التشبيح الأميركي وخيبات الملالي

قديمة العلاقة الأميركية – الإيرانية. تعود إلى فترة اكتشاف النفط في إيران، وإزاحة اليد الإنكليزية عنه، إلى محاربة النمو الشيوعي في ذلك البلد؛ إلى استدعاء رئيس الوزراء مُصدّق، ثم القضاء عليه؛ إلى العودة لتعزيز الشاه وتدجيجه بما طاب له من السلاح، وجعل "السافاك" /المخابرات/ الأقوى في داخل إيران ومحيطها؛ إلى وصول إيران لموقع منافس وأحياناً متفوّق على إسرائيل حظوة لدى الإدارات الأميركية، التي جعلت من إيران خط الدفاع والهجوم الأول في وجه السوفييت؛ إلى اللعب في الداخل الإيراني، الذي أنهكه الشاه؛ وصولاً إلى التأسيس للـ "عدو الجديد" /الإسلام/ عند بدء أفول نجم العدو الشيوعي نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات؛ إلى لقاء "برجينسكي" وغيره من صنّاع السياسة الأميركية بالمنفي في فرنسا "الخميني"، وأخذ التعهد منه بصيانة المصالح الأميركية بعد الشاه مع إدخاله إلى إيران وإنهاء الشاه.

ذلك التأسيس الأولي بين البلدين جعلك لا ترى مؤسسة أميركية أكاديمية أو اقتصادية إلا وفيها من أولئك الذين أوفدهم الشاه أو ذهبوا كمستثمرين ليشكلوا قوى ضغط بكل الاتجاهات في الساحة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو التدينية الأميركية. وهنا إسرائيل و"لوبياتها" لم تكن غائبة عن المشهد، لتتطور علاقة ولا أوثق بين البلدين لا نعرف خباياها بدقة، غير أن أكبر "الحاخامات" في إسرائيل يتشاور ويطلب الرضى من حاخامات إيران.

قبل قيام ما سُمّي بـ "الثورة الإسلامية"، كانت مراهنات السياسة الأميركية على عصر مليء بالقوة مع إيران؛ ولكن مكتوباً على هذه العلاقة أن تمر بكل أنواع الأنواء مداً وجزراً، تحكمها "التقية" الإيرانية و "البرغماتية" الأميركية، اللتان تتشابهان إلى حد التطابق. فمن احتلال السفارة الأميركية في استهلال عهد "الخميني"، وتخييب أمل "جيمي كارتر"، والمساهمة -إثر ذلك- بسقوطه عام ثمانين من القرن الماضي، والترتيب مع "ريغن" لإطلاق سراح 444 أميركي احتجزهم حرس الخميني الثوري، ولم يطلقهم إلا كهدية للرئيس الجديد "ريغن" عربون صداقة خفيّة مؤامرتيه أتت أُكلها في التنسيق مع إدارته في شراء الأسلحة لحرب الخميني مع العراق، ولتزويد CIA "ريغن" بالدعم المادي الذي احتاجه للـ "كونترا" (ما عُرِف بـ "فضيحة الكونتراز)؛ إلى ضرب "المارينز" الأميركيين 1982 في بيروت، وتأسيس "حزب الله"، ومنها إلى تقويض الوضع السوفييتي في أفغانستان لتكون طهران المضيف الأساس لتنظيم القاعدة؛ ومن ثم إلى حرب أميركا في أفغانستان، ولعب إيران بموجب "التقية"، وفتحها على حسابها، لتستشيط أميركا منها غضباً، وتجعل "الخميني" يتجرع كأس سم إنهاء الحرب العراقية – الإيرانية، بعد أن كانت وإسرائيل قد زادتا في إوارها، حتى وصل البلدان إلى ما وصلا إليه. تبع ذلك بالطبع

لا تسمع في الخطاب الإيراني إلا "الشيطان الأكبر" و "الاستكبار الأميركي" الذي ساعد الملالي على الضرب عرض الحائط بالوضع الداخلي وحاجاته، وحُكْمِه بالحديد والنار والقمع والعوّز

احتلال العراق للكويت، واحتلال أميركا للعراق؛ وكانت إيران كالضبع - لكن صانع سجاد بـ "تقيته" بانتظار الانقضاض على مجمل الفرائس، التي كانت أميركا تمص خيرها، وتتركها له أكان ذلك في أفغانستان أم في العراق.

