيث قال: "اعتقدنا أن الإسلاميين هم جزء من الحل، فتبين لنا أنهم جزء من المشكلة".

أما الكتاب المستقلون، فأحدهم يكشف عن إقصائية غريبة، لدرجة أنه يطالب بمحاسبة حتى المتعاطفين معهم، حيث يقول: "أظن أن جرائم الإخوان لا تقل عن جرائم النظام، والمحاسبة يجب أن تطالهم. طبعاً وأن تطال كل من تحالف معهم، ومن برّر لهم، وكل من صمت عن كل تصرفاتهم. فهذا هو الوجه الآخر للجريمة التي تعرضت لها ثورة الشعب السوري".

وكاتب آخر، يقول: "إن الإخوان فعلوا عكس ادعاءاتهم: حاولوا التسلط على المجلس وعلى الائتلاف، واحتكار الإغاثة، وشكلوا فصائل خاصة بهم، ودعموا فصائل لتصبح تابعة لهم، وأقاموا علاقات مع دول كثيرة بعيداً من المجلس والائتلاف والفصائل الوطنية؛ هذه الممارسات تقول، كما قال بالضبط السيد ملهم، إن الثورة ثورتنا، والعلمانيون هامشيون فيها وجاؤوا إليها من باب التكفير عن الذنب ليس إلّا".

باستعراض مقولات السيد الدروبي، والردود المختلفة عليه؛ يظهر لنا استمرارية التخندق الأيديولوجي بين التيارات المناهضة للنظام، وللاستبداد، والداعية لعملية تغيير سياسي ينقل البلاد نحو مرحلة من دون الاستبداد.

هذا التخندق الذي ساهم تماماً بخلق صراعات استباقية بين تلك التيارات، ساهمت،

لقد سعت تيارات المعارضة بمجملها نحو السلطة، وكان ذلك سبب في ارتهان قرارها للدول، ولأن تتحول في لحظة ما إلى أدوات في الصراع الإقليمي والدولي على سوريا.

ولو بنسب بسيطة (متعلقة بوزن ودور هذه التيارات)، في إضعاف الثورة، وإمكانية التسلط عليها، وتحويل مطالب السوريين إلى أدوات ضمن عملية الصراع على سورية. كما يكشف، من الطرفين، عن تعميمات بحق بعضهما، فلا التيار الإسلامي واحد، ولا العلماني أيضاً، هذا إن كان بالإمكان إطلاق صفة تيار على مدعي العلمانية أو الإسلاموية.

لقد سعت تيارات المعارضة بمجملها نحو السلطة، وكان ذلك سبب في ارتهان قرارها للدول، ولأن تتحول في لحظة ما إلى أدوات في الصراع الإقليمي والدولي على سورية، بدل أن تكون رافعة لمطالب السوريين في الخلاص من الاستبداد، وتناور على الخلافات والاتفاقات بين تلك الدول.

السؤال الذي يطرح نفسه، وأعتقد أنه واجب المناقشة، ومن الضروري أن تجيب عليه مختلف تيارات المعارضة: هو ما الذي قدّمته تيارات المعارضة إلى الثورة السورية، وأين نقاط ضعفها، وتعثرها، وما الإمكانات للخروج من الكارثة التي يعيشها السوريون في ظل التصارع الدولي على البلاد، وتقدم نظام الأسد في أكثر من اتجاه؟

إن غياب السياسة وتغليب الأيديولوجية على النقاشات، لن يوصلنا إلا إلى الاقتتال على جلد الدب قبل صيده، بينما يكسّر الدب ذاته عظامنا تحت أرجله الثقيلة، وهو ما وصلنا إليه فعلاً.

شارك برأيك

أشهر الوسوم