الثورة والسياسة بين الممكن والمأمول

فتيات سوريات يشاركن في مظاهرة ضد النظام(إنترنت)

يأخذ الحديث عن الثورة والسياسة راهنيّة لا تتقادم، ما دامت الثورة قائمة كفكر في العقول وكممارسة على الأرض. والأسئلة التي يمكن طرحها ما بين الاثنتين، تنبع أساساً من طبيعة كلتا المسألتين المختلفتين، كما تتعلق أيضاً بالآليات والوسائل المستخدمة فيهما، وبالأهداف التي تسعى كل واحدة منهما إلى تحقيقها، كما تتعلق أيضاً بالحقول أو بالمجالات الحيويّة لهما.

لم يتّفق الفلاسفة ولا المفكرون ولا الأكاديميون على تعريف واحد للسياسة، لكنّهم بيّنوا من خلال شروحاتهم عنها ما يُغني عن وضع تعريفات لها.

السياسة علم وفنّ بنفس الوقت، هي علمٌ لأنها تقوم على إدارة الشؤون العامّة ضمن معطيات محدّدة تأخذ بالدراسات والتحليلات والبيانات في كافة مجالات الحياة، فهي لا تقتصر على جانب دون آخر، بل تتعدى إلى الاقتصاد والاجتماع والماليّة والصحة والتعليم والدفاع وكافة شؤون الدولة. وهي فنٌّ لأنها تقوم على الممارسة مثلما تقوم على النظريّة، فهي تقوم على التجريب المنضبط كما تقوم على مراكمة الخبرات العمليّة، وبمراكمة الخبرات تعيد صقل النظريات العلميّة التي تستند إليها أساساً. السياسة مزاوجة بين العلم والتجربة، بين النظرية والتطبيق.

أمّا الثورة فهي حركة اجتماعيّة طارئة لا قوانين تحكمها ولا ضوابط تؤطّرها، ليست بالعلم ولا بالفن، ليست بالنظرية المجرّدة ولا بالممارسة الواقعيّة بعيداً عن الخيال والأحلام، فكلّ ثورة عبر التاريخ كانت مختلفة من حيث الجوهر ومن حيث السلوك عن الأخرى، ولا يقدح في صحة هذا التوصيف اشتراك الثورات بآليات العمل وأدوات التغيير وأحياناً كثيرة بالأهداف النهائية. الثورة حالة عارضة طارئة وليست حالة دائمة مستمرّة، لذلك ليس للثورات فعل تراكمي طويل الأثر بعيد المدى، هي تجارب تتمّ دراستها للاستفادة منها في العلوم الاجتماعية والسياسية، لكن لا يمكنها أن تعطينا أمثلة علميّة عن نهج محدد يمكن اتباعه في كل ثورة أو عن مقياس معيّن يمكن اتخاذه أساساً وميزان لما قبله أو لما بعده من ثورات.

تستخدم السياسة عادة أدواتٍ ناعمة في الشأنين الداخلي والخارجي، وفي لحظات معيّنة تلجأ إلى العنف لإنفاذ إرادتها عندما يصبح لا غنى عن استعماله. الحرب هي إحدى وسائل العنف التي تلجأ إليها السياسة على الصعيد الدولي أحياناً، وقد وضع ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي العرفي والاتفاقيات والمعاهدات الدولية مبادئ تحدد مشروعية الحرب من عدمها، فالأصل حسب ميثاق الأمم المتحدة أن يكون حلّ النزاعات بين الدول سلمياً:

تنص الفقرة الثالثة من المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة على:

(يفضُّ جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر.

يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد "الأمم المتحدة"..)

وتنص المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة على:

المادة 33

  1. يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجؤوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها.
  2. ويدعو مجلس الأمن أطراف النزاع إلى أن يسووا ما بينهم من النزاع بتلك الطرق إذا رأى ضرورة ذلك.

 

أمّا الحالات الاستثنائيّة التي أجازت من خلالها اللجوء إلى الحرب فهما اثنتان:

  1. حالة الدفاع الشرعي ضد العدوان.
  2. حالة اللجوء إلى الحرب لحفظ الأمن والسلم الدوليين.

