الجسد..احتفالٌ أمام الكاميرات وانتهاك في المعتقلات

الأكاديمية البريطانية فيكتوريا باتمان(إنترنت)

تعرت أكاديمية بريطانية قبل أيام أمام طلابها في جامعة كامبريدج، وعرضت الدكتورة فيكتوريا باتمان جسدها الذي كتبت عليه شعارات ترفض (بريكست)؛ أي قيام بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي!

الخبر الذي مر سريعاً لم يتوقف عند دلالاته كخطوة احتجاجية عدد كبير من القراء، ولكنَّ أضعافاً مضاعفة من المتابعين زحفت إلى حيث نشر الخبر مرفقاً بالصور، لتشبع أعينها برؤية جسد المرأة المحتجة!

وحدها وسائل إعلام النظام ومعها جوقة الممانعة ركزت على الخبر، واحتفت به، وكأن الدكتورة باتمان تتعرى دعماً للأسد في مواجهة المؤامرة الكونية، وفي أثناء هذا الاحتفاء كان يتم تسريب همسات تحتفل بالنمط السلمي للاحتجاج/ التعري بعيداً عن صخب المظاهرات، وتزدهي بأداة الاحتجاج؛ الجسد!

الخبر الذي مر سريعاً لم يتوقف عند دلالاته كخطوة احتجاجية عدد كبير من القراء، ولكنَّ أضعافاً مضاعفة من المتابعين زحفت إلى حيث نشر الخبر مرفقاً بالصور، لتشبع أعينها برؤية جسد المرأة المحتجة

الاحتجاج عبر التعري هو أسلوب ودَيْدَنُ حركة (فيمن) النسوية في الاحتجاج ضد مضطهدِي النساء، وهو أيضاً ما يتم اتباعه حينما تشن الحركات المناهضة لقتل الحيوانات ذات الفراء حملاتها ضد مصممي الأزياء و الشركات التي تسوق مثل هذه البضائع.

وفي عالمنا العربي اشتهرت المصرية علياء المهدي حينما قامت بالتعري في العام 2012 للاحتجاج ضد "مجتمع العنف والعنصرية والنفاق"، كما اشتهرت على صعيدنا السوري، الفنانة التشكيلية هالة الفيصل حينما تعرت في آب 2005 في حديقة في مدينة نيويورك ضد الاحتلال الأميركي في العراق وضد الحرب.

في كل مرة يتم فيها الاحتجاج ضد أمرٍ ما من خلال استخدام الجسد، تختلط القصص ببعضها لدى الجمهور، فغالبيته وعبر رؤيتها للأجساد النسائية العارية، تتجاهل فحوى الاحتجاج وخطابه، لتركز على أداة الاحتجاج/ الجسد، فيمضي النقاش وينحرف بعيداً عن القضية الأساسية، ويتجه صوب مشروعية استخدام الجسد في فعل الاحتجاج! ويمحص في الإساءة التي ينطوي عليها هذا الاستخدام لقضايا النساء أنفسهن، فبدلاً من لفت النظر إلى أن التعاطي مع المرأة من خلال جسدها هو فعل يشوه كينونتها بوصفها إنساناً، وكذلك التنبيه إلى أن تكريسها بوصفها جسداً في الإعلان التجاري إنما ينمطها ويحولها إلى سلعة! يعيد الاحتجاج عبر استخدام الجسد إنتاج جوهر الإساءة، ويصبح الجسد أداةً للفت النظر، كما هو مضمون استخدامه في إعلانات الترويج للسلع في اللوحات الإعلانية وشاشات التلفزة!

الأكاديمية البريطانية دافعت عما فعلته بشراسة في مواجه منتقديها في شبكات التواصل الاجتماعي، وقالت في تقرير الـ BBC عن الحادثة: "بعض النساء يعتقدن أن استخدام جسد المرأة كأداة للتعبير عن الاحتجاج فيه إساءة للنساء الأخريات، لكن الواقع غير ذلك تماماً. جسد المرأة أصبح الآن محور أحد أهم معارك نضال المرأة حول حقها في تحديد النسل وحقوق العاملات في مجال صناعة الجنس أو اللباس بما فيه البرقع".

قصة التعري هذه المرة عبرت سريعاً، ولم يتم التوقف عندها في الإعلام الغربي كثيراً، ربما بسبب أن الحدث وقع في مساحة أكاديمية، ولم يحدث قبالة الهرم الزجاجي في ساحة متحف اللوفر، حيث دأبت المحتجات العاريات النسويات أن يقفن ويصرخن، عارضات للجمل الاحتجاجية المكتوبة بالأحمر على المساحات الصقيلة من أجسادهن! وربما أن العملية لم تحظ بالاهتمام المتوقع بسبب أن موضوع الاحتجاج ذاته أكبر من الشكل التي تم اتباعه هذه المرة، فانسحاب بريطانيا والمشاكل الكبرى المتوقعة بعد وقوعه أكبر من مشكلة أن تتعرى هذه السيدة ضده، لا بل إنها أكبر من قيام كل النساء البريطانيات بالتعري من أجله، طالما أن المشكلة الاقتصادية التي سيخلفها هذا التحول السياسي، باتت تمس أحوال جميع البريطانيين، وما انفكت تدفع بالاقتصاد نحو الركود!

