البعثنة والأخونة ليستا قضاءً وقدراً

الصورة (إنترنت)

يبدو أن الموروث البعثي، كي يزول من طباعنا وأنماط تفكيرنا، وطرائق تعاملنا مع المُختلف، وأساليب إدارتنا الاختلاف، لا يلزمه فقط "ثورة حريّة وكرامة" واحدة، بل عشرات ثورات حريّة وكرامة.

ذلك أن حالة البراءة أو التبرّؤ من هذا الموروث البغيض الذي نهلناه من مناهج التربية والتعليم، والإعلام، وحتّى في الهواء الذي كنّا نتنفّسه في دولة البعث - الأسد، حالة التبرؤ هذه، لن تكون بالشعارات والكلام المفتقد للمصداقية، إنما بالممارسات والتعاملات اليوميّة بين أنفسنا.

وعليه، أولئك الذين يزعمون العصيان الفكري والسياسي على البعث وتركته العنصريّة، كثيراً ما يتحدّثون عن الوطنيّة بطريقة غاية في الحرص والشغف واللهفة، على أن هؤلاء وصلوا إلى مرحلة البراء والشفاء المطلق من أوبئة نظام البعث - الأسد! هؤلاء الوطنيون الأصفياء الأنقياء والأتقياء...، أو يفترض أن يكونوا هكذا، سرعان ما تظهر لديهم بوادر الردّة إلى قواميس وعادات وتقاليد وأعراف الذهنيّة البعثيّة، أثناء اصطدامهم مع قضايا الاختلاف واستحقاقاتها على الصعيد الوطني، سياسيّاً وثقافيّاً وفكريّاً.

لدى هؤلاء، كي أكون وطنيّاً سوريّاً خالصاً، وفق "تيرمومتر" الخاصّ بهم، يجب عليّ أن أتجرّد من كرديّتي، وأن أكون بالضدّ من هذه الحقيقة القوميّة، الثقافيّة الحضاريّة السوريّة، الموجودة حتى قبل وجود سوريا (ككيان جغرافي - سياسي - دستوري)، شأنها شأن الحقيقة، السريانيّة، والآراميّة، والعربيّة...إلخ! وأن أتوقّف عن التأكيد على وجود المظلوميّة الكرديّة في سوريا، وأن هذه المظلوميّة لا تسقط بالتقادم والإنكار الغبي والمتهافت؛ المشوب بالأحقاد وحسّ الكراهية، المستند على نفي الوجود القومي الكردي الأصل في سوريا أولاً، كمدخل إلى نفي المظلوميّة الكرديّة في سوريا، ثانيا.

لدى هؤلاء، كي أكون وطنيّاً سوريّاً خالصاً، وفق "تيرمومتر" الخاصّ بهم، يجب عليّ أن أتجرّد من كرديّتي

صحيح أنّ اسم كاتب هذه الأسطر، يشير إلى أنني لست بعربيّ، مع احترامي للعروبة والانتماء العربي، ذلك أنه منذ ظهور العرب على وجه الخليقة لم يكن هناك شخص بينهم اسمه هوشنك وكنيته أوسي، ولكن الصحيح أيضاً أنني أتقصّد وأتعمّد أن أوقّع مقالاتي المنشورة في الصحافة العربيّة بـ"كاتب كردي سوري"، كي تعتاد أعين هؤلاء على رؤية كلمة كردي، ويرتقي وعيهم شيئاً فشيئاً نحو الانفتاح الوطني الكبير، والإقرار بحقائقه القوميّة والثقافيّة الدامغة والمتنوّعة.

الحساسيّة الوطنيّة "العاليّة جدّاً" لدى بعض السوريين تدفعهم أحياناً لاعتبار أن مجرّد ذكر أنني كردي، أثناء التعريف بنفسي أو توقيع مقالاتي، فهذا مؤشّر على أنني انفصالي أو أضمر الانفصال، أو لدي قصور في الشعور والهمّ والانتماء الوطني! هذه الحساسيّة المفرطة في التغنّي بالوطن والوطنيّة، كانت جامدة أو فاترة حيال التعامل مع الكتّاب العرب الذين يتغنون بعروبتهم وانتمائهم القومي والعرقي، وتفضيلهما على العالمين. بالتغنّي بالعروبة والتأكيد عليها، ليست مؤشرّاً على الانفصال بالنسبة لهم! أبعد من ذلك، هذه الحساسيّة، تصرّ وتؤكّد دائماً على عروبة سوريا، وضرورة أن يبقى اسم الدولة مقروناً بالانتماء القومي، وأن العرب هم الأغلبيّة في سوريا، وفي المناطق الكرديّة السوريّة؛ عفرين، القامشلي، عامودا، الدرباسيّة...إلخ أيضاً!، ولو تسنى لهم الأمر، لجعلوا من العرب أغلبيّة في دياربكر، دهوك، أورمية، مهاباد، ديرسم...إلخ! هكذا طريقة في التفاخر، حقّ طبيعي من حقوقهم، ولا يعتبرونه مسّا أو تفنيداً لحديثهم المدرار عن الوطنيّة وخصال الوطني السوري! في حين إذا ذكر سوري بأنه كردي، تضيق بهم أعينهم وقلوبهم وعقولهم "الوطنيّة الديمقراطيّة المفتوحة" على مستقبل ديمقراطي، تعددي، علماني، ليبرالي، وطني سوري! هذا الجحود بالتنوّع الاجتماعي السوري، واستحقاقات هذا التنوّع السياسيّة والدستوريّة الديمقراطيّة قوميّاً ووطنيّاً، هو المدماك الأوّل في إعادة إعمار أو ترميم الترسانة والخرسانة البعثيّة في الوعي السوري المفترض أنه معارض لنظام البعث - الأسد. هذا الجحود، يؤسس لفاشيّة توازي فاشيّة نظام البعث - الأسد، وربما تتجاوزها أيضاً في الشدّة، وتعاكسها في الاتجاه.

