التوباماروس

لو أن كائنة بشرية من اللائي يحسبنَ أنهنَّ على قدر عال من الجمال وروح المرح والكاريزما تشغل المنصب الرفيع كمراسلة ميدانية في محطة تلفزيونية عربية، نزلت إلى الشارع وجعلت تسأل المارّة "ماذا تعرف/ين عن الأوروغواي وما أول ما يتبادر إلى ذهنكَ/ـكِ عنها؟ لأجاب الشباب منهم عن منتخب الأوروغواي الدولي لكرة القدم ومشاركاته شبه الدائمة في بطولات كأس العالم ولاستحضروا تواريخ محددة عن المرات القليلة التي وصل فيها المنتخب إلى المباراة النهائية، ولأجابت الشابّات منهم بمعرفتهنّ بالنزر اليسير من روايات الصحفي والشاعر والروائي الأوروغوياني البارز ماريو بينديتي.

ثم تُتابع تلك الكائنة سائلةً: وماذا عن طبيعة المجتمع هناك؟ لتكون الإجابة من الجنسين بصمت يسود وعينَين تحدّقان في السماء، ثم تتابع الكائنة: وماذا عن السياسة هناك؟ لتأتيها الإجابات السريعة بفضل بعض المنشورات والصور السريعة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نعم نعم بالتأكيد نعرف أن الأوروغواي كان رئيسها ما قبل الحالي هو خوسيه موخيكا وهو أفقر رئيس في العالم، لديه سيارة زرقاء، الرفاهية والجِدَّة منها براء. كما أن لديه خطابات مُسجَّلة جميلة عليكِ أيتها الكائنة أن تراجعيها!!. حسنٌ، تتابع الكائنة أسئلتها: "وكيف وصل الراحل موخيكا إلى الحكم؟"، عودة لصمتٍ يسود!.. تتابع الكائنة: "وماذا تعرف/ين عن الحركة الثورية اليسارية التي انخرط فيها موخيكا قبل وصوله للرئاسة؟"، عودة ثالثة وأخيرة لصمتٍ يسود، ثم ينقطع التقرير المصور للكائنة لتعود كاميرات التصوير إلى الاستديو وتبدأ كائنات بشرية أخرى من داخل الاستديو -أيضا ممّن يحسبنَ أنهنَّ على قدر عال من الجمال وروح المرح والكاريزما- ليقمنَ بمسلسل التهكّم

شكَّلت حركة  التوباماروس سابقةً حقيقيّة حيث إن بلدان أميركا الجنوبية لم تعرف حركة مماثلة خلال الستينيات.

من شحّ معلومات المارّة ثم يلقينَ على مسامعنا معلومات عن الأوروغواي أعدّها جنديّ مجهول مع تجلٍّ واضح لوابلٍ من الأغلاط اللغويّة تذهب بالمعلومات مذهبَ كلمات مخترعات تُصْلي المشاهدين إلى أعلى دركات الشتات في حالِكِ الظّلمات.

في متابعةٍ لِما صدَرَ عن الأوروغواي مؤخرا ونضال رئيسها ما قبل الحالي، نجد فيلما بعنوان La noche de 12 años  وقد اشتهر العنوان بالترجمة الإنكليزية له  A Twelve-Year Night 

والفيلم إنتاج أوروغوائيّ متكامل كتبه وأخرجه ألبارو بريتشنر Álvaro Brechner وقد حصل على جائزتَيْن عالميَّتَيْن.