لكنْ، كان للإعلام السوري وجهة نظر مختلفة، فهو ينتظر حوادث من مثل هذه على أحر من جمر، لكي يعيد من خلال ترحيبه بها، طرح فرضيته عن أن الثورة السورية إنما هي "ثورة المتخلفين، في مواجهة المتحضرين!، المتعلمين والمثقفين في مواجهة الجهلة والأميين! المتدينين في مواجهة العلمانيين! السنة المحافظين في مواجهة الأقليات المنفتحة!

الجسد هنا هو فكرة مركزية يعمل عليها دهاقنة الانفتاح في إعلام النظام، لكي يُظهروا الفرق بينهم وبين الآخر، فمقابل الفتاة المحجبة التي تضع النظارات السوداء على عينيها، يتم تكريس الفتاة التي تهز خصرها في مسيرات تأييد بشار الأسد، أو تظهر بلباس يظهر مفاتنها، أو تكتب على ظهرها "ثورتكم مثل.." وترسم سهماً يشير إلى مؤخرتها!

الجسد هنا هو فكرة مركزية يعمل عليها دهاقنة الانفتاح في إعلام النظام، لكي يُظهروا الفرق بينهم وبين الآخر

في السنة الأولى للثورة السورية قامت فتيات ثائرات سوريات بعدة محاولات للاحتجاج، كانت تنسجم من حيث طبيعتها مع تقاليد المجتمع السوري، ولا تخرج عن أدبياته، فمرة تم الارتماء على الأرض في أحد المراكز التجارية في مشهدية تعيد تمثيل سقوط الشهداء في الشوارع برصاص قوات النظام، ومرة وقفن أمام مبنى مجلس الشعب، واشتهرت في تلك الوقفة إحدى الفتيات بوصف "الصبية ذات الرداء الأحمر"، وصولاً إلى وقفة ثلاث صبايا في سوق الحميدية بدمشق حملن فيها لافتات كُتب عليها "أوقفوا القتل في سوريا"! كل هذه المشهدية البهية، وبكل سلميتها لم تشفع للمحتجات عند العقلية الأمنية التي حكمت سوريا طيلة عقود، إذ تم اعتقال غالبية من شاركن في هذه الاحتجاجات! كما تم اعتقال النساء اللواتي كن يتحجبن في المظاهرات خشية أن يتم تصويرهن من قبل الأجهزة الأمنية، وفي جلسات التحقيق كان محققو الفروع الأمنية يتهكمون على الناشطات الثوريات، ويتهمونهن بأنهن يطالبن بحرية فحواها أن تسير الفتاة في الشارع عارية!! وفي الوقت نفسه كانت الأجهزة الإعلامية التابعة للنظام تروّج أن المحتجين على العموم طائفيون ويتبعون للتيارات الإسلامية المتطرفة، وقد استمر هذا التداول لهذه الثيمة حتى وصل الأمر إلى ترديد قصة "جهاد النكاح"! ولم تمض فترة طويلة على هذه الحوادث حتى رأينا الإعلام ذاته يبني تخوماً بينه وبين الجمهور السوري عبر إظهار مشاهد غير مألوفة لمذيعات برامجه ولضيوفهن يتجاوزن فيها ما اعتاده المشاهد من قواعد رصينة للباس وللتصرف أمام الكاميرا!

عقدة الجسد تفضح تكوين النظام ومن يؤيده، فاغتصاب المعتقلات، وتعذيبهن، ضمن سياق الجرائم في السجون السورية، يوضح كيف أن العقلية التي اتهمت الثائرات بالإباحية، كانت تتبنى نمطاً إجرامياً يقوم على انتهاك الجسد في سبيل إهانة المعتقلة وتحطيم قواها وتدمير نفسيتها، عبر وضعها في حالة صراع مع الأنا المجتمعية التي لن تتقبل فكرة وجود امرأة مغتصبة في سياق حياتها! وفي الوقت نفسه كان هذا المخطط يستهدف عائلة المغتصبة ليلحق بها وصمةً قد لا يتقبلها المجتمع المحيط! ولعل نظرة سريعة إلى سجلات المنظمات الحقوقية تظهر الحجم المريع لهذا النمط من الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد، بينما كانت شركات العلاقات العامة المستأجرة حول العالم تدعو الوسائل الإعلامية لرؤية الفرق بين جماعته وبين أولئك الذي طالبوا بإسقاطه!

 

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم