الثورة التي قتلت ثورتها

الصورة (إنترنت)

في صيف سنة 1953، قامت المخابرات الأميركية والبريطانية، وبالتعاون مع شاه إيران، محمد رضا بهلوي، بقلب حكومة محمد مصدق الإصلاحية فور قيامها بتأميم الصناعة النفطية في البلاد والتي كانت تحت سيطرة البريطانيين منذ 1913. حينذاك، كان الدور الانقلابي للأجهزة الغربية للحفاظ على مصالحها الاقتصادية، أساسياً في مواجهة الأنظمة الديمقراطية التي تميل إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بعيداً عن التطرف الاقتصادي القائم على أسس التأميم الأعمى للقطاعات كافة وخلق بذور "رأسمالية الدولة" أو المجموعة الحاكمة. وفقد التقدميون الإيرانيون الأمل بتغيير ديمقراطي في ظل الهيمنة الأميركية على حكومات الشاه المتعاقبة والذي بدوره حافظ على علاقات أمنية أكثر من جيدة مع جيرانه في منطقة الخليج إلى حد المساهمة عسكرياً في قمع ثورة ظفار في سلطنة عُمان سنة 1973 حتى نهايتها سنة 1975.

في بداية الثورة ووصول الإمام الخميني إلى طهران، وقف إلى جانب الإيرانيين الذين أملوا بهذه الثورة لتحسين أوضاعهم البائسة، كثيرٌ من اليساريين الأوروبيين

اليوم، يحتفل جزءٌ من الإيرانيين بثورة أوصلت الملالي لحكم بلاد فارس سنة 1979. حينها، ثار خليط غير منسجم من الشعب الإيراني بمكونيه السياسيين الرئيسيين، الشيوعي والإسلامي، كما جُلّ من شعروا بالاضطهاد وقمع الحريات من قبل مخابرات السافاك الشهيرة. ووضح من السهولة النسبية التي رافقت انتصار الثورة الإيرانية وسرعة مغادرة الشاه وعودة آية الله الخميني من منفاه الباريسي، بأن هناك رضاً غربيا، أميركيا وفرنسيا خصوصاً. لقد حسب الطرفان آنذاك بأنهما قادران على استيعاب النظام الجديد "المُهجّن" وإبعاده عن الحلفاء الشيوعيين لقطع الطريق أمام تمدد السيطرة السوفييتية في المنطقة في خضم الحرب الباردة. 

في بداية الثورة ووصول الإمام الخميني إلى طهران، وقف إلى جانب الإيرانيين الذين أملوا بهذه الثورة لتحسين أوضاعهم البائسة، كثيرٌ من اليساريين الأوروبيين، وخصوصاً في فرنسا، حيث وجدوا فيها تجسيداً للمفاهيم العالم ثالثية ولمواقفهم البافلوفية في معاداة الإمبريالية. وقبل أن تتم شيطنة الإسلام السياسي، وعلى هامش الحرب الباردة، حصل المعادون للشاه إيرانياً، بمن فيهم اليساريون والإسلاميون، على دعم منقطع النظير لدى رموز الإنتلجنسيا اليسارية كما في حالة الفيلسوف جان بول سارتر والمناضلة النسوية سيمون دو بوفوار والفيسلوف ميشيل فوكو. حينها كانت عبارة سارتر التي ستصير من أشهر ما قيل إيجاباً في الثورة : "لا دين لي، ولكن إن كان لي يوماً أن اختار ديناً، فسأختار حتماً دين شريعتي"، وذلك بإشارة منه إلى الفيلسوف الإيراني علي شريعتي المتوفى في بريطانيا سنة 1977.