تدور أحداث الفيلم المستوحى من قصة حقيقية حول حياة بعض المعتقلين من حركة التوباماروس Tupamaros، وهي حركة سياسية ثورية تبنّت أشكالا من الكفاح المسلح وغيره، وقد شكَّلت سابقةً حقيقيّة حيث إن بلدان أميركا الجنوبية لم تعرف حركة مماثلة خلال الستينيات. يركز الفيلم بدايةً على عام 1973 إبّان نشاط قوي للحركة شكّل تهديدا على الحكم آنذاك عبر الكثير من أشكال الاحتجاجات، ليلجأ النظام لقمع ممنهج يتخلله حملات اعتقال لتسعة من أبرز قادة الحركة ثم يتم نقل ثلاثة منهم من سجنهم السابق -عبر عملية عسكرية سرية- إلى حجز انفرادي استمر 12 سنة بهدف كسر عزيمتهم وشلّ إرادتهم ودفعهم إلى حالة من الجنون عبر صور شتى من صور العزل والإذلال والاستعباد. والمعتقلون الثلاثة هم: خوسيه موخيكا José  Mujica، إليتيريو فرناندِث أْوِيدوبرو Eleuterio Fernández Huidobro، ماوريثيو روسِنكوف Mauricio Rosencof

أمسى الثلاثة بعد اعتقالهم من كبار شخصيات البلاد الثقافية والسياسية، فأما الأول وكما يعلم الجميع، أصبح بعد اعتقاله عضو كونغرس وسيناتور، وانتُخِبَ عام 2010 كرئيس للبلاد، والثاني أصبح سيناتورا وشغل منصب وزير دفاع البلاد. وثالثهم اشتهر كروائي وشاعر -شاعر حتى في سجنه كان يكتب قصائد لبعض السجّانين ليهدوها لحبيباتهم مقابل الحصول على بعض مقوّمات الحياة- وكاتبا مسرحيا، كما شغل منصب مدير الثقافة في العاصمة مونتيفيدو.

عومِل الثلاثة معاملة قاسية جدا منها مشهد تقييدهم بشكل شبه دائم فترة احتجازهم كان حاضرا حتى أثناء وصولهم لمكان قضائهم للحاجة عبر تقييد جديد لإحدى يدَيْهم بماسورة أعلى المكان تحول دون تمكّنهم من فعل التغوّط.

مشهد آخر في الفيلم عن أحد السجناء الثلاثة استوحاه الكاتب والمخرج من حديث للرئيس موخيكا منذ سنوات خلال لقائه على قناة CNN الأميركية حول أهمية ما كان يذكره أحيانا من ذكرياته في الزنزانة، وهو تفاعله مع الجرذان والحشرات المشاطرة خلوته هناك، فكان جوابه "عندما يمسك المرء بنملة سوداء عادية بإصبعيه ويضعها في أذنه، فسيتمكن من سماعها تصرخ، وهذا ليس بالأمر اليسير، ولن ينجح في التجربة الأولى، بل يحتاج لكثير من الوقت، وأهم عنصر للتدرب على هذا هو الشعور بالوحدة، فقضاء عمرٍ وحيدا في زنزانة قذرة سيفضي بالضرورة لرؤية جرذ يهمّ بأكل بعض الفتات الذي يتركه المعتقل، ثم قال إنها الحياة، الحياة التي تملكها هناك".. ليجسّد مخرج الفيلم هذا في أحد المشاهد، وتلك لفتة عظيمة من الكاتب والمخرج في إلقاء الضوء على مراحل العزلة العقابية وأثرها.

بالعودة إلى تلك الحركة الشهيرة التي انضم لها هؤلاء الثلاثة: التوباماروس، فإننا نجد كتابا هاما صدر قبل هذا الفيلم بنحو عقد تقريبا للباحث والصحفي الفرنسي آلان لابروس Alain Labrousse بعنوان حركة التوباماروس من السلاح إلى صناديق الانتخابات Les Tupamaros Des armes aux urnes

وقد عمل مؤلف الكتاب كمدرّس في إحدى ثانويات العاصمة مونتيفيدو وأمضى سنوات عمره الخمس منذ 1965 وحتى 1970 في قلب الأوروغواي، حيث كانت الحركة في أوج نشاطها، فاستطاع أن يفهم أبعادا كثيرة للحركة ومسار معظم الفدائيين في معاناتهم خارج وداخل السجن، ودراسة شاملة للديكتاتورية العسكرية واستمراريتها لسنوات قليلة شملت فترةٌ بداية السبعينيات أي الفترة التي غادر فيها الأوروغواي.

