التمرين على التفاؤل

شاركت مؤخراً في لقاء فكري للبحث في أزمات الديمقراطية الأوروبية. وقد حضر هذا اللقاء وزراء وسفراء أوروبيون، عاملون ومتقاعدون، إلى جانب نخبة من الباحثين المتخصصين في دراسات التحولات الديمقراطية المقارنة. وقد اختار المنظمون، لمعرفتهم المسبقة بميولي المتشائلة، إن هم أحسنوا الظن، أن أقوم بتمرين صعب للغاية يتجسد في الحديث لمدة عشر دقائق عن مآلات الربيع العربي بإيجابية لافتة وتفاؤل غير حذر البتة. ولقد شابني الخوف من هذا التمرين الصعب وترددت بداية في قبول هذا التحدي لقناعة كانت شبه راسخة باستحالة قيامي بذلك لانعدام أو شبه انعدام أسباب التفاؤل في ظل المقتلة السورية المتجددة والثورات المضادة في أكثر من بلد شعرنا يوماً متفائلين بإمكان تحقق الانتقال السياسي فيها نحو نظام أقل طغياناً وأكثر انفتاحاً. إلا أنني لنت أمام إصرارهم وكوني الوحيد من الحضور الذي ينتمي الى منطقة المآسي والإحباطات المُراد التعرّض لها.  

ولقد ابتعدت عن الاستعراض التاريخي التأسيسي والضروري أحياناً لوضع السامعين في جو الحدث ومنحهم الفرصة لتقدير أبعاده، وذلك لقناعة مني، تشوبها الرغبة، بأن يكونوا عموما على اطلاع كافٍ في حدوده الدنيا بكل ما يرتبط بالتاريخ الجيوسياسي القريب وتطوراته في منطقة تقع على أبوابهم الشرقية والجنوبية خصوصاً أن قواهم الاستعمارية الأساسية قد أمعنت فيها احتلالاً. هذا الاحتلال الذي لم

عام 2011 هو تاريخ فاصل في حياة المنطقة وصار من الضروري الاعتماد عليه في السرديات السياسية عند التطرق إلى التطورات التي عرفتها البلاد العربية ما قبل هذا العام وما بعده

تنشئ فيما تلاه الدولة الوطنية "الصالحة للاستعمال" وللحياة، ولا اتفق ساكنوه على إخراج عقدهم الاجتماعي من حاضنة الحالة الجنينية التي ما فتئت أن استدامت بحيث لم يعد هذا الجنين قابلاً للحياة. واستغلالا للوقت القصير، وضعت نقاطاً رئيسية لإطلاق جرعة التفاؤل والايجابية التحليلية مهما كانت تحمل من طوباوية أو من تفكير رغبوي.

فبداية، اعتبرت بأن عام 2011 هو تاريخ فاصل في حياة المنطقة وصار من الضروري الاعتماد عليه في السرديات السياسية عند التطرق إلى التطورات التي عرفتها البلاد العربية ما قبل هذا العام وما بعده. فصار إذاً تاريخ بداية الانتفاضات هو نقطة "علاّم" لتمييز ماضي المنطقة عن حاضرها ومستقبلها. فليس من المقبول اعتماد سنة 2011 كأنها موعد بداية الفوضى وانعدام الاستقرار في المنطقة، على الرغم من أن الديمقراطيات الغربية تتمنى في قرارة نفسها، وقد انعكس ذلك في المثير من تصرفاتها، بقاء الاستبداد والديكتاتوريات ما دامت تحافظ على استقرار مزعوم وتساهم في الحد من قوافل الهجرة واللجوء بما أتيح لها من وسائل، وأخيراً، وليس آخراً، فهم مقتنعون أيضا بأن الطغاة في هذه المنطقة يحاربون التطرف الديني الذي يشكل بعبعاً للغرب يثنيهم عن أي التزام بـ "القيم والمعايير" الإنسانية والحقوقية التي طالما ما تغنوا بها.

من جهة أخرى، فقد برز خلال السنوات الأخيرة دور هام وجديد للجيل الشاب الذي لن يكون بمقدرته أن يقبل، في أي حال من الأحوال، ومهما تعقدت السيناريوهات وتشابكت وتشاءمت، من أن تعود الساعة إلى الوراء. جيلٌ شاب عرف ماذا تعني المجاهرة بالحقوق مهما على الثمن وارتفعت التضحيات. ورغم لجوء جزء لا بأس منه إلى خارج الأوطان، إلا أن حافز التغيير يتطور وينمو رغم البعد الجغرافي الذي ربما لن يدوم. وكما الشباب، ودورهم المحوري والمبشر بمستقبل مختلف عما جناه آباؤهم وأجدادهم، فإن مكانة المرأة في ظل التحولات الأخيرة قد عظمت مهما كانت مساعي الاستبداد والظلامية والتخلف جادة في سبيل حصرها وتهميشها وإقصاءها.

كما يمكن الحديث بإيجابية شديدة عن كم وكيف من الإنتاج الإبداعي بمختلف تعبيراته شهدته المنطقة بدءاً من تاريخ 2011 والذي لم يسبق لها أن شهدت مثيلاً له من قبل. ويكفي استعراض الروايات والأعمال المسرحية كما الأفلام التسجيلية والوثائقية والدرامية التي تم إنتاجها خلال السنوات القليلة الماضية، لنجد ومن دون أي تحيز أو مبالغة، بأنها تضاهي كمّاً ونوعاً ما أنتجه مبدعو

على الرغم من تطرف التوجهات الدينية، إلا أننا يمكن أن نلاحظ جسوراً في العلاقة بين المكونات إثنياً ودينياً ومذهبيا ًوجنسياً مع تخطي التابوهات البالية والمستحدثة

هذه البلاد ما قبل هذا التاريخ أو تكاد. كما أن الابداع التشكيلي في مجالاته المختلفة قد عرف ثورة تعبيرية مرافقة لسنوات التحولات، ودائما، يمكن ملاحظة هذه الثورة بعيداً عن المآلات التي يمكن أن تكون في غالبها سلبية إلا نادراً. وتخلص كثير من الفنانين من قيود اجتماعية بالية كما من تقاليد فنية كلاسيكية كان الالتزام بها هو معيار مفروض فيما سبق والخروج عنها ما هو إلا تعبير عن ضعف أو جهالة.

وفي المجتمع، فعلى الرغم من تطرف التوجهات الدينية، إلا أننا يمكن أن نلاحظ جسوراً في العلاقة بين المكونات إثنياً ودينياً ومذهبيا ًوجنسياً مع تخطي التابوهات البالية والمستحدثة. كما أن المجتمع المدني الذي كان إما مصادراً أو محاصراً أو مغيّباً، فقد استعاد المبادرة نسبياً وبقوة. وبدا من الواضح أن التغيير سيتعمد عليه إن آجلاً أم عاجلاً إن أُريد لهذه البلاد أن تخرج من قمم السلطة الاستبدادية أو حتى إن أراد المستبد نفسه التخفيف من سطوته على كافة المشهد العام في البلاد التي يتغوّل عليها.

عبر الجميع عن دهشتهم من قدرتي على تقمّص الشخصية المتفائلة، ولكنني ذكرّتهم بأنه لم يكن إلا تمريناً.

شارك برأيك

أشهر الوسوم