البغدادي حراً من الخلافة

أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة (إنترنت)

تكمن قراءة الحديث الأخير لزعيم داعش وفق عدة مستويات؛ في الكلام والمشهد والعلامات. وقد عنيت التغطيات الإخبارية بالمستوى الأول، مما يتيح الفرصة لتأمل جوانب أعمق لهذا التسجيل الذي نشر بعنوان «في ضيافة أمير المؤمنين».

يقرّ البغدادي بخسارة معركة الباغوز لكنه يضعها في سياق حرب طويلة، ويحاول التخفيف من أثرها بوسائل متعددة أبرزها إحالة النتائج على الله الذي «أمرنا بالجهاد ولم يأمرنا بالنصر». غير أن سيطرته على نفسه في بداية الكلمة كانت مشوبة بالضعف وكان هدوءه مخترقاً بالانكسار. وبدا رجلاً مهزوماً فاقداً بعبارات مفككة رغم المكابرة. لم يعلُ صوته وتقوى نبرته إلا عندما انتهى من تعداد أسماء القادة الذين قُتلوا. وفي حين كانت اليدان تمسكان الركب تحركتا بعد ذكر الإخوة واستخدم السبابة (الوعيد) أكثر من مرة، لكن الإصبع اللادنية لم ترتفع بشكل أكبر، وباليد اليسرى، إلا عند قوله إن إخوانهم «سيأخذوا بثأرهم». وبعد انتهائه من هذه الفقرة التي أخذت طابعاً حكائياً، عادت جلسته كما كانت تقريباً.

في الكلمة المصورة الأولى للبغدادي، والوحيدة قبل هذه، ترتفع الإصبع الموحية بالقوة مراراً رغم أنها لا تستقيم بصلابة إلا نادراً. هناك، في الموصل 2014، كان التنظيم منتشياً بالانتصارات التي فاجأته هو نفسه، كما بات معروفاً بعد تخلخل بنيته وتسرب جزء من وثائقه والقبض على بعض قادته ونشر اعترافاتهم، كما كان مقبلاً على خطوة كبرى مفصلية هي إعلان الخلافة. وبقدر ما بدا هذا الأمر غير قابل للتصديق في نظر مراقبين خارجيين يبدو أنه كان يحمل قدراً كافياً من الغرابة حتى لدى فاعليه، وقد عاشوا معظم سنيّ أعمارهم في القرن العشرين بمعطياته ومفرداته.

في الجامع النوري الكبير لم يبق من الحداثة إلا ملامح ثانوية؛ المروحة والأضواء وساعة اليد، بينما طغى مشهد الرجل الذي فعل كل ما في وسعه كي يبدو مهيباً بملابسه التراثية السوداء. لكنه ظهر وكأنه مقتطع من مسلسل تاريخي ضاعت هويته الزمنية

في الجامع النوري الكبير لم يبق من الحداثة إلا ملامح ثانوية؛ المروحة والأضواء وساعة اليد، بينما طغى مشهد الرجل الذي فعل كل ما في وسعه كي يبدو مهيباً بملابسه التراثية السوداء. لكنه ظهر وكأنه مقتطع من مسلسل تاريخي ضاعت هويته الزمنية، فهو لا يحمل الأبّهة المفترضة للخلفاء العباسيين الذين يشابههم شكلاً، ولا تقشف الراشدين الذين يدّعي مواصلة مسيرتهم. تاه الرجل فاستند إلى ما يعرف. أنقذه رمضان الموافق حينها فافتتح به خطبة عادية عن الصوم يتقنها كشيخ، واتكأ على مكمن قوته كمختص في التجويد بإظهار أحكامه. وعندما وصل إلى دوره الفعلي في العرض كرر أشد الأقوال شهرة وألفة في كتب التاريخ وسيناريوهات الدراما، وأكثرها غرابة عن الواقع: «ولِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني...» إلخ.

لم يكن البغدادي «خير» جماعته بالفعل، فقد بات معروفاً أيضاً أن رجالاً أقوى منه في التنظيم توافقوا على تصديره نظراً لسلالته القرشية وخلفيته الشرعية وسهولة التحكم فيه. غير أن مياهاً كثيرة جرت منذ ذلك الوقت. فقد قتل هؤلاء، وها هو الرجل الذي أدى دور الخليفة في مسرحية التخرج يظهر مجدداً، بعد خمسة أعوام قضاها وهو يستخدم رطانة الولايات والدواوين والأمراء والجند والرعية والسبايا، حتى لبسته الشخصية ولبسها!

غير أن اللافت هنا، وهو أخطر ما في التسجيل، أن الخليفة والخلافة التقيا في منتصف الطريق. فمن جهة اعتاد خطيب الجمعة إبراهيم البدري دوره الجديد كأمير المؤمنين أبي بكر، ومن جهة ثانية راحت أرض دولته تنكمش حتى تبخرت نهائياً وصار عليه أن يبث تسجيله من غرفة في منزل مجهول. لكن هذا لم يكن خسارة صافية، ففي التحرر من الدولة ومسؤوليات معيشة السكان والحسبة عليهم والقضاء بينهم وتمويل الجيوش والإدارات المختلفة يتحرر البغدادي 2019 من أعباء كثيرة بما فيها الهيبة.

ورغم هزيمته يبدو أقرب إلى نفسه وهو يجلس على الأرض، مرتاحاً لتندّ عنه بعض اللكنة العراقية، مرتدياً الجعبة ومصطحباً البندقية كما يليق برئيس عصابة هي الأغنى في العالم والأشد انتشاراً، كما تدل الملفات التي صورها التسجيل بشكل استعراضي عن هذه الولاية أو تلك. لم يعد البغدادي بحاجة لأن يمثل إذاً، عليه فقط أن يتابع ما بدأه وبالخطوط العامة، ثم يترك الجماعات المبايعة في البلدان البعيدة لأمرائها المحليين الأصليين، كما سبق أن ترك أمر تحديد الأهداف ووضع الخطط وتنفيذ العمليات بيد «الذئاب المنفردة» في أي بلد وُجدوا، وببيعة قلبية يؤدونها له بينهم وبين أنفسهم فقط.

كما تدل الملفات التي صورها التسجيل بشكل استعراضي عن هذه الولاية أو تلك. لم يعد البغدادي بحاجة لأن يمثل إذاً، عليه فقط أن يتابع ما بدأه وبالخطوط العامة، ثم يترك الجماعات المبايعة في البلدان البعيدة لأمرائها المحليين الأصليين

أثناء تمرير الملفات لم يستحضر إعلام داعش المنهَك أياً من إكسسوارات الخليفة، إذ لم تعد هناك حاجة لذلك بعد أن رجعت «الدولة» إلى حالة التنظيم قبل تمدده منذ 2013، وإن بقوة أكبر الآن. وهو يستلم هذه الملفات بدا البغدادي أشبه بمدير عام منه بخليفة. وعوض التباعد والعلو الذي يفرضه المنبر ظهر هنا في مستوى جلسائه. وبوجهه الأسمن من قبل بدا أكثر نضجاً بعدما تراكمت عليه مصاعب يدل عليها الجزء غير المحنّى من لحيته، بعد أن عاش مدة طويلة سابقة في رغد.

لقد تحرر أبو بكر البغدادي من العباءة الرسمية الآن، وهو يرتدي جلابية عادية ويضع على رأسه غطاء بسيطاً بدل العمامة. وتحرر التنظيم من الدولة وما تفرضه من جغرافية معلنة قابلة للاستهداف، وبدأ بممارسة الطور الجديد من حياته كمنظمة إرهابية هي الأخطر.

شارك برأيك

أشهر الوسوم