 

أمّا الثورة فهي حركة اجتماعيّة طارئة لا قوانين تحكمها ولا ضوابط تؤطّرها ليست بالعلم ولا بالفن ليست بالنظرية المجرّدة ولا بالممارسة الواقعيّة بعيداً عن الخيال والأحلام

كذلك تلجأ الدول إلى العنف الداخلي لتنفيذ سياساتها العامّة عند الاقتضاء، مثل حالات تنفيذ قرارات المحاكم وحالات تنفيذ القرارات الإدارية الأخرى التي تتطلّب ذلك.

أمّا الثورة فأدواتها تتدرّج من الفعل الإيجابي مثل التظاهر والاعتصام إلى الفعل السلبي مثل العصيان المدني، وتتّخذ من العنف بأشكاله المختلفة بدءاً من قنابل المولوتوف وانتهاءً بالأسلحة الثقيلة وسائل لتحقيق أهدافها.

تسعى السياسة إلى تسيير أمور الدولة وتنظيم أمور المجتمع وتوزيع الثروات والدخل، وكل ذلك ضمن إطار نظام سياسي محدد يستند إلى عقد اجتماعي قائم تسعى للحفاظ على وشائجه، كما تقوم السياسة أيضاً بتنظيم العلاقات مع الدول والمجتمعات الأخرى وفق القواعد المتعارف عليها دولياً.

بينما تسعى الثورة لتغيير السياسة ذاتها عبر تغيير نظام الحكم السائد، أي أنها تهدف إلى تغيير العقد الاجتماعي القائم من أساسه وتسعى إلى بناء روابط بديلة وإنشاء عقد اجتماعي جديد يحدد مسارات العيش المشترك ويحدد القيم العليا التوافقية بين مكونات المجتمع ذاته، ويعيد موضعة مراكز القوى من جديد ويعيد توزيع الثروة والسلطة على أسس مختلفة عن النظام السائد والذي قامت عليه هذه الثورة.

مجالات عمل السياسة مختلفة ومتنوعة، بل تكاد تشمل كل نواحي حياة البشر، كما تعمل السياسة في المجالين الداخلي والخارجي للدولة. بينما تعمل الثورة في المجال الداخلي فقط لأنها تسعى لتغيير أسس الحكم أو نظام الحكم في دولة ما محدّدة، وعندما تضطّر إلى العمل في الإطار الدولي خارج حدود مجالها الحيوي الداخلي فإنها تلجأ إلى السياسة، فأدوات الثورة لا تناسب  العمل في المجالات الدولية القائمة على بروتوكولات دبلوماسية وتحكمها أعراف وتقاليد معقّدة.

لقدّ مرّت الثورات العربيّة عموما، والثورة السوريّة خصوصاً – من بين أزماتها المتعدّدة - بأزمة خانقة كانت أحد أسباب فشلها في تحقيق أهدافها. تمثّلت هذه الأزمة بانعدام الثقة المتبادل مع "السياسة" أو مع التمثيل السياسي الذي أنتجته أو الذي فُرض عليها كما في الحالة السورية.

لم يكن للسوريين سابق عهد بالثورات ولا بالسياسة، لذلك كان الخلط بينهما كبيراً ومازال مستمرّاً حتى الآن. منذ اليوم الأول للثورة بدأ البحث عن قيادة لها، وبسبب كونها ثورة شعبية لا مركزية، فقد كان من الصعب بمكان إيجاد قيادة مركزية موحّدة لها، فكان البديل المناسب لطبيعتها هو القيادات الميدانية الشبابية. هذا بحدّ ذاته أورث الثورة مشكلة بنيوية ما زالت تعاني منها حتى الآن، مشكلة التشرذم وعدم الانضباط وراء استراتيجيّة واضحة المعالم.

لقد كانت جماهير الثوّار الأوائل قادرة بسبب فرط حماستها وإيمانها بأهداف الثورة على تجييش الناس العاديين وكسب تعاطفهم، فالثورة أيّة ثورة ليس مطلوباً منها أن تضمّ جميع المواطنين، بل يكفي أن تستطيع خلق البيئة الحاضنة لنشطائها الداعمة لأهدافها المتمثلة لنهجها.