كما أن المؤلف عاد إلى الأوروغواي قبل سنتين من نشر الكتاب، وأجرى مقابلات مع خمسين منتسبا للتوباماروس بغية دعم الكتاب بوثائق حيّة أكثر، فكان الكتاب نتاج سنوات كثيرة للحركة قاربت الأربعين منها في مرحل مختلفة في ظل الديكتاتورية عبر طرح شامل لفترة السبعينات من فكر سياسي للحركة ونضال شمل السحق والتعذيب لأفرادها، مرورا بفترة الثمانينات وما لحق ذلك من سقوط للجيش، ثم التسعينات وما تلا سقوط الديكتاتورية ودراسة لبعض التحالفات السياسية التي لم تخلُ من صراعات الأفراد كما هو الحال بكل من يقترب من السُّلطة.

من الجدير بالذكر أن انتخاب موخيكا كرئيس كان عام 2010، وقد صدر كتاب آلان عن الحركة قبل أشهر قليلة فقط من انتخابه، بالتحديد كان الصدور في 29 نوفمبر من عام 2009.

سلّط آلان لابروس الضوء على أمور كثيرة حول دراسة الأحزاب السياسية في تلك الفترة، ومجابهة النظام الحاكم آنذاك بالمزيد من العنف وسياسة البطش الاستبدادي.

أشار أيضا في بدايات كتابه إلى أصل اسم الحركة، فاسم توبامارو يعود أصله إلى توباك أمارو، وهي قبيلة هندية في كوزكو قادت ثورة عظيمة عام 1781

Le nom de Tupamaro – qui tire son origine de Túpac Amaru، cacique indien écartelé à Cuzco en 1781

فعاد مجددا اسم التوبامارو للظهور في الأوروغواي في بدايات الستينات في تلك الحركة.

يعيدنا مؤلف الكتاب إلى الظهور الفعلي لحركة التوباماروس والذي كان في منتصف الستينيات، وتجلّى في ضلوع أعضاء الحركة

يعيد مؤلف الكتاب نجاح ثوار التوباماروس إلى اعتمادهم أساليب دهائية عظيمة أكثر من لجوئهم للعنف، مع تركيزه أيضا على ابتعاد أتباع الحركة عن اتباع قياديّيها اتباعا أعمى

بعمليات مختلفة من سرقة الأسلحة، وهجمات متكررة على البنوك، وأخرى على رجال الشرطة والجيش مشيرا إلى اسم أول شهداء الحركة ممن أردته الشرطة قتيلا برصاصها في ديسمبر 1966 وهو الطالب كارلوس فلوريس Carlos Flores

يعيد مؤلف الكتاب نجاح ثوار التوباماروس إلى اعتمادهم أساليب دهائية عظيمة أكثر من لجوئهم للعنف، مع تركيزه أيضا على ابتعاد أتباع الحركة عن اتباع قياديّيها اتباعا أعمى، ولم ينسَ أنه صحفي متمكّن، فجعل يملأ كتابه بالعديد من المقابلات مع شهود عيان ممن عاشوا في ظل تلك الحركة، ولأنه فرنسي، فقد أشار إلى بعض الصحف الفرنسية اليسارية وما كانت تنشره مثلا خلال تداولهم خبر استيلاء مجموعة صغيرة من التوباماروس على ثكنة عسكرية تابعة لسلاح البحرية في الأوروغواي.

يعتبر مؤلف الكتاب أن ترشّح أحد القيادات البارزة في الحركة، وهو خوسيه موخيكا هو التغيّر الأبرز في الحركة وهو الذي أشار إليه بعنوان الكتاب حركة التوباماروس من السلاح إلى صناديق الانتخاباتLes Tupamaros Des armes aux urnes.

شارك برأيك

أشهر الوسوم