التاريخ يعيد نفسه والشباب السوري هدف - روسيا - وإيران!

لم يكتف حلفاء الأسد الروس والإيرانيون في السيطرة العسكرية والأمنية والاقتصادية على الدولة السورية والمجتمع السوري، بل امتدت أذرعهما إلى فئة الشباب والأطفال لضمان مستقبل هاتين الدولتين على الأرض السورية وعلى المدى الطويل، وذلك من خلال اختراق المجتمع السوري في خطة يمكن أن نقول بأنها خطة أمنية بامتياز، فالأمن لا يقتصر على تحقيق الأمان للدولة والمجتمع فقط، بل من أهم مهامه غير المعلنة الانخراط في المجتمعات لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية لا يمكن تحقيقها بشكل مباشر نظرًا للاختلاف الكبير والجذري من حيث التركيبة السكانية والأيديولوجية بين هذه الدول المستعمِرة والدول المستعمَرة، وهذا الأسلوب الاستعماري ليس بجديد على مجتمعنا ومجتمعات دول العالم الثالث التي ترزخ الآن تحت نير الاحتلال غير المباشر، ومن المفيد التذكير بما حدث في سوريا الكبرى بُعيد انسحاب الدولة العثمانية منها في بداية القرن الماضي لنجد أنه يتطابق تماماً مع ما يحدث الآن.

 ففي عام 1916 بدأ الفرنسيون العمل من أجل فرض الانتداب على سوريا في خطوة استباقية لإفشال مشروع الوطنيين السوريين لإنشاء الدولة السورية عام 1918، ولهذا السبب عملوا على إنشاء قوات محلية من أبناء المناطق التي يريد الفرنسيون احتلالها فيما بعد وفرض سيطرتهم عليها، بحيث توفر هذه القوات غطاءً شرعيًا للقوات المستعمرة لتحقيق الأمن والاستقرار لها في هذه المناطق، ولعل الملفت للنظر أن أغلب عناصر هذه القوات من الأقليات كالدروز والأكراد والعلويين والإسماعيليين والشراكس وغيرهم، وأطلق على هذه القوات مسمى "القوات الخاصة للشرق" وقد وضع الفرنسيون شرطين أساسيين للمتطوعين في هذه القوات:

  • الأول أنهم يقاتلون ضد القوات العثمانية من دون غيرها.
  •  والثاني أنهم جزء من هذه القوات.

 ولعل الاتفاق البريطاني الفرنسي في سان ريمون في تموز عام 1920 والذي وضع سوريا تحت الانتداب الفرنسي شرّعن هذه القوات من خلال ما جاء في صك الانتداب الذي يفرض على فرنسا إعداد جيش محلي، فكان نواة هذا الجيش القوات الخاصة للشرق، التي حرصت سلطات الانتداب الفرنسي قبل خروجها من سوريا على ضمّها إلى صفوف الجيش السوري، وبالمزايا الخاصة التي كانت تتمتع بها، ومن هنا بدأت مرحلة الانقلابات على الحكومات المدنية

ما يحدث في سوريا الآن ساهم كثيراً في دبّ الرعب في قلوب الدول الاستعمارية بخاصة روسيا

