الخطيب والخلل المنهجي

الشيخ معاذ الخطيب الرئيس السابق للائتلاف السوري المعارض (تلفزيون سوريا)

عرض الشيخ معاذ الخطيب في تسجيل مصور، معنون بـ "حوار هادئ مع فرعون سوريا"، يمتد لأكثر من نصف ساعة، أمثلة عن حال وأوضاع السوريين الراهنة داخل وخارج سوريا، مطالبا رأس النظام بالتمعن بهذه الحقائق والوقائع، وبنتائجها ودلالاتها، والتنبه إلى خطورة الوضع والمرحلة، مما يفرض علينا جميعا، وعلى رأس النظام السوري، العمل من أجل استعادة لحمة السوريين، عبر مجموعة من الخطوات لم يتطرق لها الخطيب في معرض رسالته الأخيرة، مكتفيا بالإشارة إلى معرفة المسؤولين الروس والأمريكان بفحوى هذه المبادرة، ومطالبا الأسد بالاطلاع عليها عبر حليفه الروسي، حيث اقتصر حديثه الآن على إعلان واضح عن استعداده لعقد لقاء سوري- سوري بين قادة مجموعات النظام الأمنية وأندادهم من طرف الشعب المنكوب، دون شروط مسبقة وهو ما يمثل انصياعا كاملا لشروط الأسد، ومطالبا النظام بقبول نتائج الاجتماع مهما كانت، حتى لو اتفق المجتمعون على وجوب تنحي رأس النظام!!!. متناسيا عجز النظام اليوم عن أخذ أي قرار مصيري داخلي أو خارجي دون موافقة ومباركة وقبول روسي أو إيراني، إن لم نقل دون قبولهما معا، كما تجاهل الخطيب أي إشارة ولو سريعة للمعايير التي تمكننا من تحديد ممثلي الشعب السوري ومدة تمثيلهم.

إذا لا فرق يذكر بين من يستجدي الأسد منذ اليوم الأول للثورة وبين من يلهث خلفه اليوم، أو بين من ملأ الدنيا صخبا وهو يناشد من أجل التدخل الخارجي العسكري

وقد قوبلت رسالة الخطيب بالعديد من الردود التي تصدت لها وواجهتها منذ لحظتها الأولى، حتى بات تفنيدها وتحليلها الآن لا يحظى بأهمية كبيرة، لكن يمكن الاستفادة منها والاسترشاد بها كي نسلط الضوء على مكمن الخلل المنهجي الذي مازالت تصر عليه شريحة واسعة من الرموز والشخصيات والهيئات المعارضة السورية الذين يصعب ذكرهم جميعهم؛ لكن يمكننا استذكار أبرزهم وأشهرهم، مثل قدري جميل، وهيثم مناع، ومعاذ الخطيب، والإخوان المسلمون، والائتلاف والمجلس الوطني، وإعلان دمشق، الذين فشلوا وفشل منهجهم الفكري والسياسي في التعامل مع قضايا الوطن والمواطن.

تنطلق هذه المنهجية من التعامل مع القضايا السورية وغير السورية وفق بنيتين منفصلتين بشكل كامل، الأولى بنية فوقية تعنى بجميع المتنفذين والمتحكمين بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخليا وخارجيا، وطبعا تشمل النظام بجميع تركيبته الرسمية وغير الرسمية، والثانية هي البنية التحتية التي تعبر عن الشعب بجميع اختلافاته وتبايناته الفكرية وغير الفكرية.

طبعا لا يبدو هناك أي خلل منهجي بذلك حتى اللحظة، لأنه يتجسد بطريقة التعاطي والتعامل والمخاطبة مع  كل من هاتين البنيتين؛ حيث تنطلق هذه الفئة من المعارضة السورية من ثانوية البنية التحية، أي الشعب، وتعمل على تهميش دوره وإلغائه وكأنه مجرد شاهد على التاريخ، عليه الانصياع إلى قرارات البنية الفوقية سواء كانت خارجية أم داخلية، وما الثورة أو الاحتجاجات الشعبية سوى طارئ لحظي يفتح الباب من أجل إعادة ترتيب وتنظيم البنية الفوقية وتقاسم الأدوار فيها عبر التوافق؛ وبعيدا عن تحقيق مطالب وأهداف الشارع، ودون إفساح المجال لأي مشاركة شعبية حقيقة في صناعة مستقبل الوطن. في مقابل أهمية ومركزية البنية الفوقية المحلية والدولية، الأمر الذي يفرض على المعارضة السورية التودد لها واستجداء دعمها ومباركتها، وهو ما لمسناه في خطاب قطاعات واسعة من المعارضة السورية منذ اليوم الأول للثورة، الذين تجاهلوا حركة الشارع السوري، وأهملوا دورهم في دعم الحراك وتطويره وتنظيمه وتأطيره، لصالح مناشدة التدخل الخارجي الأمريكي أو الروسي أو التركي وأحيانا العربي، فضلا عن لهاث بعض الأوساط والمجموعات خلف النظام السوري ذاته.

فعلى الرغم من جميع الأمثلة والحالات والإحصاءات التي تتناول ظروف وأوضاع السوريين كالتي استهل بها الخطيب تسجيله المصور، أو ما نشاهده عبر مئات التقارير والخطابات السياسية والإعلامية، وما نلمسه يوميا من معاناة سورية غير مسبوقة، فضلا عن الأخبار والحيثيات التي تعبر عن إصرار وعزيمة الشعب السوري على صناعة مستقبله الذي ينشده، بيد أنها غير كافية كي تدفع هذه الفئات من المعارضة إلى مخاطبة الشارع السوري ومساعدته في شق طريق التغيير والبناء الذي يلبي مطامحه، مكتفية باستخدامها كأدلة تستحضرها في لقاءاتها واجتماعاتها الرسمية والسرية مع المجتمع الدولي، من أجل إقناعه وحثه ودفعه كي يبارك تغييرا شكليا في بنية النظام الحاكم في سوريا، تغييرا يضعهم على رأس السلطة السورية بعد استبدال الأسد ومجموعته أو الجزء الأكبر من مجموعته. أو عبر استعطاف الأسد ومحاولة كسب وده كي يرضى عنهم ويسمح بولوجهم إلى مجموعته التي كانت متحكمة ومسيطرة على مجمل الوضع السوري، وبالتالي انتقالهم من البنية التحتية إلى الفوقية عبر الدعم الدولي أو الأسدي.

بالتالي فنحن أمام ظاهرة جزئية وفئوية سيطرت على مجمل الساحة السورية المعارضة والموالية، العربية والكردية، العلمانية والإسلامية أو الدينية

إذا لا فرق يذكر بين من يستجدي الأسد منذ اليوم الأول للثورة وبين من يلهث خلفه اليوم، أو بين من ملأ الدنيا صخبا وهو يناشد من أجل التدخل الخارجي العسكري الأمريكي أم عبر الجار التركي أو من خلال روسيا الاتحادية. كما لا يمكن حصر هذا الخلل المنهجي في الوسط المعارض فقط؛ أو الذي يدعي المعارضة كبعض الشخصيات التي أشرنا لها سابقا، بل يتعداها إلى حيز كبير من الوسط السياسي السوري وعلى رأسهم نظام الأسد ذاته، الذي حارب وقاتل أبناء سوريا خوفا من نمو دورهم وتمكنهم من انتزاع حقوقهم واستعادة زمام المبادرة، وإعادة البوصلة السياسية إلى وضعها الذي يجب أن تكون عليه، المتمثل بكون الشعب "البنية التحتية" هي مصدر السلطة والقرار الشرعي الوحيد. فهناك بعض المثقفين والسياسيين السوريين الذين عارضوا الثورة ودعموا الأسد وناشدوه قيادة عجلة الإصلاح والتحديث والانتقال بسورية إلى مصاف الدول الديمقراطية، متجاهلين جميع الحقائق التي يدركونها ويعونها جيدا والتي تنفي إمكانية حدوث ذلك، وهناك من أمن أو طلب التدخل الإيراني أو الروسي لما سوف يعود عليه شخصيا بالنفع والمصلحة.

وبالتالي فنحن أمام ظاهرة جزئية وفئوية سيطرت على مجمل الساحة السورية المعارضة والموالية، العربية والكردية، العلمانية والإسلامية أو الدينية، بحكم الدعم المالي والسياسي واللوجستي الذي يتلقونه. الأمر الذي حال دون تصدر مجموعات وفئات أخرى وذات خطاب ومنهجية مختلفة واجهة المشهد السوري، ممن تنطلق رؤاهم وبرامجهم من مركزية الدور الشعبي وحتميته. وهو ما يفرض علينا اليوم تسليط الضوء على معاناة السوريين داخل وخارج سوريا، وحثهم على توحيد جهودهم في سبيل تحقيق الأهداف والغايات التي تعبر عن جميع السوريين، بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والدينية والعشائرية والقومية والعرقية، فلابد من تحويل مشاعر اليأس والإحباط والاستياء والغضب إلى عوامل جامعة تعيد لحمة المجتمع السوري، وتوحد النضال والتصدي لجميع قوى الاحتلال والاستبداد والاستغلال الداخلية والخارجية، العلنية والمستترة، مما يعزز الحوار السوري- السوري الشعبي، أي على مستوى البنية التحتية، النقيض الحقيقي لحوار المستبدين والمتحكمين والمسيطرين في إطار البنية الفوقية؛ كالذي دعا إليه الخطيب،  حتى ننجح في صياغة عقد اجتماعي جديد يلبي مطامح وأهداف وتطلعات السوريين لمستقبل زاهر تسوده قيم العدالة والمساوة والحرية، دون منة أو هبة أو خضوع لأي جهة أو طرف كائنا من كان، وانطلاقا من الإيمان والإخلاص للشعب السوري وحده.

شارك برأيك

أشهر الوسوم