البرامج الساخرة ظواهر لافتة في الإعلام

مقدم برنامج "جو شو" يوسف حسين

أراد أميرٌ أن يتظارف فيسخر من أحد أفراد الشعب، كما يحاول بعض الرؤساء العرب التظارف، في خطاباتهم، بإلقاء نكات سمجة لتمييع القضايا المهمة بإثارة الضحك منها. على الفور تتبادر إلى أذهان المئات الرد بسخرية أكبر من أولئك الرؤساء، ولما كان من غير الممكن مواجهة الرئيس بالرد، والحراس يحيطون به، لذلك فإن الظرفاء سريعي البديهة يكتفون بتداول تلك الأحاديث الساخرة فيما بينهم.

الرد متاح في الدول الديمقراطية، حيث تنتشر البرامج الساخرة، والصحف الحرّة. أما في البلاد العربية، فإن ذلك غير ممكن إلّا إذا كان الساخر مقيماً في دولة تعادي حكم بلاده، مما يتيح له المجال لانتقاد حكومته. ومن الغريب ألاّ ينتبه الحاكم الذي يتيح مجال السخرية من حاكم آخر، أنّ تلك السخرية تنطبق عليه، تماماً، وكل ما يلزم لذلك هو تغيير الاسم وحسب.

نعود إلى صاحبنا الأمير الذي أراد الاستهزاء من مواطن بسيط: فقد التقى الأمير، يوماً، بشخص يشبهه تمام الشبه، فغمز، أمام مرافقيه، مخاطباً الرجل، بسخرية واضحة: أرى أنك كثير الشبه بي، هل كانت أمك، يا هذا، تقيم في البلاط الملكي؟

فأجاب الرجل ببديهته الحاضرة: كلا يا سيدي، بل أبي!

الرد متاح في الدول الديمقراطية، حيث تنتشر البرامج الساخرة، والصحف الحرّة. أما في البلاد العربية، فإن ذلك غير ممكن إلّا إذا كان الساخر مقيماً في دولة تعادي حكم بلاده

وهكذا تلقّى الأمير صفعة لم يكن يتوقّعها من إنسان بسيط.

لم تقل لنا الحكاية ما الذي جرى للرجل الجريء. قد يكون النفي هو أخفّ ما يمكن أن يقع له.

وعلى سيرة المنافي والتهجير، فقد توزّع السوريون والمصريون، في أصقاع الأرض، ووجد بعضهم متنفّساً في أماكن هجرتهم، وغدا مباحاً كل ما كان ممنوعاً وعصيّاً على التداول.

وقد حظيت تركيا بعدد من أولئك الساخرين المبدعين، فأتاحت لهم قنوات فضائية، يعبّرون من خلالها عن همومهم، ويعلنون آراءهم الصريحة بحكّامهم المستبدين الأغبياء الذين لا يملكون من شروط الحكم إلاّ القوة الغاشمة التي تبطش بالمعارضين.

لقد فرض حكام الدول العربية أنظمة استبدادية قمعية لم تترك لحرية التعبير سوى زاوية صغيرة ومقيّدة.

كانت الجماهير العربية تعزّي نفسها بالدعاة الذين شغلوا الناس وملؤوا الفضائيات، غير أن انطلاق الثورات العربية، التي بدأت من تونس، كشفت معظم الدعاة وباتوا يتهاوون تباعاً ليصبّوا في خانة الأدعياء، وتحوّلوا إلى مبشّرين وداعمين للحكام العرب، وعوناً لهم على طغيانهم، بل جعلوهم في مقام الأنبياء.

غزا معارضو الحكومات العسكرية الطاغية الساحة وبدؤوا يطلقون الشائعات، ويتندرون، سرّاً، بفضائح طرائق تفكير الحكّام والأدعياء وخطاباتهم الهزيلة. وحين أتيح المجال، من خلال البرامج المتنوعة التي يمكن بثّها عبر الإنترنت ومن خلال الفضائيات، صارت البرامج بدل الشائعات. وغدا من الممكن إلقاء الضوء على الظواهر السلبية (بالصوت والصورة) فلا مجال لتكذيب المعروض، وإن كان بالإمكان تفسيره بشكل مختلف. إن طريقة العرض تحدد الغرض من المادة التي يتم تناولها في البرنامج.

إن الإعلام الثوري الساخر أصبح سلاحاً فعّالاً لمواجهة إعلام السلطة، فلم تكتفِ البرامج الساخرة بتشريح الرؤساء والوزراء وأصحاب المناصب، بل تجاوزت ذلك لتسخر من الإعلام المعلّب الذي جعل من نفسه أضحوكة وهو يمجّد الوضيع من الساسة، ويحاول أن يصوّر كل ما يقومون به وكأنه يصبّ في مصلحة الشعب، وكأنهم القادة الملهمون الذين لا يخطئون، والذين سخّرهم الله لإنقاذ المجتمع من ضلاله المقيم.

إن الكذب المكشوف الذي يمارسه الساسة وإعلامهم الفج، يشكّل مادّة دسمة للبرامج الساخرة التي استطاعت، بحنكتها وظرفها التغلّب على إعلام السلطة وفضحه.

من تلك البرامج الناجحة" جو شو" الذي يقدّمه "يوسف حسين" على قناتي سوريا والعربي، ولاشك أنّ ظرفه يتعمّق بما حظي به من فريق إعداد ناجح يتقصّى زلاّت الرؤساء وإعلامهم المسرف في الدجل إلى حدّ الغثيان، ويوفّر مادة تلفزيونية دسمة.

كذلك نجح برنامج "نور خانم" الذي تقدّمه "نور حداد" في إطار  سكيتشات تمثيلية وفقرات حوارية ذات طابع ساخر. وهناك برامج مثل "بس مات وطن" و"دمى قراطية" و" درامللي"  الذي تقدمه ورد نجار.  و"كشف حمادة" لأحمد بحيري. و"فوق السلطة" لنزيه الأحدب. و "ما لاقط" لأماني جحا. وهناك برامج تعرف بأسماء مقدّميها وحسب، مثل برنامج "عبد الله الشريف" الذي كان يقدّم برنامج الشاب أشرف. والسيناريو الذي كان يقدّمه همام حوت.

لقد أوردنا هنا نماذج لاستحالة استعراض جميع البرامج.

إن الإعلام الثوري الساخر أصبح سلاحاً فعّالاً لمواجهة إعلام السلطة، فلم تكتفِ البرامج الساخرة بتشريح الرؤساء والوزراء وأصحاب المناصب، بل تجاوزت ذلك لتسخر من الإعلام المعلّب

في المقابل يشتهر بعض مقدمي البرامج السلطوية الهزيلة التي تكون مادة دسمة للبرامج الساخرة، منهم "نديم قطيش" الذي تحوّل من ساخر إلى مدار للسخرية، بسبب دفاعه السمج عن محمد بن سلمان على قناة «العربية» وصار الحبل عالجرّار. كذلك نجد مرتزقة لا تعنيهم الحرية ولا الكرامة أو العدالة فينحازون للطغاة، أمثال: مصطفى بكري وأحمد موسى و عبد الباري عطوان وعمرو أديب وريهام سعيد وإبراهيم عيسى وغيرهم.

أمام السياسات الهزيلة والإعلام الحكومي الهزلي المترهل، كان لابد من المواجهة بسخرية مرّة، لأن الإعلاميين الأحرار لا يستطيعون فعل شيء آخر للمجابهة على أرض الواقع. راحت هذه البرامج تلعب على التناقض في الأقوال فضلاً عن الهوة الكبيرة بين القول والفعل لدى السلطة، ولدى الإعلام الموالي لها.

إن الواقع المأساوي الذي يعيشه المواطن العربي يحتاج إلى تلك السخرية التي تقيه من الموت قهراً. والبرامج السياسية الساخرة في العالم العربي ما تزال ظاهرة جديدة ارتبط ظهورها بمرحلة الربيع العربي. إنها كوميديا سوداء تتنقّل بين الجد والهزل. تستعين بمواد تلفزيونية أرشيفية تفكك سياق الحدث وتعمل على إبراز تناقضات وكذب  الشخصية أو الموقف المستهدف بروح الفكاهة والهزل السياسي الراقي، فتكشف الإعلام الموالي وتهافته وهو يجمّل السياسات التافهة لحكّام ثبت أن الكرسي فضفاض على صغر شأنهم، وضحالة تفكيرهم، وأنانيتهم المفرطة.

وقد تحولت البرامج السياسية الساخرة إلى فضاء جديد لمناقشة قضايا الرأي العام بشكل مختلف، وحازت على اهتمام الجمهور الذي ينتظر أن  تشكل قوة ضغط لتغيير مسار السلطات العربية. ومع أن ذلك مستبعد في ظل التطنيش السلطوي، فلا أقل من أن تتمكن تلك البرامج من تصويب آراء الموالين المستكينين الذين يظنون أن الطغيان خير من (الفَلَتان الأمني) المحتمل، أو يغرق معظمهم في بئر تصديق ادّعاءات الحكّام بأنّهم "المخلصون" بتسكين الخاء وكسر اللام، ثم بفتح الخاء وتشديد اللام. ولعل البرامج الساخرة تتمكّن من إقناع العامّة بأهمية التفريق بين المسؤول السياسي ورمزية الدولة، تلك الفئة التي تعتقد أن انتقاد الحاكم يُعدّ استخفافاً بالدولة، وهو تصور خاطئ تجاوزته المجتمعات المتقدّمة التي تنعم بالديمقراطية، ويحدوها التفكير الحرّ.

 

شارك برأيك

أشهر الوسوم