كل ذلك ساهم باستمرار حالة المد والجزر في العلاقة، وفي "العداء" بين أميركا وإيران الخمينية. فلا تسمع في الخطاب الإيراني إلا "الشيطان الأكبر" و "الاستكبار الأميركي" الذي ساعد الملالي على الضرب عرض الحائط بالوضع الداخلي وحاجاته، وحُكْمِه بالحديد والنار والقمع والعوّز. لقد شكّل "العداء لأميركا" إستراتيجية لجمهورية الملالي الإسلامية. فباسم هذا العداء حكموا وتحكموا؛ وتحت يافطتها قادت إيران ما درج على تسميته بـ "جبهة المقاومة والممانعة".

كل ذلك وصولاً إلى 2010 و2011؛ ومع انطلاقة ما سُمِي بالربيع العربي، وما سمّته إيران بداية "النهوض الإسلامي": /the Islamic Rise/ (ربما لأسباب تكشفت لاحقاً بسيطرة "محاربة الإرهاب" على كل شيء)؛ فبالنسبة لإيران بقيت التسمية معتمدة إلى أن قام الحراك في سوريا؛ فأصبح حسب تقيتها ليس "نهوضاً إسلامياً" بل "إرهاباً"؛ وإن أراد الآخرون تسميته بالإرهاب الإسلامي، فيكون "إرهاباً سنيّاً" حصراً؛ ودليلها الذي يشاركها فيه العالم "داعش"؛ رغم أنها أحد مصادره الأساسية.

علاقة إيران بأميركا شهدت عصرها الذهبي في عهد الرئيس الأميركي "أوباما". في عهده، وقّعت إيران اتفاقها النووي؛ تلقت مليارات الدولات، استشرست، وفلتت في محيطها إلى درجة بدأ الروس والأوروبيون يطلبون ودّها. وكان كل ذلك إلى أن أتت انتكاستها الجديدة برحيل "أوباما"، الذي تشعر أحياناً بأنه أحد الملالي، وقدوم "ترمب" الذي تشعر وكأنه يريد أن يمسح تلك الحقبة الأميركية

هل يستطيع الملالي الخروج من هذا المأزق، الذي يتحوّل يوماً بعد يوم إلى كارثة حلّت به؟

من التاريخ الأميركي، وتحديداً ذلك الوضع المشبوه مع إيران؛ فكان أن ألغى الاتفاق النووي، وقدّم جملة من الشروط التي تشوّه أو حتى تلغي "الهيبة" التي طالما عاش عليها الملالي كل هذه السنين. زد على ذلك أن التنفس المحتمل للملالي يتم إغلاقه بالمطلق: ممنوع على أي دولة أو مؤسسة أن تشتري نفط الملالي الذين يعيشون عليه حصراً، ويتحكموا تخريباً بمحيطهم.

والآن هل يستطيع الملالي الخروج من هذا المأزق، الذي يتحوّل يوماً بعد يوم إلى كارثة حلّت بهم؟ هل يستطيعون، وقد زاد في طنبورهم نغماً شبه إجماع عالمي على وقف انتشارهم الخبيث في محيطهم وعالمياً؟! هل يستطيعون وإسرائيل تتوعدهم ليل نهار، وتمارس عسكريتها عليهم من وقت لآخر؟! هل يستطيعون والعالم توقف عن التفاعل مع نفطهم شريان حياتهم خوفاً من أن تطاله عقوبات ترامب؟! إذا خضعوا لشروط ترمب، تكون نهاية سطوتهم محتمة على يد داخلهم وفي محيطهم (حتى شحنهم لرأس النظام في دمشق إلى طهران لم يفدهم بل أضرهم وأضّره - حيث كان المخلوق موعوداً بأنه، إذا ساهم بإبعادهم عن سوريا تخف الوطيئة عليه؛ ولكنه لم يستجب؛ فلا هو سيبقى، ولا الشاحنون يستفيدون؛ وإن لم يخضعوا، وقرروا المواجهة، فالنهاية أكثر حتمية، وبأنف يرعف دماً. مطرقة وسندان لا خروج منهما. ولكن مَن يدري؟! فالذي عاش على الكذب وإستراتيجيته التقية يمكن أن يوجد مخرجاً. ألم يتعلموا من حافظ الأسد الذي أعلن انتصاراً بعد خسارة الجولان عام سبعة وستين؟! أو حتى من ابنه الذي يعلن انتصاراته، وسوريا تحت خمسة احتلالات؟! لننتظر ما تحمله أيام حبلى بما قد لا نتوقع.

شارك برأيك

أشهر الوسوم