وقد أجمع يساريون عرب وغربيون معادون للإمبريالية على أن مسار الثورة الإيرانية هو تكملة لعملية تاريخية في سبيل إزالة الحقبة الاستعمارية الإمبريالية، وأنها تمثل نموذجاً خالصاً للنضال الشعبي ضد الديكتاتوريات المدعومة من الغرب. وفي سذاجة تحليلية ما زالت تُميّز الكثير من رموزهم في تضامنهم مع ديكتاتوريات عربية وأميركية لاتينية تحت هذه المسميات الفارغة، فقد اعتبروا بأن استخدام الدين كوسيلة للانتصار على ديكتاتورية الشاه ما هو إلا مرحلة سيتجاوزها الشعب ويستعيد بعدها ممثلو البروليتاريا المهيمن عليها يسارياً السلطة.

وقد أجمع يساريون عرب وغربيون معادون للإمبريالية على أن مسار الثورة الإيرانية هو تكملة لعملية تاريخية في سبيل إزالة الحقبة الاستعمارية الإمبريالية

احتفالات اليوم بطعم المرارة في ظل اقتصاد شبه منهار وفساد المؤسسة الدينية المترافق مع فساد المؤسسة العسكرية. والعقوبات الأميركية التي عززت من قوة المتطرفين في طهران وجناحهم العسكري المتمثّل بالحرس الثوري كما أنها أدت إلى تحوّل بعض الإصلاحيين أو من يدّعي التوجه الإصلاحي، كالرئيس الحالي حسن روحاني، إلى الضفة المتشددة حفاظاً على السلطة. إن الضغوط الأميركية الأخيرة والمتمثلة في سحب التوقيع عن الاتفاق النووي الموقع في تموز 2015، كما في تعزيز العقوبات الاقتصادية، تساهم في تبعية أكثر للحماية من روسيا والصين على عكس شعار "الثورة" القديم: "لا للشرق ولا للغرب".

مع ذلك تبقى إيران قوة أساسية في الشرق الأوسط، حيث تسمح لها إسرائيل أن تكون، وهي تقبع على دمار سوريا في حين ينسحب الأميركيون من هذا الجحيم الإنساني مخلفّين فوضى لا مثيل لها بإشرافٍ إيراني وروسي وتركي. وهي تتمتع بثقل ديموغرافي وثقافي وتاريخي لا يُستهان به. وتقوم بتعويض ضعفها العسكري بالسيطرة على قوى غير حكومية تستعمل الترهيب في دول المنطقة كالحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان وسوريا، للمحافظة على القدرة في "الإزعاج" على المستوى الدولي والمقايضة بهذه الملفات المعقّدة والتي يبدو للوهلة الأولى أنها تستند الى مبدأ "تصدير الثورة" الذي نهجه الخميني وتلاميذه، إلا أنها في الواقع تسعى إلى السيطرة الإقليمية والمحافظة على السلطة المّدرّة للثروات.  سنوات الحرب مع العراق (1980 ـ 1988) وسنوات الحصار الممتدة حتى الآن، طوّرت تضامناً لا إرادياً داخل الطبقة الوسطى الإيرانية مع نظام الملالي مما حماه من احتجاجات شعبية شديدة كادت أن تطيح به إبان الثورة الخضراء سنة 2009.

ثورة قتلت أعزّ أبنائها من يساريين وإسلاميين إصلاحيين، صارت نظاماً ديكتاتورياً جديداً ونظام هيمنة إقليمية مقلقة لكل جيرانها. وعلى الرغم من الاحتجاجات المستمرة في إيران، إلا أن نظام الملالي لا يشعر بخطر حقيقي. وهو نجح بالالتفاف على العقوبات الاقتصادية بطرائق متعددة. وبالمقابل، هناك بركان شعبي محقون بكل أنواع الاضطهاد والفقر واللا مساواة والفساد والحروب المجنونة خارج الحدود التي تكلّف المواطن المال والبنين. كلها أسباب شرعية لتفاقم الاحتجاجات، ولكن سافاك الشاه أعاد إنتاج سافاكات متطورة وأكثر دموية تُخضِع الإيرانيين حتى اليوم.

 

شارك برأيك

الأكثر تفاعلاً

أشهر الوسوم