حين يتحدّث الكرديّ عن مظلوميّته، يتم نفي هذه المظلوميّة، وتسفيهها، والتغطية على ذلك بأن كل السوريين كانوا مظلومين، ولا فرق بين عربي وكردي في الظلم الذي لقي من نظام الأسد - البعث. لا يا أخي، هناك فرق. هؤلاء الذين ينفون الفروق، لم يولدوا مجرّدين من الجنسيّة والحقوق المدنيّة كسوريين، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم! هؤلاء، لم تكن لغتهم ممنوعة ومقموعة، وحرام عليهم التحدّث بلغتهم الأم، ولو سهواً، في المرافق العامّة. هؤلاء، لم يأكلوا ضرباً بالعصيّ على أيديهم وهم أطفال صغار، لأنهم يتحدّثون بالكرديّة، ولم يفكّوا الحرف العربي بعد! هؤلاء لم يكونوا محرومين من السفر، خارج البلد، ولم يكونوا محرومين من التوظيف والتملّك وتثبيت عقود زواجهم وأولادهم في السجّلات الرسميّة. هؤلاء لم يكونوا ممنوعين من إطلاق أسماء كرديّة على أطفالهم! هؤلاء إذا عادوا إلى السجلات الرسميّة، لن يجدوا اسم هوشنك مكتوباً في خانة كاتب هذه الأسطر، بل اسماً آخر، لأنه كان ممنوعاً إطلاق الأسماء الكرديّة على المواليد الكرد، بعد المباشرة في تنفيذ مشروع الحزام العربي الـ"حافظ أسدي" العنصري الشنيع! ولكن، بالنظر إلى الواقع السوري على ضفّتي النظام ومعارضته، بات من طبائع الأمور أن نجد متهافتين، إذا فشلوا في نفي الوجود القومي الكردي في سوريا، تاريخيّاً وحضاريّاً، يحاولون التقليل من هذا الوجود، وصولاً للتقليل من استحقاقاته. وإذا فشلوا في نفي المظلوميّة الكرديّة، بتلك الطرائق الكاريكاتوريّة، يحاولون التقليل منها أو الاستخفاف بها. وتصل حالة الفوبيا الكرديّة أو الضغينة والكراهية لدى بعض المعارضين السوريين إلى الدفاع عن نظام حافظ الأسد وتقديمه على أنه كان "رحمن رحيم" مع الأكراد في سوريا...، وهكذا دواليك. هذا النسق والنمط الفاشي والعصبوي، يتعامى عن أن الألمان في بلجيكا رغم أن نسبتهم 1% (70-80 ألف نسمة) إلاّ أنه معترف بجودهم القومي واختلافهم الهوياتي والعرقي في الدستور، ولغتهم الألمانيّة رسميّة، ويتمتّع إقليمهم بالفيدراليّة. الحسكة التي مساحتها تقارب ثلثي مساحة بلجيكا، وإذا أضفنا إليها مساحة كوباني وعفرين، ربما تتجاوز مساحة المناطق الكرديّة أو الإقليم الكردي في سوريا، مساحة بلجيكا! ومع ذلك، يرفض هؤلاء الاعتراف الدستوري بوجود شعب كردي في سوريا. لكن إذا كانوا يرفضون اليوم الاعتراف بذلك، لأسباب معروفة، وبمبررات وقرائن سخيفة، سيضطرون للاعتراف بذلك مستبقلاً. ذلك أن هؤلاء المعارضين السوريين، لن يكونوا أكثر جبروتاً وفرعنة ونمردة من صدّام حسين الذي اعترف بالوجود الكردي في العراق سنة 1971، وأقرّ هذا الوجود في البرلمان والدستور العراقي سنة 1974

حين يتحدّث الكرديّ عن مظلوميّته، يتم نفي هذه المظلوميّة، وتسفيهها، والتغطية على ذلك بأن كل السوريين كانوا مظلومين

وحين أذكر بعض مأساتي، لأنني كرديّ، ولأنني سوريّ، يستكثر عليّ البعض ذلك، على أنني أتحدّث عن نفسي، ولديّ تضخّم في الـ"أنا"! أبعد من ذلك، حين كتبتُ مقالاً عن مبدعة سوريّة من السويداء حققت إنجازاً ثقافيّاً هو مفخرة لكل السوريين، أيضاً استشاط البعض غضباً وامتعاضاً، على أنني مناطقي وهويّاتي، وهم الوطنيون الخالصون الذين لا يأيتهم الريب والشبهة من بين يديهم أو من خلفهم! وهناك من يظنّون أنهم يتفضّلون عليّ إذا سمحوا لي بالكتابة في موقع سوري معارض، على أن ذلك دليل دامغ على صلاح هؤلاء وطنيّاً، وبراءتهم من الموروث البعثي ثقافيّاً وسياسيّاً، ويجهلون أن ذلك، وأقصد الكتابة في هذا الموقع السوري أو ذاك، هو من حقّي لأنني كاتب أولاً، ولأنني كاتب كردي ثانيّاً، ولأنني كاتب كردي سوري ثالثاً...، ومن الواجب على أي موقع يزعم الوطنيّة السوريّة الجامعة المنفتحة، الانفتاح على أمثالي وغيري من الكتّاب الكرد، السريان، التركمان، الأرمن، الشركس، الشيشان، الروم، اليهود...، السوريين.

سأبقى مدافعاً عن المظلوميّة الكرديّة في سوريا أولاً، حتّى لو بقي شخص واحد في هذا العالم ينكرها ويشكك فيها. سأبقى أدافع عنها لأنها حقيقة دامغة لمن يريد أن يرى ويفهم ويستوعب. سأبقى مدافعاً عن المظلوميّة الكرديّة في سوريا، في إطار نقد وشجب وإدانة التجربة البعثيّة في النظام والمعارضة السوريان. سأبقى مدافعاً عن هذه المظلوميّة ليس بوصفي كرديّاً وحسب، بل بوصفها مظلوميّة الإنسان والأرض والهويّة التي أرى أنه من الواجب عليّ أو من حقّي الدفاع عنها، بالمنطق والحجج والأفكار، وضمن أصول وفروع المحاججة وآداب ومبادئ الحوار والمنتج والمجدي. سأبقى أدافع عن المظلوميّة الكرديّة في سوريا، في إطار الدفاع عن المظلوميّة الكرديّة في الشرق الأوسط (تركيا، إيران، العراق). ومن طبائع الأمور أنه في سياق الدفاع عن هذه المظلوميّة، ثمّة ممن ينكرها، سيعتبر دفاعي عنها إهانة لهم! فليسمحوا لي بالإضافة؛ إن هذا الدفاع هو إدانة لهم، وليس فقط إهانة أو اتهاماً! سأبقى أدافع عن المظلوميّة الكرديّة، وأؤكّد على وجودها دوماً، إلى جانب التأكيد على المظلوميّة السريانيّة والآشوريّة والتركمانيّة في سوريا، رغم اختلاف نسبة الشدّة والألم بين هذه المظلوميّات. فالنظم المتعاقبة على سوريا والشرق الأوسط، من الدولة الأمويّة وإلى هذه اللحظة، كانت نظماً ظالمة وجائرة، ومن البديهي ألاّ تكون عادلة في توزيع الظلم على الأقليّات القوميّة والدينيّة والمذهبيّة في سوريا. والتاريخ خير معلمٍ وشاهدٍ وبرهانٍ على ذلك.

نعم، سوريا تعيش تراجيديا كونيّة، وأرضها وسماؤها تنزفان دماً ودمعاً. نعم الخراب والدمار في الديار يفوق كل تصوّر وتعبير عن الوصف. لكن خراب الأنفس والعقول أكبر وأعمق وأكثر كارثيّة. هذه المأساة، وتهافت البعض، لن تمنعني من الدفاع عن حقوق الكرد وكل مكوّنات الشعب السوري، أثناء النظر إلى الحاضر والماضي، والتطلّع إلى مستقبل يتجاوز الحاضر والماضي بأنقاضه وركامه وحضيضه السياسي والثقافي.

قصارى القول: البعثنة الممزوجة بالأخونة، أو الأخونة الممزوجة بالبعثنة، أو اليسار الممزوج بالبعثنة ليست قضاءاً وقدراً مكتوباً أو مفروضاً على السوريين. وأجد أنه من واجبي مقاومة هذه الذهنيّة والسلوك والتوجّه السياسي والثقافي، باعتباري إنساناً أولاً، وكرديّاً ثانياً، وسوريّاً ثالثاً. "شاء مَن شاء، وأبى مَن أبى. ويلي مش عاجبه، فليشرب من البحر الميّت" على حدّ تعبير الزعيم الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم