التعميم بوصفه "تخبيصة" العقل الأولى

الصورة(إنترنت)

أعتقد أن الحروب والكوارث التي تمر على الشعوب هي بمثابة فرصة مثالية لإعادة مراجعة شاملة وجذرية للكثير من الأفكار والمعتقدات، ولكن بشرط أن تكون هذه المراجعة ذاتية، يتبناها الإنسان ضمن تطور وعيه الخاص، لا أن تفرض عليه من الأعلى بحجة إنقاذه، وإلا صارت جزءاً من الحرب التي تمارس عليه.

للأسف، وفي منطقتنا العربية، ابتلينا بنوع غريب من المثقفين والفنانين، ولا نستطيع حيالهم إلا أن ندعو لله "اللهم لا تبتلِ شعباً آخر غيرنا بأمثالهم".

عادة يكون المثقف أمام الشعب، ويسبقه على الأقل بخطوة إن لم نقل بخطوات، لكن الشعوب في الثورات التي ينكفئ عنها المثقف، تصير أمامه وتسبقه بخطوات، ويصير وجود مثل هذا المثقف دون أيّ فائدة حقيقية لمجتمعه. ويبدو أنه في مثل هذه الحالة تسبب الشعوب حرجاً غير طبيعي لبعض المثقفين. وهذا ليس ذنبها إنما ذنب المثقف.

المثقف الذي كان يصرعنا بشجاعته صار الآن مجرد أرنب، ولا بد له أن يتورط بمشاهد مسرحية هزيلة ليقنع نفسه أنه لا يزال شجاعاً، فعوضاً عن إدانة الطغاة في إبادتهم وإذلالهم للناس، نراهم يركضون إلى التاريخ ليتحفونا باكتشافات يظنون أنها اكتشافات عظيمة، لا تقل خطورة عن اكتشاف كولومبس للقارة الأمريكية، أو اكتشاف أديسون للمصباح الكهربائي.

للأسف، وفي منطقتنا العربية، ابتلينا بنوع غريب من المثقفين والفنانين، ولا نستطيع حيالهم إلا أن ندعو لله "اللهم لا تبتلِ شعباً آخر غيرنا بأمثالهم".

ثم يطلع لنا آخر ويفجر بوجهنا قنبلته التي يعتقد أنها سوف تغير من صيرورة المجتمع بأكمله، ويخبرنا عن مدى قذارة شخصية تاريخية خُدعنا بها طويلاً، وكأنه لا يوجد حرب، يتسلح بأناقته المفرطة على شاشات التلفاز ، ويزعق بنا  ما معناه أن تلك الشخصية التاريخية التي تثقون بها هي مجرد شخصية حقيرة يا أغبياء، وإن كان مصيباً، لكن، هل هذا وقتها يا شجاع؟ عزيزي، نحن مخدوعون بك فقط.

ثم يأتي غيره ليثير قضية اجتماعية غير مهمة أبداً في ظل المجازر، لها علاقة بعادات الثياب عند الشعوب، طيب وأنت يا عزيزي، ألم يكن الأجدر بك أن تدرس عادات الثياب عند المعتقلين سياسياً في أقبية السجون؟

قد لا يتجرأ بعضهم نقد الطاغية ولا يمكن لومهم، فهذا الطاغية قد يقتلهم.. لكن، إن لم يكن حسك النقدي يا عزيزي المثقف موجهاً بالدرجة الأولى إلى الأسباب الجوهرية التي حافظت على شكل ما من أشكال التخلف، فمن المعيب أن تنقد هذه الظواهر السلبية، أو تلك الشخصيات التاريخية.

ماذا عن سيكلوجيا المثقف المحشور في الزاوية من قبل شعبه، والمحرج جداً أمام إنجازات الناس البسطاء، الذين سبقوه بخطوات عديدة؟

بالتأكيد سوف يكون متوتراً، يعبر عن أيّ ظاهرة اجتماعية بردة فعل لا تمت للثقافة بصلة، فيورط نفسه بأخطاء فكرية لطالما حذر هو ذاته منها، كالتعميم وغيرها من "تخبيصات" العقل عند الموتورين.

قد نتفق مع هذا المثقف أو ذاك الفنان حول هذه الفكرة أو تلك، ولكن، هل هذا الوقت هو المناسب لطرحها.

ثمة صورة من الصور الشهيرة في الثورة السورية أعتقد أنها من حلب.

مجموعة رجال واقفين في شارع عام ورؤوسهم مرفوعة للأعلى، يراقبون بصمت الطائرة التي تحلق فوقهم، وهي تنوي قذفهم ببرميل متفجر.

النوع السابق من المثقفين والفنانين يتشابهون كثيراً مع قائد الطيارة، وقرروا قصف الناس ببرميل فكري قاتل.

أعتقد أن الوقت المناسب لطرح الأفكار الإشكالية وشرحها وفهمها بهدف التغيير، هو فترة السلام والازدهار التي تعيشها الشعوب، حتى تأخذ مفعولها. وليست المجزرة وقتها المناسب.

قد نتفق مع هذا المثقف أو ذاك الفنان حول هذه الفكرة أو تلك، ولكن، هل هذا الوقت هو المناسب لطرحها

على المثقف بالدرجة الأولى أن ينحاز إلى شعبه بوجه الطاغية، وبزوال النظام الديكتاتوري المسبب الأول لكل أنواع التخلف، يمكن أن يمارس حسه النقدي بحرية تجاه الأشياء كلها.. لا أن يتجاهل البراميل التي تسقط على رؤوس الناس، ويتورط في "تخبيصات" عقلية تصل إلى عادات الثياب ونكش التاريخ، وهي "تخبيصات" وهي لا تغني ولا تسمن في هذه المرحلة.

ماذا نقول للأم القابعة في خيمة اللجوء، تحاصرها الأمطار والفقر والجوع، وقد قتل أولادها؟ نقول لها اخلعِ حجابك يا متخلفة؟ إنه سبب الهزيمة، حجابك هو الذي أساء للبلد لا رامي مخلوف وزمرة اللصوص، أم نقول لها أن تلك الشخصيات التاريخية التي تؤمنين بها هي شخصيات حقيرة، على عكس شخصيات القادة الأمنيين!!  

أليس الأجدر بنا أن ننقذ الإنسان من ويلات الحرب الحالية، ثم نحاول أن ننقذه من ويلات المفاهيم المتوارثة عن غير تدقيق، هل من المعقول بالنسبة لأولئك المثقفين أن تكون الأفكار البالية المتوارثة تشكل تهديداً على وجود الإنسان أكثر من البراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية؟

طيب، تقول جدتي: الذي لا يأتي معك اذهب معه.. لنذهب مع هذا المثقف وذلك الفنان، فعلاً الحجاب تخلف، وفعلاً تلك الشخصية التاريخية حقيرة للغاية، ماذا بعد؟ هل هذا كفيل بإيقاف حمام الدم؟ وإنهاء المجزرة، وتغيير النظام من ديكتاتوري إلى ديمقراطي؟

تنهض حياة الإنسان على مجموعة من العوامل المادية والفكرية الروحية، وأي تغيير جذري يطرأ على حياته الروحية والفكرية نحو الأفضل لن تتم بشكل إيجابي إلا في مستوى مادي محترم من حياة كريمة.

هنالك من سلب الإنسان حياته المادية والآن هناك من يسلبه حياته الروحية.

في الكارثة لا يبقى للناس من عكاز يتكئوون عليها سوى انتماءاتهم الروحية، التي تتعزز أكثر مع ازدياد الهزيمة.

إذن يحق لنا أن نشعر أن مثل هذا النوع من النخب لديهم تواطؤ مع النظام، قد يكون تواطؤاً غير مقصود، فحواه: أنت اقتله مادياً وأنا أقتله روحياً. ومثل هكذا مثقفين مهما علا شأنهم إلا أنهم رفضوا أن يكونوا مع الناس وفي الشارع، للأسف، خذلتنا هذه النخب وظلت أسيرة أوهامها.

ختام القول: عزيزي المثقف عزيزي الفنان، شغلك ــــ على ما أعتقد ـــ ليس هنا، شغلك أشبه بقطع رأس الأفعى لا ذيلها، إما أن تقطع رأسها، أو فلتصمت.. والله أعلم..

 

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم