التطويع القسـري.. حرب جديدة تنتظر السوريين

2018.07.02 | 00:07 دمشق

+A
حجم الخط
-A

"نحترم قرارات اللاجئين السوريين بالعودة إلى بلدهم الأصلي، عندما تُتخذ من دون ضغوط لا مبرر لها"، بهذه الجملة المقتضبة وافقت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ضمنياً على السياسة اللبنانية الرسمية التي باشرت بدفع آلاف اللاجئين السوريين المهجرين والنازحين من على أراضيها نحو جغرافية التطويع القسري تحت حكم آل الأسد.

الحرب المنتظرة ضد السوريين المهجرين، والتي بدأت ملامحها تلوح في الأفق، ستصبح حال نجاح تجربتها في لبنان، عنواناً للمرحلة القادمة، بعد الانتهاء من المخططات الدولية الرامية لتصفية الجناح المسلح للثورة، والذي أوكلت مهمته لروسيا وإيران مع النظام السوري بمباركة إسرائيلية أمريكية عربية أوروبية.

ولا يخفى عليكم ما يجري على المشهد السياسي الدولي من سحب أي قوة أو تأثير للمعارضة السياسية، تماشياً مع حرب الجنوب، والتي حملت في طياتها دلالات خطيرة، أشار إليها رئيس الهيئة العليا للمفاوضات "نصر الحريري" بشكل أو آخر، عندما أوعز بتصريحاته المجملة نوعاً ما، بأن الثورة قاب قوسين أو أدنى من خسارة معركتها السياسية على صعيد النخب المتواجدة حالياً.

إذاً، عنوان المرحلة من الحرب الدولية ضد سوريا وثورتهم، تصفية الجناح العسكري للثورة، واستبعاد أي استحقاقات سياسية، ونجاح الصفقات الدولية في الجنوب، ستكون نتيجته تدمير الثورة وسوريا معاً، مقابل الحفاظ على النظام الحالي، والبدء بحرب الإعادة القسرية للسوريين من دول الجوار إلى مظلة الاستبداد.

العديد من الدول، منها العربية ومنها الأوروبية تنتظر نجاح حرب التطويع التي بدأها لبنان بحكومته، ودخل إليها حزب الله مؤخراً، ليبدأ هو الآخر بتطبيق ذات السيناريو، ولعل أكثرهم ترقباً لنتائج ما يفعله الأمن اللبناني وحزب الله، هي المملكة الأردنية الهاشمية، التي بكل تأكيد لن تتوانى عن تكرار ذات الأمر، إلا أنها تنتظر طي سجلات الثورة السورية على حدودها، على يد الروسي والإيراني، قبل البدء بإفراغ مخيمات وتجمعات السوريين على أراضيها ودفعهم نحو الجنوب السوري.

إغلاق الحدود الأردنية بوجه السوريين وفتحها لإعادتهم قسراً في لبنان، مؤشرات خطيرة بأن الدول العربية ترغب بتطويع السوريين تحت حكم الأسد مجدداً.

الأردن، ربما أوصل الرسالة لسوريي الثورة من عسكر وسياسيين، عندما قال أكد أكثر من مرة بأن حدوده متينة، ولن يسمح بدخول السوريين إلى أراضيه، ومطالبته للأمم المتحدة بتحمل مسؤولياتها داخل الحدود السورية لا خارجها.

إغلاق الحدود الأردنية بوجه السوريين وفتحها لإعادتهم قسراً في لبنان، مؤشرات خطيرة بأن الدول العربية ترغب بتطويع السوريين تحت حكم الأسد مجدداً، وأن هدفها القادم، فتح الحدود لإعادتهم قسراً أو إكراهاً تحت حكم الديكتاتورية، بعد سحب أي آمال سياسية أو عسكرية من جعبتهم الثورية.

زعيم حزب الله "حسن نصر الله"، أعلن وبكل صراحة دخوله أيضاً حرب التطويع القسري بعد إقحام مجموعاته الطائفية لقتل السوريين واحتلال أراضيهم، وقال نصر الله: حزب الله سيشكل "لجانا شعبية في مختلف المناطق للتواصل مع النازحين لمن يرغب، نحن لا نريد أن نلزم أحدا، نحن نريد أن نقدم هذه المساعدة الإنسانية الوطنية التي تخدم الشعبين اللبناني والسوري".

أما النظام السوري، ومع الإعلان الرسمي اللبناني، بدأ بإرسال أزلامه إلى الداخل اللبناني، لتسجيل أسماء من سيتم إعادتهم قسراً أو إكراهاً نحو حكم الاستبداد، وحزب الله كما النظام وكالمفوضية السامية، يتحدثون عن عدم وجود ضغوط لإعادة اللاجئين!. رغم علم الجميع بالمعادلة السلسة، خروج حزب الله من المدن والبلدات التي احتلها على الشريط الحدودي ضمن الأراضي السورية، كفيل بعودة اللاجئين طوعياً، أما ما يجري حالياً فهو تحجيم الثورة وتطلعات الحرية في قلوب وأحلام السوريين، برعاية دولية.

نعلم تردي الأوضاع الاقتصادية في لبنان والأردن، ولكن ما يحاك ضد السوريين ليس الاقتصاد سببه الحقيقي، فالدولة اللبنانية دفعت حزب الله إلى قتل السوريين داخل منازلهم، ولو لم تفعل ذلك، لما طرق السوريون مخيماتها ولا حدودها، ولو أرادت فعلاً جلب الاستقرار إلى بلدها، لقامت بلجم حزب الله لا تأييد جرائمه وانتهاكاته في سوريا، ولكن واقع الحال يقول: لبنان حكومة وحزباً يسيران على خط واحد، وأن حزب الله بات الحاكم الفعلي للدولة اللبنانية بمؤسساتها وجيشها.

في الصعيد الأوروبي، فإن العديد من دول الاتحاد، تنتظر بفارغ الصبر، المرور السلس لحرب الإعادة القسرية في لبنان، دون أي ضجيج إعلامي، حتى تبدأ هي الأخرى بتكرار المشهد، والتخلص من الأحرار السوريين والهاربين من جحيم الأسد، عبر رميهم في الجحيم مجدداً.

 وعلى ما يبدو، فإن أوروبا والدول الإقليمية تترقب اغتيال الثورة السورية عسكرياً وسياسياً بفارغ الصبر، للبدء بالحرب الجديدة، لعلم تلك الأطراف بأن إنهاء الثورة بشقيها العسكري والسياسي عاملان كفيلان بقتل الأحلام لدى مئات الآلاف، وإجبارهم على الاختيار الطوعي مجدداً للنظام الذي أجبرهم بعد قتل مئات الآلاف منهم على النزوح الغير طوعي.

الحرب المنتظرة، ليست حدثاً مستغرباً، مقارنة مع ما يحدث في الداخل السوري، ولكنها حلقة جديدة ستضاف إلى حلقات التآمر التي يعيشها السوريون منذ سنوات، فالدول العربية قبل الكبرى تسابقت لدعم الديكتاتورية في سوريا، ولم تحرك ساكناً تجاه التوغل الإيراني في العمق العربي، والذي يعد خطراً استراتيجياً على مستقبلها ومستقبل شعوبها، ولكنها رغم ذلك أهملت التوسع الإيراني وركزت جهودها على تصفية الربيع العربي.

سوريا.. الثورة، تخوض أصعب مراحلها منذ اندلاع شرارتها في آذار عام 2011، فصفقات دولية تحاك لتصفية جناحها العسكري، وحرب سياسية لترويض المعارضة وفق الأجندات الموضوعة، ودولاً عربية بدأت بقرع طبول الحرب لطرد السوريين. 

أبرز مخاطر إعادة السوريين نحو ظلال سيوف الديكتاتورية بالإكراه والإجبار، يتمحور بانتزاع أقوى ورقة لسوريا الثورة، وهي الحاضنة، هم السوريون الذين فضلوا النزوح وتخلوا عن أملاكهم وما جنته سنون أعمارهم، مقابل بناء سوريا الجديدة.

وعلينا ألا ننسى بأن الحاضنة الشعبية للثورة السورية، هي المدفع الكبير التي أدت إلى حماية الثورة من الهزيمة خلال سنوات السلمية، وبعد العسكرة، والمخططات التي بدأت تحاك مؤخراً ضد المهجرين، تهدف بانتزاع الحاضنة المهجرة، بعد احتلال النظام للحاضنة الشعبية داخل أسوار الوطن عبر بوابة التسويات السياسية التي أفرزتها مخرجات أستانا وغيرها.

سوريا.. الثورة، تخوض أصعب مراحلها منذ اندلاع شرارتها في آذار عام 2011، فصفقات دولية تحاك لتصفية جناحها العسكري، وحرب سياسية لترويض المعارضة وفق الأجندات الموضوعة، ودولاً عربية بدأت بقرع طبول الحرب لطرد السوريين من أراضيها تنفيذاً للإملاءات الدولية، والمؤامرة التي تعمل على دفن أحلام التحرر داخل التراب السوري، وإجبار الهاربين بأحلامهم للقبول بكابوس الأسد وحكمه الإجرامي.

صحيح، أن الخيارات أمام الثورة السورية اليوم، ضئيلة جداً، إن لم نقل معدومة، وهذا نتاج طبيعي لسنوات خلت، من حبك المؤامرة الدولية لها، عبر تفرقة الثورة إلى تشكيلات وفصائل متعددة التوجهات، وخداع الهيئات السياسية عبر منصات ومؤتمرات ووعد خلبية، في ذات الوقت كانت روسيا وإيران تقودان حرباً دموية دامية ضد المناطق واحدة تلو الأخرى، إبادة وتهجيراً واعتقالاً، وبعد التفرغ من الحرب العسكرية التي تبدو بملامحها الأخيرة خلال المدى المنظور، بدأت مؤامرة جديدة تحاك ضد سوريي الدول المجاورة وفي أوروبا، بهدف إنهاء ملف الثورة السورية بالكامل، مقابل الحفاظ على النظام مجدداً وصفقات خبيثة لا بد بأن مخاطرها ستطفو على الواجهة في القريب العاجل.

وفي حال بقي ساسة الثورة وعسكريوها يسيرون في ذات النهج، من ارتماء في أحضان الدول، والتماشي مع السيناريوهات السياسية، فإن الثورة ستكون فعلياً قد دخلت مرحلة الموت السريري، ولا بد على النخب السورية التحرك على عجل لاستدراك الخطر، قبل أن يحتل النظام برعاية دولة الحاضنة الشعبية بعد سيطرته على الجغرافية الثورية.