المنتخبة الأمر الذي أدى إلى ترسيخ حكم العسكر للدولة السورية عبر الكثير من الانقلابات التي عصفت بالحياة السياسة بعد جلاء المستعمر الفرنسي عن أرض سوريا بقليل، وصولاً إلى حكم آل الأسد، والذي يبدو أن الثورة السورية عرّته وفضحت دوره الإجرامي في سوريا والمنطقة، ولعل ما يحدث في سوريا الآن ساهم كثيراً في دبّ الرعب في قلوب الدول الاستعمارية بخاصة روسيا التي تحاول تكرار ما فعله المحتل الفرنسي لضمان سيطرته على الدولة السورية من خلال ما تقوم به من تجنيد الكثير من الأطفال وإرسالهم لاتباع دورات عسكرية في روسيا لضمات استمرار وضع يدها على الجيش السوري الذي من الواضح أنه هو الضمانة الوحيدة لسيطرة الروس على شرق المتوسط، ولهذا لن تسمح أن يقود هذا الجيش إلا ضباط علويون حافظوا على مصالح روسيا نصف قرن، ولم تكتف روسيا في محاولتها لضمان سيطرتها على سوريا من خلال الجيش السوري في المستقبل بل تطور الأمر إلى أدلجة الطلاب والأطفال السوريين بطرق جديدة وبخاصة في المدن والبلدات المحيطة في العاصمة دمشق، ولعل أبرز ما تقوم به القوات الروسية وضع كتب مدرسية جديدة من أجل تدريسها للطلاب السوريين، والتي ستشمل الأدب الروسي والسير الذاتية للكتّاب الروس، فضلاً عن قصص وملاحم ونصوص كتابية لمعاصرين روس، بالإضافة إلى افتتاح المدارس الثانوية وزيارتها من قبل مسؤولين روس وإلقائهم كلمات شرحوا من خلالها العلاقات بين الشعبين الروسي والسوري، كما وزعوا عليهم عدداً من الهدايا، في محاولة منهم لأدلجة وكسب تعاطف أكبر عدد من هؤلاء الفتية.

أما الإيرانيون فمشروعهم في السيطرة على سوريا ليس جديداً، بل بدأ في عهد الأسد الأب وترسّخ في عهد الأسد الابن في كافة مناحي الحياة الاجتماعية، من خلال محاولات نشر التشيع في أوساط المجتمع السوري على مختلف مشاربه وأيديولوجياته، وأيضاً من الناحية الاقتصادية والأمنية وإحداث التغيير الديموغرافي الذي ظهر واضحاً خلال الثورة السورية ولعل أخطر ما قامت به إيران يكمن في  نشر فكرها المنحرف بين السوريين عامة والأطفال والشباب خاصة، وذلك في مناطق سيطرة النظام من خلال بناء كليات تدرّس المعتقدات الإيرانية، كما عملت على إنشاء عشرات الحسينيات في مناطق عدة في محاولة منها لتغيير المعالم في القرى التي تدخلها بشكلٍ كاملٍ، والإيرانيون كما استولوا على الدولة اللبنانية وقرارها عن طريق حزب الله، واحتلوا العراق

ما تقوم به روسيا وإيران هو تكرار لما حدث في بداية القرن العشرين من قبل الفرنسيين وهذا سيقوض أي حكم ديموقراطي

ووضعوا حكومة تابعة لهم في بغداد، ونصّبوا الحوثيين حكّاماً على اليمن، هم يسعون إلى وضع دمشق عاصمة الأمويين تحت انتدابهم، فهذا حبل إنقاذ ملفاتهم الدولية الكثيرة العالقة بدءاً من الاتفاق النووي مروراً بخلافاتهم مع دول الخليج العربي.

إن ما تقوم به روسيا وإيران هو تكرار لما حدث في بداية القرن العشرين من قبل الفرنسيين وهذا سيقوض أي حكم ديموقراطي يمكن أن ينتخبه الشعب السوري وسنجد من دربتهم روسيا وإيران في مدارسها ومعسكراتها هم من سيحكمون سوريا مستقبلًا ليعود عهد العسكر والاستبداد والظلم، ومن هنا يمكن للشعب السوري أن يتفهم تحرك الروس والإيرانيين والأمريكان والأتراك وغيرهم على الأراضي السورية بشكل أو بآخر لضمان تحقيق مصالحهم ومصالح شعوبهم في سوريا المستقبل كل بحسب إمكانياته ورؤيته، لكن ما يثير الدهشة ماذا يفعل من يعتبرون أنفسهم سوريين كالأسد وأجهزته والمعارضة ومؤسساتها لضمان حقوق السوريين في الاستقلال والاستفادة من مقدرات البلاد؟، وهل قدر السوريين أن يقودهم حثالات البشر من القتلة المأجورين وشذاذ الآفاق؟، لينهبوا ثروات هذا الشعب المسكين ليقدموه عربون ولاء لهذه الدولة أو تلك ليبقوا قابعين على كراسيهم المغمّسة بدماء شعبنا وليكونوا أداة يستخدمها المحتل لإذلال شعبنا ونهب ثرواته وإفقاره وسلبه حريته وكرامته.      

شارك برأيك

أشهر الوسوم