لكنّ استمرار الأمر على هذا المنوال خلق مراكز متباعدة، بل متنافرة للثورة، وكان من تجلياتها انفصال العمل المدني بداية ومن ثمّ العمل العسكري عن العمل السياسي. لقد كان الحاجز بين الميدان والتمثيل كبيراً، وبدأ الشرخ يزداد اتساعاً بعد أن جاءت الدول المتدخّلة في المسألة السورية بممثليها المسميين - بغير حقّ -كممثلين عن الثورة والثوار في الداخل.

مع ذلك، لابدّ من القول بأنّه من الصعب تخيّل وجود آليات محددة لاختيار القادة والممثلين السياسيين لأية ثورة ضمن هذا الكم الهائل من العنف والفوضى والتدخّل الخارجي. ليس من السهل أن يتمّ خلق قيادة في بيئة ثائرة أساساً على فكرة القيادة، كما أنّ المؤهلات التي حملها من تبوّؤا المراكز القياديّة في تمثيل الثورة عسكرياً ومدنياً وسياسياً لم تكن من ذلك المستوى الرفيع الذي يفترض أن يتوفّر فيهم ليتناسب مع حجم التحدّيات والتضحيات.

في الحالة المصرية حيث التجارب العميقة والخبرات الكبيرة بالعمل السياسي، وحيث شاركت جميع التنظيمات والأحزاب في العملية السياسية التي تحرّكت بقوّة بعد ثورة يناير كانون الثاني عام 2011، كانت النتائج مختلفة، فقد مرّت البلاد بحالة مخاض حقيقي أدّى إلى انتخابات حرّة ونزيهة فاز بها الإخوان المسلمون بشكل واضح لكنّه غير حاسم. بسبب هذا الانقسام الكبير في الشارع المصري حول قبول حكم الإسلاميين، استطاعت الدولة العميقة ممثلة بالعسكر الانقضاض على منجزات التغيير التي بالكاد بدأت تتنفّس منذ أقل من عام بعد الانتخابات. ساعدت الظروف الخارجية على ذلك كثيراً وخاصّة تخلي الغرب عن الحراك السياسي الطامح إلى التغيير الديمقراطي، وتدخّل دول الرجعيات العربية الخليجية بقوّة لحسم المعركة لصالح الانقلابيين. هذا بالطبع لا يُعفي الإخوان المسلمين من المسؤولية التاريخية والجزئية عن الفشل، فهو لم يكن وليد اللحظة ولا نتاج تفاعلات خارجيّة فقط، بل كان خللاً بنيوياً في تركيبة الجماعة ذاتها التي لم تستطع أن تستوعب اللحظة التاريخية وأن تسير معها وفق آليات التغيير التي كان الناس توّاقين إليها آنذاك.

ما جرى في مصر ينسحب مع بعض الاختلافات البسيطة على اليمن، فالحالة السياسية كانت واعدة بالكثير من الإيجابيّات والأمل بمستقبل مشرق، لكن تدخّل دول الجوار رجّح كفّة الانقسامات السياسية والقبلية ومن ثم المذهبيّة وجعلها عنواناً لحالة الضياع والتشرذم التي أوصلت البلاد على شفير الهاوية.

لقد بدأ الشباب العربي مرحلة جديدة من التاريخ، وكان من المفترض أن تتم المزاوجة بين العمل الثوري وبين السياسة لكسر حالة الجمود والاستعصاء التي تعيشها مجتمعاتنا، فكانت عمليّة القطع مع الماضي وإرثه الثقيل قاب قوسين أو أدنى من التحقّق، لولا أن سارت الرياح بما لا تشتهي السفن.

يدفعنا هذا إلى ضرورة القبول والاعتراف بهزيمة مشروعنا الثوري الذي طالما انتظرناه وطالما حلمنا به، وهذا القبول يجب أن يكون دافعاً لدراسة أسباب الفشل سعياً لمعالجتها، لا معيقاً لعمليّة التقدّم والمحاولة مجدّداً.

لقد كان هناك كثير من الخلط بين الواقع وبين الأحلام، بين الممكن والمعقول وبين المتخيّل والمأمول، وسيكون من الطبيعي والمنطقي أن نحصل على نتائج بهذه المستويات عندما نستخدم مثل هذه الطرائق في التفكير ومثل هذه الآليات بالعمل، يجب علينا أن نعيد التفكير بكامل الجدّية بهذا الانتقال من فشل إلى فشل أكبر منه، علّنا نضع أرجلنا على بداية طريق الخلاص إذا كنّا نريد أن نصل.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم